تفجير دمشق: توقيت غامض والمستفيدون المحتملون من زعزعة الاستقرار


هذا الخبر بعنوان "تفجير دمشق.. ماذا يقول التوقيت ومن المستفيد؟" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٥ تموز ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
شكل التفجير الذي وقع في دمشق بتاريخ 2 تموز الحالي نقطة تحول في النقاش الدائر حول طبيعة الأحداث الراهنة، خاصة وأنها جاءت في فترة سياسية استثنائية. وبينما تتواصل التحقيقات لكشف الجهات المنفذة، تتجه القراءة السياسية والأمنية إلى تحليل توقيت العملية ورسائلها والأطراف التي قد تستفيد منها. وبحسب الرواية الرسمية، نجم التفجير عن عبوة ناسفة في مقهى “المشيرية” بشارع النصر بالعاصمة دمشق، بالقرب من القصر العدلي، مما أسفر عن مقتل وإصابة عشرات من رواد المقهى.
أعاد التفجير الأخير في دمشق النقاش حول مستوى التحديات الأمنية التي تواجه سوريا، بعد فترة من الاستقرار النسبي في العاصمة وعدد من المحافظات. وتتباين زوايا النظر إلى الحدث، فمنهم من يربطه بالتحولات الإقليمية، ومنهم من يقرأه كخرق أمني يستهدف مسار العدالة الانتقالية.
يرى الكاتب السياسي درويش خليفة أن سوريا شهدت استقراراً أمنياً جيداً مؤخراً، إلا أن التحولات الإقليمية المتسارعة، والحرب الإيرانية-الإسرائيلية، وتدخل حزب الله، بالإضافة إلى التصريحات الأمريكية المطالبة بالتدخل السوري في لبنان، كلها عوامل قد تؤثر على أمن واستقرار المنطقة. ويلفت إلى أن الاستهداف لم يوجه لشخصيات سياسية، بل لموقع مرتبط بمنظومة العدالة والقضاء، في وقت تشهد فيه سوريا محاكمات لرموز النظام السابق. ويعتبر أن الأطراف الإقليمية والقوى الفاعلة، بما في ذلك حزب الله والميليشيات الولائية العراقية، قد تضررت من سقوط نظام الأسد، مما يجعل احتمال تكرار مثل هذه العمليات قائماً. ويضيف أن العملية تحمل طابعاً استخباراتياً واضحاً، وتشير إلى وقوف جهات ذات خبرات أمنية ومخابراتية وراء التخطيط والتنفيذ، بهدف توجيه رسالة بقدرتها على اختراق المنشآت المرتبطة بالمحاكمات، وزعزعة الأمن والاستقرار، وعرقلة مسار العدالة الانتقالية. ويخلص إلى أن المسألة هي قضية أمنية واستخباراتية بالدرجة الأولى.
من جانبه، يرى الباحث الأول في المركز العربي لدراسات سوريا المعاصرة، الدكتور سمير عبد الله، أن التفجير يحمل رسالة تتجاوز البعد الأمني المباشر. ويعتبر أن المنطقة تشهد إعادة تشكيل للتحالفات والسياقات، وأن هناك من يسعى لضرب المسارات الجديدة المتعلقة بسوريا، سواء في علاقاتها العربية والدولية، أو في جذب الاستثمارات، أو في مسارات بناء الدولة والعدالة الانتقالية. ويضيف أن رسائل التفجير لا تقتصر على إيقاع الضحايا، بل تشمل إثارة الفوضى، وضرب الثقة بالأمن، وإخافة المستثمرين، وإبطاء التعافي الاقتصادي، لأن استمرار الفقر والبطالة واليأس يوفر بيئة مناسبة لاستقطاب عناصر جديدة. ويؤكد أن مواجهة الإرهاب لم تعد أمنية فقط، بل أصبحت أيضاً معركة استقرار اقتصادي، وبناء مؤسسات، وتعزيز ثقة السوريين بالدولة.
جاء التفجير في توقيت سياسي لافت، تزامن مع زيارة وزير الخارجية أسعد الشيباني إلى لبنان، وترقب انعقاد الجلسة الأولى لمجلس الشعب يوم الاثنين 6 تموز، بالإضافة إلى الحديث عن زيارة مرتقبة للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، مما فتح باب التساؤلات حول الرسائل التي يحملها هذا التوقيت.
يستبعد درويش خليفة وجود صلة مباشرة بين العملية وزيارة وزير الخارجية إلى لبنان، معتبراً أنه لا يوجد رابط منطقي بين الزيارة واستهداف المقهى الواقع في محيط العدلية، والذي يرتاده عادة محامون ومعقبو معاملات. ويرجح أن ترتبط العملية بعوامل داخلية أو بجهات متضررة من عودة الاستقرار الأمني، ولو بصورة نسبية، إلى محافظات مثل دمشق وحلب وحمص وحماة وإدلب، معتبراً أن الهدف يتمثل في إرباك المشهد الأمني وتوجيه رسالة مفادها أن الاستقرار لا يزال هشاً وقابلاً للاختراق.
يطرح التفجير تساؤلات حول الجهات المستفيدة من زعزعة الاستقرار، خاصة وأنه لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن تبني الحادثة حتى لحظة إعداد هذا التقرير. في وقت حظيت فيه الحكومة السورية بموجة واسعة من الإدانات والتضامن العربي والدولي، الأمر الذي يفتح النقاش حول انعكاسات ذلك على المرحلة المقبلة.
يرى الكاتب السياسي درويش خليفة أن المستفيدين من هذا الخرق الأمني متعددون، ومن بينهم شخصيات موقوفة تخضع للمحاكمة على خلفية ارتباطها بالنظام السابق، ودول كانت تدعم نظام بشار الأسد، إلى جانب تيارات لا تزال تنشط في الخفاء وتسعى إلى إرباك المشهد الأمني. ويضيف أن تنظيم “الدولة” يعد أيضاً من المستفيدين من أي حالة فوضى أو تراجع أمني، حتى وإن لم تتوافر حتى الآن مؤشرات تؤكد وقوفه وراء العملية. ويشير إلى أن المعلومات المتداولة من داخل قصر العدل في دمشق تفيد بأن الخطة كانت تقوم على ثلاث مراحل، تبدأ باستهداف المقهى، ثم التسلل عبر الجهة اليسرى، وصولاً إلى تنفيذ أعمال إرهابية وتفجيرات داخل قصر العدل، معتبراً أن المنفذين نجحوا في تحقيق جزء من أهدافهم عبر توجيه ضربة للثقة بالوضع الأمني، بينما أخفقوا في استكمال كامل المخطط.
أما الدكتور سمير عبد الله، فيعتبر أن أطرافاً عدة قد تستفيد من زعزعة الاستقرار في سوريا، من بينها تنظيم “الدولة الإسلامية”، وبقايا النظام السابق، وأطراف إقليمية وشبكات مرتبطة بها. ويعتقد أن المؤشرات المتاحة ترجح بدرجة كبيرة وقوف تنظيم “الدولة” وراء الهجوم، في ضوء نشاطه خلال الفترة الماضية في الرقة وريف حلب، موضحاً أن التنظيم يسعى إلى تأكيد أنه ما يزال قادراً على تنفيذ هجمات في العمق السوري. كما يحاول استثمار حالة السخط لدى بعض الفئات الرافضة لانفتاح الحكومة السورية على الغرب وتحالفاتها الإقليمية الجديدة، بهدف إعادة بناء شبكات التجنيد والاستقطاب، وفقاً لعبد الله. وأشار إلى التضامن العربي والدولي الواسع مع الحكومة السورية عقب التفجير، يعكس وجود مصلحة إقليمية ودولية في استقرار سوريا ومنع عودتها إلى الفوضى. ويرى أن هذا الموقف يعزز موقع الحكومة سياسياً ويمنحها دعماً أكبر في مواجهة التحديات الأمنية، لكنه في الوقت نفسه يضاعف مسؤوليتها في حماية الاستقرار وتسريع بناء مؤسسات الدولة.
بالتوازي مع تفجير دمشق، أصيب ثلاثة عناصر من قوى الأمن، صباح يوم الجمعة 3 تموز، في هجوم استهدف حاجزاً أمنياً عند مدخل مدينة جرمانا بريف دمشق، قبل أن يُقتل المهاجم بانفجار قنبلة يدوية كان يحاول إلقاءها. ونقلت وكالة الأنباء السورية (سانا) عن مصدر أمني أن عناصر الحاجز أوقفوا شخصين كانا يستقلان دراجة نارية للتثبت من هويتهما، قبل أن يبادر أحدهما إلى سحب مسدس وإطلاق النار، ثم إلقاء قنبلتين يدويتين باتجاه الحاجز، مما أسفر عن إصابة ثلاثة عناصر بجروح. وأضاف المصدر أن المهاجم حاول إلقاء قنبلة يدوية ثالثة، إلا أنها انفجرت به، مما أدى إلى مقتله على الفور. وبحسب ما نقلت قناة “الإخبارية السورية”، تبيّن بعد التعرف إلى هويته أنه يدعى دانيال رياض داوود، وهو مطلوب في قضايا قتل والاتجار بالمواد المخدرة، فيما ألقت القوى الأمنية القبض على الشخص الذي كان برفقته، ولا تزال التحقيقات مستمرة لكشف ملابسات الحادثة واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة.
سياسة
سوريا محلي
سياسة
سياسة