الطرق المأجورة في سوريا: هل هي مفتاح التحول الاقتصادي أم عبء جديد؟


هذا الخبر بعنوان "الطرق المأجورة.. هل تعيد رسم خريطة النقل والاستثمار في سوريا؟" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٧ تموز ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تُعيد الحكومة السورية النظر في ملف الاستثمار بالبنية التحتية، حيث أعلن مدير عام المؤسسة العامة للمواصلات الطرقية، معاذ نجار، عن تحديث دراسات الجدوى الاقتصادية لمشروعي طريق “شمال-جنوب” و”شرق-غرب”، تمهيدًا لتنفيذهما بنظام البناء والتشغيل ونقل الملكية (BOT). يمتد محور “شمال- جنوب” من الحدود الأردنية إلى الحدود التركية، بينما يربط محور “شرق- غرب” مرفأ طرطوس بمنفذ التنف على الحدود العراقية. تراهن الحكومة على أن هذه المشاريع ستساهم في خفض تكاليف النقل، وتعزيز حركة الترانزيت، ودعم جهود إعادة الإعمار، خاصة في ظل محدودية الموارد العامة والحاجة إلى جذب استثمارات جديدة.
يرى خبراء اقتصاديون أن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على إنشاء الطرق، بل يتطلب بناء نموذج استثماري يوازن بين مصالح المستثمرين والمواطنين ويحقق عوائد اقتصادية مستدامة. يمثل التوجه نحو الطرق المأجورة تحولًا في أدوات تمويل البنية التحتية، بالاعتماد على الشراكة مع القطاع الخاص بدلًا من التمويل الحكومي المباشر. يصف الدكتور عبد الرحمن محمد، أستاذ التمويل والمصارف بجامعة “حماة”، هذه الخطوة بأنها “تحول استراتيجي قسري نحو هندسة مالية جديدة لإدارة الأصول العامة”، مؤكدًا أنها تعكس انتقال الحكومة من إدارة الأزمة إلى البحث عن أدوات تمويل مستدامة. وأضاف أن المشروع لا يوفر التمويل فحسب، بل يحسن جودة البنية التحتية ويلزم المستثمر بصيانتها، مطبقًا مبدأ “المستخدم يدفع”. كما يرى أنها تبعث برسالة إيجابية للمستثمرين حول قبول سوريا لآليات الشراكة مع القطاع الخاص.
من جانبه، يرى الباحث الاقتصادي محمد السلوم أن مشروع الطرق الدولية المأجورة، رغم حداثته في السوق السورية، هو نموذج عالمي لتمويل وإدارة البنى التحتية. ويؤكد أن موقع سوريا الجغرافي يمنحها فرصة لتكون عقدة لوجستية تربط المنطقة، إذا ما استُثمرت هذه الميزة باحترافية. يصف السلوم المشروع بأنه “قناة مساعدة فائقة السرعة” لنقل البضائع ذات القيمة المرتفعة والحساسة زمنيًا، ويوفر مسارات بديلة في حالات الطوارئ.
لماذا يعد “BOT” الخيار الأكثر واقعية؟
يُعد نظام BOT الأنسب للواقع السوري الحالي نظرًا لمحدودية السيولة الحكومية، وينقل جزءًا كبيرًا من مخاطر الإنشاء والتشغيل إلى المستثمر، ويستقطب الخبرات الفنية والإدارية. لكن الدكتور محمد شدد على ضرورة توفير بيئة قانونية مستقرة، تتضمن تحصين العقود، وإتاحة التحكيم الدولي، وضمان حرية تحويل الأرباح، وربط رسوم العبور بآليات تحمي المستثمر من تقلبات التضخم وسعر الصرف. كما أن تقديم ضمانات سيادية وحد أدنى من الإيرادات قد يكونان حاسمين لجذب الشركات العالمية.
يؤكد السلوم أن نظام BOT هو أحد أكثر الخيارات واقعية لسوريا في ظل احتياجات إعادة الإعمار والقيود المالية. ويشير إلى أن الاعتماد على التمويل الحكومي وحده سيؤخر المشاريع، بينما يتيح هذا النموذج استقطاب رؤوس الأموال والخبرات دون أعباء مالية كبيرة على الخزينة العامة. لكنه يلفت إلى أن المستثمر الأجنبي يشتري بيئة المشروع أيضًا، مما يستلزم استقرارًا أمنيًا وسياسيًا، ووضوحًا تشريعيًا، ومنظومة قانونية مستقرة، وآليات تحكيم فعالة، وحرية تحويل الأرباح، والقدرة على التنبؤ بالسياسات الاقتصادية.
ما الطرق المأجورة؟
نظام BOT هو نموذج استثمار تتولى فيه شركة خاصة تمويل وإنشاء وتشغيل مشروع بنية تحتية لفترة محددة لاسترداد تكاليفها وتحقيق عائد، قبل نقل ملكيته للدولة. الطرق المأجورة هي طرق تُنفذ بهذا النظام، حيث تحصل الشركة الخاصة على رسوم عبور من المستخدمين قبل نقل ملكية الطريق للدولة.
دراسة الجدوى.. مفتاح نجاح المشروع
يعكس تحديث دراسات الجدوى إدراكًا بأن نجاح المشروع يعتمد على دقة التقديرات، خاصة وأن الطرق المأجورة ترتبط بحجم الحركة المرورية وقدرة المستخدمين على دفع الرسوم. يؤكد الدكتور عبد الرحمن محمد أن دراسة الجدوى يجب أن تشمل تحليلًا لحركة المرور الفعلية، واستعداد المستخدمين لدفع الرسوم، والطلب المتوقع، بالإضافة إلى قياس الأثر الاقتصادي الأوسع مثل الوفر في استهلاك الوقود وتقليص زمن الرحلات. ويقترح نظام تسعير مرن ومراجعة دورية للرسوم، وإخضاع تكاليف المشروع لتدقيق مستقل.
يقترح السلوم بناء دراسات الجدوى على أسس أوسع تشمل قدرة المشروع على تحفيز النشاط الاقتصادي المحيط، وخلق مناطق لوجستية، وجذب حركة الترانزيت الإقليمية، وتخفيض تكاليف النقل. ويقترح تسعيرًا يعتمد على مبدأ أن “كلفة استخدام الطريق أقل من قيمة الوقت والمخاطر والتكاليف التي يوفرها لمستخدميه”، مع تسعير مرن يراعي نوع الحمولة والمسافة وطبيعة البضائع.
ما انعكاس الرسوم محليًا؟
يربط ربط شبكات النقل مع دول الجوار، مثل الأردن وتركيا والعراق، بطرق ذات مواصفات فنية عالية، سيشجع حركة الترانزيت ويخفض تكاليف تشغيل المركبات وزمن الرحلة، وبالتالي خفض الكلفة النهائية للمنتج. ومع ذلك، يثير فرض رسوم على استخدام الطرق الدولية تساؤلات حول أثرها على المواطنين وقطاع النقل المحلي. يحذر السلوم من أن سوء تصميم المشروع قد يحول رسوم العبور إلى عبء إضافي، لكن يمكن الحد من ذلك بالإبقاء على الطرق المجانية وتأهيلها، ومنح حسومات للشاحنات الوطنية التي تنقل المواد الأساسية. الهدف الحقيقي يجب أن يكون استقطاب حركة التجارة العابرة وتحويل الموقع الجغرافي إلى مصدر للدخل والقطع الأجنبي.
يشير الدكتور عبد الرحمن محمد إلى أن الطريق الحديث يوفر وقودًا ويقلل الأعطال ويختصر زمن الرحلة، مما قد يعوض رسوم العبور ويزيد إنتاجية الشاحنات. لكن أصحاب الشاحنات الصغيرة وذوي الدخل المحدود قد يتحملون عبئًا ماليًا مباشرًا. ويقترح الإبقاء على الطريق المجاني الحالي، وتقديم اشتراكات مخفضة، وإعفاء مركبات الطوارئ وبعض وسائل النقل العام من الرسوم.
فرصة اقتصادية.. لكن بشروط
تراهن الحكومة على أن هذه الطرق ستدعم التجارة الداخلية، وتربط سوريا بدول الجوار، مما يعزز حركة الترانزيت ويخفض تكاليف نقل البضائع. يرى الدكتور محمد أن نجاح المشروع قد يكون تحوليًا، إذ سيسهم في توحيد السوق السورية، وتنشيط التجارة بين المحافظات، وخلق ممرات اقتصادية جديدة، وتوفير آلاف فرص العمل. كما قد يشكل رسالة طمأنة للمستثمرين الأجانب ويفتح الباب لاستثمارات في قطاعات أخرى.
يتوقع السلوم أن يضع نجاح هذه المشاريع سوريا مجددًا على خريطة النقل الإقليمي، ويخلق آلاف فرص العمل، ويعزز إيرادات الدولة، ويحفز قيام مناطق صناعية ولوجستية جديدة، ويرفع جاذبية الاقتصاد السوري أمام المستثمرين.
تحديات أمام المشروع
رغم التفاؤل، يواجه المشروع تحديات معقدة، أبرزها تقلبات سعر الصرف والتضخم، والحاجة إلى استقرار أمني طويل الأمد. كما أن الفساد وضعف الحوكمة قد يؤديان إلى تضخيم التكاليف أو فقدان ثقة المستثمرين. وقد تواجه الحكومة رفضًا اجتماعيًا إذا اعتبر المواطنون الطرق المأجورة عبئًا جديدًا دون تحسن ملموس في الخدمة. يخلص الدكتور عبد الرحمن محمد إلى أن نجاح التجربة يقاس بقدرة الحكومة على إدارة شراكة طويلة الأمد مع القطاع الخاص، وبناء عقد اجتماعي يضمن للمواطن خدمة ذات جودة عالية مقابل رسوم عادلة، مع الحفاظ على بديل مجاني. ويرى أن هذه المشاريع قد ترسم ملامح جديدة للاقتصاد السوري إذا أُديرت بكفاءة، لكنها قد تتحول إلى عبء مالي وسياسي إذا غابت الحوكمة والتخطيط السليم.
يعتقد السلوم أن هناك تحديات كبيرة قد تعوق تحقيق النتائج المتوقعة، أبرزها استمرار بعض المخاطر الأمنية، وضعف البنية التحتية المساندة، والمنافسة الإقليمية من الممرات البديلة، فضلًا عن الحاجة إلى إصلاحات تشريعية ومؤسساتية عميقة.
فرع ثانٍ لطريق دمشق- تدمر- دير الزور
أعلن مدير عام المؤسسة العامة للمواصلات الطرقية، معاذ نجار، عن مشروع لإنشاء فرع ثانٍ للطريق الدولي الممتد بين دمشق وتدمر ودير الزور، ليكون طريقًا مأجورًا. يهدف هذا الفرع إلى خفض تكاليف نقل المواد الأولية، ودعم مشاريع إعادة الإعمار، وخلق فرص عمل مباشرة لأبناء المناطق الشرقية، وتسريع حركة التبادل التجاري الداخلي، وتسهيل وصول الخدمات الأساسية، وتشجيع الاستقرار السكاني، والتمهيد لإقامة مناطق صناعية وتنموية جديدة.
يعتبر الباحث الاقتصادي محمد السلوم هذا المشروع لا يقل أهمية عن الطرق المأجورة نفسها، نظرًا لأهمية المنطقة الشرقية كخزان اقتصادي. ويرى أن إنشاء فرع ثانٍ للطريق الدولي سيسهم في تخفيض تكاليف نقل المواد الأولية، وتخفيف الضغط على الطريق القائم، وتسريع حركة البضائع والاستثمارات، وخلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة لأبناء المنطقة. ويختتم السلوم بأن بناء شبكة طرق حديثة وربطها بمناطق لوجستية متطورة سيضع الأساس لاقتصاد جديد يقوم على استثمار الجغرافيا وتحويلها إلى مصدر مستدام للنمو والدخل وفرص العمل.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد