أوروبا في مواجهة مزدوجة: صدمة إيران الاقتصادية وتحدي الصين الصناعي


هذا الخبر بعنوان "أوروبا بين حرب إيران وصدمة الصين: قارة غنية في اختبار اقتصادي قاسٍ" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٦ تموز ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تواجه أوروبا اليوم تحديين اقتصاديين متزامنين، الأول جيوسياسي قادم من الشرق الأوسط يتمثل في حرب إيران واضطراب مضيق هرمز مما أدى إلى صدمة طاقة جديدة، والثاني صناعي من الصين حيث لم تعد بكين مجرد مصدر للمنتجات منخفضة التكلفة، بل أصبحت منافساً مباشراً في قطاعات حيوية مثل السيارات الكهربائية، البطاريات، المعادن النادرة، الآلات، والسلع الصناعية التي كانت تمثل سابقاً جوهر القوة الاقتصادية الأوروبية.
على الرغم من أن أوروبا ليست على وشك الانهيار بفضل سوقها الضخمة، عملتها القوية، مؤسساتها الراسخة، قاعدتها الصناعية المتقدمة، وفائضها التكنولوجي في قطاعات حساسة، إلا أن نموذجها الاقتصادي التقليدي الذي يعتمد على الطاقة الرخيصة من الخارج، الصادرات الصناعية عالية القيمة، الحماية الأمنية الأمريكية، والسوق الصينية المفتوحة جزئياً، بات مهدداً بشكل متزايد.
تأثير حرب إيران على الطاقة:
قبل الحرب في الشرق الأوسط، كانت أوروبا تتعافى ببطء من صدمة التضخم التي أعقبت حرب أوكرانيا. لكن إغلاق أو اضطراب مضيق هرمز أعاد شبح ارتفاع أسعار الطاقة. وفقاً للمفوضية الأوروبية، أدى شبه إغلاق المضيق إلى تقليص تدفقات النفط بنحو 15% والغاز الطبيعي المسال بنحو 20%، مما رفع أسعار الغاز بنسبة 50% والنفط الخام بنسبة 65% بين أواخر شباط/فبراير ونهاية نيسان/أبريل 2026. هذه الزيادات لا تؤثر فقط على أسواق المال، بل تتغلغل في كل جوانب الاقتصاد الأوروبي، من تكلفة تشغيل المصانع والنقل إلى أسعار الغذاء والتدفئة. ونتيجة لذلك، خفضت المفوضية الأوروبية توقعاتها للنمو الاقتصادي لعام 2026 إلى 1.1%، مع توقعات ببقاء التضخم عند 3.1%، وتعافٍ محدود في 2027. على الرغم من أن أوروبا قللت من اعتمادها على الغاز الروسي وزادت من استخدام الطاقة المتجددة، إلا أن الصدمة الحالية تؤثر على النفط والغاز المسال والمنتجات المكررة، مما يجعل العزل عن الأسواق العالمية أمراً صعباً. تتوقع المفوضية أن تتجاوز ذروة تضخم الطاقة في الاتحاد الأوروبي 11% في الربع الثاني من 2026.
تأثير ارتفاع الطاقة على المواطن الأوروبي:
يبدأ التأثير الاقتصادي للصدمة من الفواتير الشهرية للأسر. ارتفاع أسعار الطاقة يقلل من الدخل الحقيقي، مما يضعف الاستهلاك الذي يعد محركاً رئيسياً للنمو الأوروبي. يشير البنك المركزي الأوروبي إلى أن ارتفاع الطاقة وعدم اليقين يؤثران سلباً على الطلب الداخلي وثقة المستهلكين. تواجه الحكومات معضلة بين دعم الأسر والشركات، مما يزيد الضغط على المالية العامة ويغذي التضخم، أو ترك الأسعار ترتفع، مما يضر بالقدرة الشرائية ويقلل الاستهلاك.
التحدي الصيني:
بينما تمثل حرب إيران صدمة سريعة، فإن الصين تشكل زلزالاً بطيئاً في بنية الاقتصاد الأوروبي. يصف الاتحاد الأوروبي الصين بأنها شريك ومنافس وخصم نظامي في آن واحد. في عام 2025، بلغ عجز الاتحاد الأوروبي في تجارة السلع مع الصين 359.9 مليار يورو، حيث بلغت الواردات الصينية إلى أوروبا 559.5 مليار يورو مقابل صادرات أوروبية بقيمة 199.5 مليار يورو فقط. يتركز هذا العجز بشكل متزايد في السلع المصنعة، الآلات، والمركبات، وهي قطاعات كانت تاريخياً من صلب التفوق الصناعي الأوروبي. هذا يعني أن الصين لم تعد تنافس أوروبا في السعر فحسب، بل في التكنولوجيا الصناعية نفسها، بما في ذلك السيارات الكهربائية، البطاريات، معدات الطاقة الشمسية، والمكونات الضرورية للتحول الأخضر والرقمي في أوروبا.
المعادن النادرة: نقطة ضعف استراتيجية:
تعتمد أوروبا بشكل كبير على الصين في المواد الخام الحيوية، مثل العناصر الأرضية النادرة الثقيلة، التي تدخل في صناعة الهواتف، السيارات الكهربائية، توربينات الرياح، الطائرات، والدفاع. توفر الصين 100% من إمدادات الاتحاد الأوروبي من هذه المواد. تواجه أوروبا معضلة بين رغبتها في تقليل الاعتماد على الصين والحاجة إليها لإنجاز التحول الأخضر، وحماية صناعة السيارات الأوروبية مع الحاجة إلى البطاريات والمعادن الصينية. كما أن تشديد الأدوات التجارية يخشى منه أن يؤدي إلى حرب تجارية ترفع التكاليف على المستهلكين والشركات.
الدفاع: محرك اقتصادي وعبء مالي:
مع تزايد التهديدات الجيوسياسية، بدأت أوروبا في زيادة إنفاقها الدفاعي. يتوقع الاتحاد الأوروبي أن تبلغ نفقات الدفاع للدول الأعضاء 381 مليار يورو في عام 2025، بزيادة عن عام 2024. يمكن أن يمثل هذا الإنفاق فرصة صناعية إذا تركز على التصنيع الأوروبي المشترك في مجالات مثل الذخائر، الطائرات، المسيّرات، والدفاع السيبراني. ومع ذلك، قد يشكل عبئاً على الموازنات في ظل ارتفاع الفوائد، تباطؤ النمو، وشيخوخة السكان. يهدف حلف الناتو إلى استثمار الحلفاء 5% من الناتج المحلي الإجمالي سنوياً في الدفاع والأمن بحلول عام 2035.
مستقبل أوروبا: بين التعافي والانكماش:
يفترض السيناريو الأفضل انحسار صدمة الطاقة تدريجياً، وانخفاض الأسعار، وتراجع التضخم، وتحسن الدخل الحقيقي، واستعادة الأسر ثقتها، مع دعم الاستثمار للنمو. أما السيناريو الأسوأ، فيتضمن استمرار اضطرابات الطاقة، تفاقم المواجهة مع الصين، ودخول أوروبا مرحلة نمو ضعيف وتضخم أعلى. يقدر البنك المركزي الأوروبي في سيناريو متفائل انخفاض نمو منطقة اليورو إلى 0.5% في 2026 و0.4% في 2027، مع ارتفاع التضخم إلى 4.0% في 2026 وذروته عند 5.3% في 2027.
ما تحتاجه أوروبا:
تحتاج أوروبا إلى حلول أعمق من الإجراءات المؤقتة. أولاً، تسريع استقلال الطاقة عبر المتجددة والشبكات والتخزين. ثانياً، بناء سياسة صناعية أوروبية تحمي القطاعات الاستراتيجية دون أن تتحول إلى حمائية عمياء. ثالثاً، تقليل الاعتماد على الصين في المعادن الحرجة والمكونات الحساسة. رابعاً، توحيد سوق رأس المال الأوروبية لدعم الشركات الناشئة والصناعات الجديدة. يقدر تقرير ماريو دراغي أن الاتحاد الأوروبي يحتاج إلى استثمارات إضافية سنوية تتراوح بين 750 و800 مليار يورو لتحقيق أهدافه.
اقتصاد
اقتصاد
سياسة
اقتصاد