غسان مسعود: الصدق جوهر التمثيل وعمق التأثير الإنساني


هذا الخبر بعنوان "غسان مسعود… حين يصبح الصدق أعلى أشكال التمثيل" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٥ تموز ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في حوارٍ ضمن برنامج «قصتي» مع محمد قيس، لم يقتصر الفنان غسان مسعود على سرد مسيرته كممثل، بل كشف عن رحلة إنسان يسعى للحفاظ على المعنى في زمنٍ يطغى عليه الاستهلاك السريع. لم يتحدث كَنجمٍ يستعرض نجاحاته، بل كفنانٍ يدرك أن القيمة الحقيقية لا تُقاس بعدد الأدوار، بل بالأثر العميق الذي تتركه أعماله في نفوس المتلقين. اللافت في هذا اللقاء ليس ما قاله مسعود فحسب، بل الطريقة التي عبّر بها عن أفكاره؛ تميز بالاتزان الانفعالي، ودقة اختيار الكلمات، واستخدام الصمت بفعالية توازي قوة الجمل. بدا وكأنه يثق بالحقيقة أكثر من الخطابة، والحقيقة عنده ليست مجرد شعار، بل ممارسة يومية تبدأ باحترام المهنة وتنتهي باحترام الإنسان.
يُعد غسان مسعود من الفنانين القلائل الذين يسكنون الشخصيات التي يؤدونها، مما يجعل حضوره خارج الشاشة امتداداً لحضوره عليها، فلا انفصال بين الإنسان والفنان. هذه صفة نادرة في عصرٍ يمكن فيه تصنيع الأداء، بينما يظل الصدق عصياً على التقليد. يتعامل مسعود مع الفن كمسؤولية معرفية وأخلاقية، لا كمهنة تقود إلى النجومية. لا يتحدث عن النجاح بلغة السوق أو الشهرة كغاية، بل كأثر جانبي محتمل. يشغله دائماً السؤال الأعمق: ماذا يضيف العمل إلى الإنسان؟ وهذا السؤال يميز بين من يبحث عن دور ومن يبحث عن معنى.
تكمن القيمة الكبرى في غسان مسعود في أنه لا يستهلك الثقافة كزينة لغوية، بل تتجلى ثقافته في منطقه ورؤيته للتاريخ والمسرح والحياة. يتحدث بأسلوبٍ يوحي بأن القراءة الطويلة أصبحت جزءاً من نبرة صوته، دون استعراض للمراجع أو ادعاء للحكمة، بل بوعيٍ هادئ يجعل الفكرة تصل قبل أن يدركها المستمع. في زمنٍ أصبحت فيه المقابلات التلفزيونية مساحة للترويج والانفعال السريع، جاء هذا اللقاء أقرب إلى جلسة تأمل. أتقن محمد قيس فن الاستماع، وعرف غسان مسعود متى يصمت، فولد توازنٌ أثمر حواراً لم يسعَ للإثارة بل للكشف.
ما يخرج به المشاهد من اللقاء ليس معلومات جديدة عن حياة غسان مسعود، بل انطباعٌ راسخ عن فنان لم يسمح للنجاح بإفساد حساسيته، ولم تسمح له الخسارات بتجريده من إيمانه بالفن. يؤمن بأن الفنان الحقيقي لا يقاس بعدد الجوائز، بل بقدرته على البقاء صادقاً مع ذاته رغم تغير العالم. لا تكمن قيمته الفنية في إتقانه للشخصيات التاريخية أو المركبة فحسب، بل في منحه التمثيل بعداً أخلاقياً. فهو لا يؤدي الشخصية لإقناعنا بها، بل ليكشف الإنسان الكامن داخلها، مما يجعل أدواره خالدة وأكثر قدرة على البقاء. في نهاية اللقاء، لا يبقى في الذاكرة تصريحٌ بعينه، بل أثر رجل يذكرنا بأن الفن العظيم يبدأ من الصدق، وأن الموهبة تظل ناقصة إن لم تُسندها النزاهة الداخلية. يبدو غسان مسعود أكبر من ممثل ناجح؛ إنه شاهد على فكرة نادرة مفادها أن الإنسان، حين يحافظ على صدقه، يصبح حضوره بحد ذاته عملاً فنياً. (موقع:أخبار سوريا الوطن)
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة