من القطيعة إلى التاريخية: 5 محطات مفصلية تعيد رسم العلاقات السورية-الفرنسية


هذا الخبر بعنوان "سوريا وفرنسا.. 5 محطات رئيسية قلبت المشهد من القطيعة إلى الزيارة التاريخية" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٦ تموز ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
شهدت العلاقات بين سوريا وفرنسا على مدى أكثر من ربع قرن تحولات دراماتيكية عميقة، تأرجحت خلالها بين محاولات التقارب الدبلوماسي وفترات الصدام السياسي والقانوني الحاد، وذلك بسبب الجرائم والانتهاكات التي ارتكبها النظام السابق على المستويين المحلي والدولي. ومع طي صفحة النظام السابق وبدء العهد الجديد في دمشق، تسارعت وتيرة الانفتاح بين البلدين لتصل إلى ذروتها مع الإعلان عن زيارة مرتقبة للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى سوريا، والتي وصفتها بعض وسائل الإعلام الفرنسية بالتاريخية، وقد تشكل نقطة تحول لفتح الباب أمام شراكة استراتيجية جديدة تنهي حقبة طويلة من العزلة والقطيعة.
يمكن تقسيم هذا المخاض السياسي والقانوني الممتد عبر ربع قرن إلى خمس محطات رئيسية صاغت التحول الكبير في العلاقات بين البلدين:
رغم محاولات فرنسا ورئيسها الأسبق جاك شيراك في أواخر التسعينيات لفتح قنوات سياسية مع النظام السابق، إلا أن هذا المسار تعرض لانتكاسة كبيرة بعد اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري عام 2005، وهي الجريمة التي تورط فيها نظام الأسد السابق، مما دفع شيراك إلى قطع الاتصالات رفيعة المستوى مع دمشق. ومع وصول نيكولا ساركوزي إلى الإليزيه، جرت محاولات فرنسية لإعادة النظام السابق إلى المسرح الدولي بعد سنوات من العزلة، لكن انطلاقة الثورة السورية عام 2011 غيرت المشهد بالكامل، حيث واجه النظام السابق المتظاهرين بالاعتداء والاعتقالات والقمع.
أمام وحشية نظام بشار الأسد في مواجهة المتظاهرين المطالبين بالحرية والإصلاح السياسي والحد من الفساد، وجدت باريس نفسها مضطرة لإيقاف أي تقدم في العلاقات مع سوريا، وسعت مع لندن، كأعضاء دائمين في مجلس الأمن، لاستصدار قرار يدين هذه الانتهاكات. وفي 11 تموز عام 2011، شكل الاعتداء على السفارة الفرنسية في دمشق من قبل جماعات موالية للنظام السابق منعطفاً حاداً في العلاقات بين سوريا وفرنسا، ليزداد معها التوتر والصدام. في عام 2012، قطعت باريس علاقاتها الدبلوماسية مع النظام السابق وأغلقت سفارتها، واتجهت نحو العزل الدبلوماسي الكامل مع دعمها فرض عقوبات مشددة في إطار الاتحاد الأوروبي، بالتوازي مع دعم الثورة السورية والمطالبة بتنحي رأس النظام.
في هذه المرحلة، نشطت الجالية السورية والمنظمات الحقوقية الفرنسية-السورية في الدفع نحو المساءلة والعدالة. كما جمدت باريس التبادلات الاقتصادية والثقافية، وتوقفت المؤسسات الفرنسية في سوريا. ومع تصاعد الملفات القضائية ضد رموز النظام السابق في المحافل الدولية، وقفت فرنسا إلى جانب المطالبة بالمحاسبة على الجرائم، وخاصة استخدام الأسلحة الكيماوية. ففي عام 2018، وتزامناً مع قصف دوما بالسلاح الكيماوي وتهجير أبناء الغوطة الشرقية، أطلقت باريس مبادرة دولية لمكافحة الإفلات من العقاب، عبر تأسيس ما يسمى “الشراكة الدولية ضد الإفلات من العقاب لاستخدام الأسلحة الكيماوية”، بمشاركة نحو 40 دولة.
بالتوازي، برزت قضية رجل الأعمال الفرنسي من أصل سوري مازن الدباغ وابنه باتريك كأهم مسار قانوني أدان النظام السابق جنائياً في فرنسا. فبعد اعتقالهما عام 2013 من قبل جهاز المخابرات الجوية في النظام السابق، اختفى الدباغ وابنه قسرياً قبل أن يتم الإعلان عن وفاتهما تحت التعذيب. وفي عام 2015، فتح القضاء الفرنسي تحقيقاً بالاستناد إلى حملهما الجنسية الفرنسية، وانتهى في أيار عام 2024 بإصدار أحكام غيابية بالسجن المؤبد بحق ثلاثة من كبار ضباط النظام، وهم اللواء علي مملوك وجميل الحسن وعبد السلام محمود، مع إبقاء مذكرات التوقيف الدولية بحقهم سارية. كما فتح ملف الدباغ، إلى جانب قضايا أخرى، باب الملاحقة القضائية لرموز النظام السابق بإصدار القضاء الفرنسي مذكرات اعتقال دولية وإجراء محاكمات غيابية تاريخية في باريس بحق مسؤولين أمنيين كبار لديه بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
في تشرين الثاني عام 2023، أصدر القضاء الفرنسي مذكرة اعتقال دولية بحق الأسد، بتهمة التواطؤ في جرائم ضد الإنسانية، جراء هجمات باستخدام أسلحة كيماوية محظورة ضد المدنيين قرب دمشق عام 2013. كما فتحت باريس تحقيقاً في جرائم قتل ومحاولة قتل رعايا فرنسيين في آذار 2012، وفي كانون الأول 2024، تم توسيع التحقيق ليشمل جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. وأصدرت المحاكم الفرنسية مذكرتي توقيف بحق رئيس النظام السابق، بشار الأسد، الأولى في 20 كانون الثاني من عام 2025 بتهمة التواطؤ في جرائم حرب على خلفية قصف منطقة سكنية مدنية في درعا عام 2017، والثانية في أيلول من عام 2025 أيضاً على خلفية مقتل صحفيين من بينهم أجانب في حمص عام 2012.
مع سقوط النظام وهروب بشار الأسد إلى روسيا في 8 كانون الأول 2024، تغيرت ملامح المشهد السوري، إذ وجد البلدان سوريا وفرنسا نفسيهما أمام فرصة تاريخية لإعادة صياغة علاقتهما بعد أكثر من عقد من القطيعة والتوتر، خاصة مع رفع سوريا الجديدة شعار الانفتاح وإعادة البلاد موقعها الطبيعي على الخارطة الإقليمية والدولية. وتجلت أبرز خطوات إعادة المسار الدبلوماسي بين البلدين في وصول وفد دبلوماسي فرنسي إلى دمشق في 17 كانون الأول عام 2024، وذلك في أول زيارة رسمية إلى مقر السفارة المغلقة منذ أكثر من عقد. كما شارك وزير الخارجية والمغتربين أسعد حسن الشيباني في مؤتمر دولي بباريس في 13 شباط عام 2025، حيث ترأس الوفد السوري وعقد لقاءات مهمة، أبرزها مع نظيره الفرنسي جان نويل بارو، واعتبرت مشاركته مؤشراً على عودة سوريا إلى الساحة الدبلوماسية الدولية بدعم فرنسي واضح.
في 7 أيار 2025، تكلل التقارب والانفتاح بين فرنسا وسوريا بزيارة الرئيس أحمد الشرع إلى باريس بدعوة من نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي أكد دعم بلاده لسيادة سوريا ووحدة أراضيها، وأعرب عن عزمه العمل لرفع جميع العقوبات الأوروبية. في حين شدد الرئيس الشرع حرص سوريا على توطيد أواصر الصداقة بما يخدم المصالح المشتركة للشعبين. وفي إطار المسار المتواصل للاتصالات والمشاورات السياسية بين دمشق وباريس، أعلنت مديرية الإعلام في رئاسة الجمهورية العربية السورية الأحد 5 تموز الجاري عن زيارة ماكرون المرتقبة لبحث سبل تعزيز العلاقات الثنائية والقضايا ذات الاهتمام المشترك. وأوضحت مديرية الإعلام أن الوفد المرافق للرئيس الفرنسي يضم مستثمرين وممثلين عن شركات فرنسية، في مؤشر إلى توجه الجانبين لتعزيز التعاون الاقتصادي إلى جانب الملفات السياسية.
تشير زيارة الرئيس الفرنسي إلى دمشق إلى انتهاء حقبة القطيعة الدبلوماسية التي دفع النظام السابق إليها بسبب جرائمه بحق السوريين والفرنسيين أيضاً، وفتح صفحة العلاقات الوطيدة القائمة على المصالح المشتركة، وفق تصريحات مسؤولي كلا البلدين. وهي رؤية أكدتها بعض وسائل الإعلام الفرنسية التي تناولت خبر الزيارة باهتمام لافت، فصحيفة “La Tribune” اعتبرت أنها “زيارة تاريخية”، مشيرةً إلى أن ماكرون سيكون أول رئيس غربي يزور سوريا منذ سقوط النظام السابق، ما يعكس حجم التحول في العلاقات بين البلدين.
سياسة
سياسة
اقتصاد
عاجل