النفط السوري: لماذا لا يزال الإنتاج متواضعًا رغم استعادة الحقول؟


هذا الخبر بعنوان "النفط السوري.. لماذا لا تكفي استعادة الحقول لزيادة الإنتاج؟" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٦ تموز ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يشهد قطاع النفط السوري انخفاضًا ملحوظًا في مستويات الإنتاج خلال السنوات الأخيرة، متأثرًا بمزيج من العوامل الاقتصادية والسياسية والأمنية التي أعاقت قدرة القطاع على النمو والتطور. وفقًا لبيانات المعهد البريطاني لبحوث الطاقة، بلغ متوسط الإنتاج حوالي 34 ألف برميل يوميًا في عام 2019، وارتفع إلى 43 ألف برميل يوميًا خلال الأعوام 2020-2022، قبل أن يتراجع إلى 40 ألف برميل في 2023، ويستمر في الانخفاض ليصل إلى 34 ألف برميل يوميًا في عام 2025.
وأوضح الخبير الاقتصادي محمود عبد الكريم، في تصريحات لعنب بلدي، أن الأسباب المباشرة لهذا التراجع، الذي تجاوز 90%، تعود إلى تضافر أربعة عوامل رئيسية: تدمير البنية التحتية (آبار، أنابيب، مصافٍ) نتيجة للقتال، والعقوبات الغربية المفروضة منذ عام 2011 وتشديدها بقانون قيصر الأمريكي عام 2019، مما منع استيراد التقنيات وقطع الغيار والاستثمار في القطاع لأكثر من عقد. كما ساهم تفتت السيطرة الإدارية بين النظام السابق و"تنظيم الدولة" وقسد في استخراج النفط بمنطق البقاء اللحظي بدلاً من الإدارة المستدامة، بالإضافة إلى هجرة الكوادر الفنية المؤهلة.
وحاليًا، وبعد استعادة الدولة السورية حوالي 70% من احتياطي الحقول في كانون الثاني 2026، تتراوح تقديرات الإنتاج بين 60 و100 ألف برميل يوميًا، وفقًا لعبد الكريم. وأشار إلى تضارب لافت في الأرقام الرسمية، مما يعكس غياب الشفافية أكثر من واقع إنتاجي واضح.
وعن التحديات، أكد عبد الكريم أنها متعددة. فعلى مستوى البنية التحتية، انخفضت الطاقة التكريرية من حوالي 230 ألف برميل يوميًا في مصفاتي حمص وبانياس مجتمعتين إلى ما بين 50 و70 ألف برميل يوميًا فقط. وتحتاج أكثر من ألف كيلومتر من شبكة الأنابيب في الشمال الشرقي إلى استبدال كامل، بتكلفة تقديرية لإعادة تأهيل المنظومة تصل إلى 30 مليار دولار حتى عام 2030.
على المستوى القانوني، تجري الحكومة مراجعة شاملة لعقود قديمة مع شركات فرنسية وصينية وكرواتية وبريطانية وكندية وروسية منذ الثمانينيات، مما يخلق غموضًا قانونيًا مؤقتًا يردع بعض المستثمرين. وأضاف عبد الكريم ضعف التغطية التأمينية بسبب المخاطر السياسية المتبقية والمسؤوليات البيئية المتراكمة، وفجوة تقنية عميقة حرمت العقوبات القطاع خلالها من تقنيات أساسية مثل الرفع الاصطناعي وحقن المياه.
كما لفت الخبير الاقتصادي إلى تحدي التوقيت السوقي، حيث يتداول برميل البرنت حاليًا بسعر معتدل نسبيًا، مما يعني أن أي زيادة في الإنتاج ستدر عائدًا أقل. فإذا صدرت سوريا 90 ألف برميل يوميًا بهذا السعر، فإن العائد السنوي التقريبي سيكون حوالي 2.4 مليار دولار، وهو أقل من العائد التاريخي البالغ 3 إلى 3.4 مليار دولار الذي تحقق من إنتاج أعلى بكثير في بيئة أسعار أعلى.
اعتبر عبد الكريم أن الأزمة هي في الإدارة والبنية التحتية والحوكمة، وليست في ندرة الموارد الطبيعية. فسوريا تملك احتياطيًا مؤكدًا يبلغ حوالي 2.5 مليار برميل فقط، مما يضعها في المرتبة 32 عالميًا. لكن انهيار الإنتاج بأكثر من 90% خلال ثماني سنوات لا يمكن تفسيره بالنضوب الجيولوجي الطبيعي وحده، بل بالتدمير المادي للآبار والأنابيب، والحرمان التقني والتمويلي، والإدارة المجزأة.
وعن الأولويات، تسير الحكومة على مسارين متوازيين: مؤسسي وتشريعي. على المسار المؤسسي، صدر مرسوم بإحداث الشركة السورية للبترول ككيان قابض موحد. وعلى المسار التشريعي، عُدّل قانون الاستثمار للسماح بملكية أجنبية كاملة مع إعفاءات ضريبية. وتعمل الحكومة على تنظيف ملف العقود القديمة وتأمين الحقول المستعادة وتنفيذ خطة تأهيل على ثلاث مراحل حتى عام 2030.
وعن دور الاستثمارات، يرى عبد الكريم أن لها دورًا حاسمًا، لأن رأس المال المحلي وحده غير قادر على تعويض الفجوة التقنية. بلغت الالتزامات الاستثمارية الأجنبية المعلنة خلال عام 2025 وحده حوالي 28 مليار دولار، مع دخول أكثر من 100 شركة جديدة إلى السوق. وتصدرت الشركات الأمريكية الموجة الأولى، إذ وقعت "كونوكو فيليبس" و"نوفاتيرا" مذكرة تفاهم، وتلتها "شيفرون" في مذكرة تفاهم مع الشركة السورية للبترول وشركة قطرية. هذا التدفق الأجنبي يجلب معه التقنية المتقدمة التي لا يستطيع رأس المال المحلي توفيرها.
قبل عام 2011، كانت سوريا تنتج حوالي 380 إلى 400 ألف برميل يوميًا. مع اندلاع الحرب، انسحبت الشركات الدولية الكبرى، ثم انتقلت السيطرة على الحقول الرئيسية إلى تنظيم "الدولة"، فانخفض الإنتاج بشكل كبير.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد