محاكمة أحداث الساحل: هل تعكس الجلسات التسع جدية المسار القضائي أم تثير تساؤلات حول طول الأمد؟


هذا الخبر بعنوان "محاكمة أحداث الساحل.. هل تعكس تسع جلسات جدية المسار القضائي؟" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٠ تموز ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تواصل محكمة الجنايات في القصر العدلي بمدينة حلب النظر في ملف المتهمين بالتورط في أحداث الساحل، ضمن محاكمات بدأت قبل أشهر. وشهدت الجلسة التاسعة، التي عقدت في 9 تموز، عرضًا للأدلة والتسجيلات المصورة، والاستماع إلى دفوع المتهمين ومحاميهم، مع استمرار المحاكمة دون صدور أحكام حتى الآن. ومع استمرار الجلسات، يبرز نقاش قانوني وحقوقي حول ما إذا كانت وتيرة الإجراءات تعكس تعقيد القضية وحرص المحكمة على استكمال متطلبات المحاكمة العادلة، أم أنها تثير تساؤلات بشأن طول أمد التقاضي وتأثير ذلك في ثقة الضحايا والرأي العام بمسار المساءلة.
قال مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، فضل عبد الغني، إن تقييم جدية مسار المحاكمة لا ينبغي أن يستند إلى عدد الجلسات وحده. وأوضح، خلال حديثه لعنب بلدي، أن القضية الحالية تشمل 14 متهمًا فقط، في حين أن الرقم المتداول 563 يشير إلى الأسماء التي توصلت إليها لجنة التحقيق أو أحالتها ضمن الملف الأوسع، بينهم 265 شخصًا مرتبطين بالمجموعات الموالية للنظام السابق، و298 شخصًا يُشتبه في تورطهم في انتهاكات ارتكبتها القوى المشاركة في العمليات العسكرية. وأضاف أن هذا لا يعني أن جميع هؤلاء مدرجون في لائحة اتهام واحدة أو أن ملفاتهم وصلت إلى المرحلة القضائية ذاتها، معتبرًا أن وصف المحاكمة الحالية بأنها تضم أكثر من 560 متهمًا “غير دقيق”.
حجم الانتهاكات، وفقًا لعبد الغني، يوضح جسامة المهمة، إذ وثقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان، بحسب أحدث حصيلة سنوية، مقتل 1663 شخصًا على خلفية أحداث الساحل، بينهم 1217 شخصًا قتلوا على يد القوى المسلحة المشاركة في العمليات العسكرية، و446 شخصًا على يد مجموعات مسلحة مرتبطة بالنظام السابق. هذه الحصيلة تشمل مدنيين وعسكريين وأشخاصًا منزوعي السلاح، ولا تقتصر على المدنيين. في حين أعلنت لجنة التحقيق الوطنية توثيق مقتل 1426 شخصًا، وقدّرت لجنة التحقيق الدولية المستقلة عدد الضحايا بنحو 1400 شخص، غالبيتهم من المدنيين، مرجعًا اختلاف الأرقام إلى تباين المنهجيات والفترات الزمنية والتصنيفات المعتمدة.
يرى عبد الغني أن المسار القضائي يظهر حتى الآن “جدية إجرائية أولية”، لكنه لم يثبت بعد وجود استراتيجية ملاحقة متكاملة. الجدية الحقيقية ستتحدد من خلال خمسة مؤشرات، هي: الانتقال من محاكمة عينة محدودة من المتهمين إلى بقية الملفات التي تتوافر فيها أدلة كافية. تحقيق المساواة الفعلية في التحقيق والملاحقة بين المتهمين المرتبطين بالنظام السابق والمنتسبين إلى القوات الحالية. عدم الاقتصار على المنفذين المباشرين مع التحقيق في التحريض وإصدار الأوامر والمساعدة والإخفاق القيادي في منع الجرائم أو معاقبة مرتكبيها. استخدام أوصاف قانونية تعكس طبيعة الجرائم وسياقها بدل الاكتفاء بتهم القتل والسرقة وإثارة الفتنة متى سمحت الأدلة بذلك. صدور أحكام معللة وقابلة للطعن ومستندة إلى أدلة خضعت للمناقشة القضائية.
وفيما يتعلق بطول مرحلة الإثبات والتأجيلات، قال عبد الغني إن عرض الأدلة والاستماع إلى الشهود وإجراء الخبرات الفنية يمثل تسلسلًا طبيعيًا وضروريًا في القضايا المعقدة، لا سيما عندما تتضمن تسجيلات مصورة ومواد رقمية متنازع في صحتها. لا يجوز إدانة أي متهم استنادًا إلى مقطع مصور قبل التحقق من أصالته وسلامته وسياقه وهوية الأشخاص الظاهرين فيه وسلسلة حيازته، وفقًا لعبد الغني. وأضاف أن المحكمة اتخذت بعض الإجراءات التي تعكس مراعاة هذا المبدأ، إذ أمرت بإجراء خبرة ثلاثية بعد طعن الدفاع في بعض المقاطع المصورة. كما أتاحت للدفاع الرد على تقارير الخبرة، وسمحت باستدعاء شهود الدفاع ومنحت المحامين الجدد مهلًا للاطلاع على الملفات وإعداد مذكراتهم. واعتبر أن هذه الإجراءات تنسجم مع المادة “14” من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، التي تكفل الوقت والتسهيلات الكافية لإعداد الدفاع والاستعانة بمحام ومناقشة شهود الاتهام واستدعاء شهود الدفاع. وأكد أنه لا ينبغي وضع سقف زمني اعتباطي لمرحلة الإثبات، لأن المعيار القانوني هو إجراء المحاكمة “دون تأخير لا مبرر له”، وليس إنجازها بسرعة على حساب مقتضيات العدالة.
وفي المقابل، أشار إلى أن بعض التأجيلات تكشف عن مسائل تحتاج إلى معالجة، إذ أجلت جلسات بسبب تعيين محامين جدد أو عدم اكتمال الردود والخبرات. كما أُجلت جلسة، كانت مقررة في 22 كانون الثاني، دون توافر معلومات علنية كافية عن أسباب التأجيل، في بعض الجلسات اقتصرت عمليًا على تعيين محام أو طلب مهلة قصيرة قبل رفعها. واعتبر فضل عبد الغني أن هذه الأسباب قد تكون مشروعة كل على حدة، لكنها إذا تكررت فقد تشير إلى ضعف التحضير السابق للمحاكمة أو نقص الموارد والقدرات الفنية. وأوضح أن الحل لا يكمن في التعجيل بإصدار الأحكام، وإنما في تحسين إدارة القضية عبر تحديد جدول إجرائي، وحصر المسائل المتنازع عليها، وتجهيز الخبرات قبل الجلسات، وبيان أسباب كل تأجيل في قرار قضائي موجز، وضمان عدم تحول التأجيل إلى إجراء روتيني مفتوح.
من أبرز الجوانب الإيجابية في المسار الحالي علنية الجلسات، إذ سمح لوسائل الإعلام وأهالي بعض المتهمين ومراقبين حقوقيين بحضور عدد منها. كما جرى بث أجزاء من الإجراءات، وهو ما يمثل قطيعة نسبية مع نمط المحاكمات السرية والاستثنائية في عهد النظام السابق، وإن كان لا يكفي وحده لإثبات عدالة المحاكمة. وعدّ مدير الشبكة الحقوقية تمكين الدفاع من تقديم طلباته من النقاط الإيجابية، مشيرًا إلى أن المحكمة استمعت إلى شهود الدفاع، وسمحت بالطعن في الأدلة الرقمية، وأمرت بإجراء خبرات فنية، ومنحت المحامين مهلًا لإعداد دفوعهم، إضافة إلى تعيين محامين مسخرين عند غياب محامي الدفاع. وأضاف أن إخضاع أفراد مرتبطين بالقوات الحكومية الحالية للملاحقة، إلى جانب متهمين مرتبطين بالنظام السابق، يحمل دلالة مهمة، لأن المساءلة تفقد مشروعيتها إذا كانت أحادية الاتجاه أو خاضعة للانتماء السياسي أو الطائفي.
وفي المقابل، يرى فضل عبد الغني أن هناك جوانب لا تزال بحاجة إلى تعزيز، أبرزها التعامل مع ادعاءات التعذيب. وأوضح أن أحد المتهمين ذكر أمام المحكمة أن أقواله دوّنت في فرع الأمن السياسي باللاذقية تحت التعذيب، وطلب عرضه على طبيب لإثبات ذلك، دون أن تتوافر معلومات منشورة توضح كيفية استجابة المحكمة لهذا الطلب. وأكد أن مثل هذه الادعاءات تستوجب تحقيقًا مستقلًا وفوريًا، وإخضاع المتهم لفحص طبي شرعي وفق بروتوكول إسطنبول، واستبعاد أي أقوال يثبت أنها انتُزعت تحت التعذيب. كما شدد على أن هذه المسألة تتعلق بشرعية الدليل وسلامة الاحتجاز، ولا يجوز تأجيلها إلى ما بعد صدور الحكم.
ما معنى العلنية؟ العلنية، بحسب عبد الغني، لا تعني فتح قاعة المحكمة فقط، بل تمكين الجمهور والضحايا والباحثين من فهم موضوع القضية والأساس القانوني للتهم وأسباب التأجيل ومآل الطلبات، مع حجب المعلومات التي قد تهدد أمن الشهود أو تنتهك خصوصيتهم. وأشار كذلك إلى غياب معلومات كافية حول وجود برنامج لحماية الشهود أو آليات لتقييم المخاطر وتقديم الدعم النفسي والقانوني، أو كيفية إبلاغ أسر الضحايا بتطورات القضايا، معتبرًا أن بيئة كهذه تتطلب حماية فعالة وسرية لضمان استمرار تعاون الشهود. ولفت إلى ضرورة احترام قرينة البراءة، داعيًا النيابة والسلطات ووسائل الإعلام الرسمية إلى وصف الأشخاص بأنهم “متهمون” لا “مجرمون” أو “مرتكبو انتهاكات” قبل صدور أحكام نهائية بحقهم. وحذر من استخدام أوصاف تقريرية بحق أشخاص لم تثبت إدانتهم، ولا سيما في قضية ذات حساسية سياسية وطائفية مرتفعة.
وتأتي هذه الجلسة التاسعة ضمن مسار قضائي مستمر تنظر من خلاله محكمة الجنايات في حلب بملفات المتهمين على خلفية أحداث الساحل، إذ سبق أن شهد القصر العدلي في المدينة عدة جلسات علنية منذ أواخر العام الماضي. وكانت المحكمة عقدت، منتصف آذار الماضي، جلسة لمحاكمة سبعة متهمين بالقضية ذاتها، بعد ثلاث جلسات سابقة خصصت لعرض الأدلة والاستماع إلى الشهود. وخلال الجلسة الثالثة، التي انعقدت في 8 آذار، وجهت إلى المتهمين تهم تتعلق بالمشاركة في الهجمات ضد قوات الأمن والجيش، والانخراط في أعمال تهدف إلى إثارة الفتنة والحرب الأهلية، إضافة إلى تشكيل عصابات مسلحة وإثارة النعرات الطائفية. كما عرضت المحكمة حينها تسجيلات مصورة تضمنت تهديدات موجهة لقوات الأمن والجيش، قبل أن تقرر إحالة المواد المعروضة إلى خبير مختص لفحصها ضمن إجراءات المحاكمة. فيما جرى تأجيل الجلسة وتحديد 15 آذار موعدًا لاستكمالها، بما يشمل الاستماع إلى شهود الدفاع، وفق ما أفاد به مراسل عنب بلدي حينها. وفي 23 نيسان الماضي، عقدت المحكمة جلسة جديدة ضمن القضية نفسها، شهدت استكمال عرض الوثائق والأدلة المرتبطة بالتحقيقات، في إطار متابعة المحكمة لفحص المواد المقدمة، بينما طلب محامو المتهمين مهلة إضافية لاستكمال أوراق الدفاع وتقديم معطيات إضافية تتعلق بالقضية. وكانت أولى جلسات المحاكمة العلنية قد انعقدت في 18 تشرين الثاني الماضي، تلتها جلسة ثانية في 18 كانون الأول.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة