دار ابن كثير: أربعة عقود من الريادة في تحقيق التراث وصناعة الكتاب العربي


هذا الخبر بعنوان "دار ابن كثير.. أربعة عقود في تحقيق التراث وصناعة الكتاب" نشر أولاً على موقع sana.sy وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١١ تموز ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
منذ أكثر من أربعة عقود، رسخت دار ابن كثير مكانتها كواحدة من أبرز دور النشر العربية المتخصصة في تحقيق التراث الإسلامي ونشره، مستندة إلى رؤية علمية جعلت من الدقة في التحقيق وجودة المحتوى معياراً ثابتاً، وأسهمت في بناء جسور الثقة مع القارئ العربي داخل سوريا وخارجها.
ويؤكد مؤسس الدار ومديرها علي ديب مستو في حديث لـ سانا الثقافية، أن الدار انطلقت عام 1983 من دمشق، بعد تجربة امتدت خمس سنوات في مجال النشر، لتبدأ مشروعها بطباعة المصحف الشريف بخط جديد أنجزه الخطاط الراحل شكري عمر خارشو، بروايتي حفص عن عاصم، وورش عن نافع، قبل أن تتوسع إلى نشر كتب علوم القرآن والحديث والتاريخ والفقه، إلى جانب المؤلفات المعاصرة في اللغة العربية وآدابها.
مسيرة ممتدة في خدمة التراث الإسلامي
يشير مستو إلى أن الدار حافظت منذ تأسيسها على هويتها القائمة على خدمة التراث الإسلامي، حتى أصبحت من الأسماء الموثوقة في عالم النشر العربي والإسلامي، موضحاً أن اختيار اسم ابن كثير جاء انطلاقاً من مشروع متكامل لخدمة مؤلفات الإمام المؤرخ ابن كثير الدمشقي. ومن أبرز إنجازات الدار إصدار كتاب البداية والنهاية في 21 مجلداً، بإشراف الشيخ عبد القادر الأرناؤوط والدكتور بشار عواد معروف، وعدد من كبار المحققين، في واحدة من أهم الطبعات العلمية لهذا السفر التاريخي.
لجنة علمية ومعايير دقيقة للنشر
تخضع جميع الأعمال المقدمة إلى الدار، سواء أكانت تحقيقات لمخطوطات أم مؤلفات حديثة، لتقييم لجنة علمية تضم مختصين في التاريخ والحديث والفقه وعلوم اللغة العربية. ويبين مستو أن المخطوطات لا تعتمد إلا إذا استندت إلى نسخ خطية موثقة، مع مراجعة الطبعات السابقة للتأكد من حاجتها إلى تحقيق علمي جديد، بينما تخضع المؤلفات الحديثة لدراسة علمية وفكرية دقيقة قبل اتخاذ قرار نشرها. كما تلتزم الدار، وفق مؤسسها، بمنهج وسطي معتدل، وترفض نشر الكتب التي تتضمن مغالطات فكرية أو تاريخية أو دينية، وهو ما أسهم في ترسيخ ثقة القراء بإصداراتها.
الكتاب المرجعي يتصدر
يجد مستو أن القارئ العربي شهد تحولاً واضحاً خلال السنوات الأخيرة، إذ أصبح أكثر قدرة على التمييز بين دور النشر، وأكثر اهتماماً بجودة التحقيق وسلامة المادة العلمية، لافتاً إلى أن كثيراً من زوار معارض الكتاب يسألون عن أحدث إصدارات دار ابن كثير قبل سؤالهم عن عناوين بعينها، ما يعكس الثقة التي بنتها الدار عبر مسيرتها. ويضيف: إن القارئ السوري يتميز باتساع اهتماماته وحرصه على اقتناء الكتب المرجعية في التاريخ والفقه وعلوم اللغة، بينما يشكل الباحثون وطلاب الدراسات العليا النسبة الأكبر من جمهور الدار، في حين لا تزال كتب التاريخ الإسلامي والحديث النبوي والتفسير تتصدر قائمة الكتب الأكثر طلباً.
النشر السوري وتجاوز تركة الماضي
وحول التحديات التي واجهت الدار، يوضح مستو أن سنوات طويلة من القيود الرقابية المفروضة زمن النظام البائد، دفعت الدار إلى طباعة جانب كبير من إنتاجها في بيروت، بينما أصبحت الإجراءات اليوم بعد تحرير البلاد أكثر سهولة، حيث اقتصرت الموافقات على وزارة الإعلام ومديرية الرقابة، وهو ما اختصر الزمن اللازم لإجازة الكتب. وفيما يتعلق باتحاد الناشرين السوريين، يرى مستو أن الاتحاد لم يستعد بعد دوره الفاعل، معرباً عن أمله بأن يستعيد مكانته، وأن يكون أكثر قدرة على تمثيل الناشرين والدفاع عن مصالحهم.
الكتاب الورقي بين المنافسة والظروف
برغم تسارع التحول الرقمي، يؤكد مستو أن الكتاب الورقي لا يزال يحتفظ بمكانته، وأن الدار لم تدخل بعد مجال النشر الإلكتروني بصورة كاملة، لكنها تدرس مستقبلاً إصدار نسخ رقمية موازية للكتب الورقية، بما يواكب التطورات التقنية ويحفظ حقوق النشر. ويشير إلى أن التحدي الأكبر الذي واجه صناعة الكتاب خلال السنوات الماضية لم يكن التحول الرقمي، بقدر ما كان الظروف الاقتصادية التي أثرت في حركة النشر والتوزيع.
إصدارات جديدة وتوسيع التعاون العربي
تعمل دار ابن كثير وفق خطة سنوية تبدأ بإعداد برنامج العام التالي منذ مطلع كل عام، على أن تنطلق الطباعة في شهر أيلول استعداداً لمعارض الكتاب، مع إصدار ما بين 20 و30 عنواناً جديداً سنوياً. ويؤكد مستو جاهزية الدار للمشاركة في معارض الكتاب العربية، ولا سيما معرض دمشق الدولي للكتاب، إلى جانب مشاركاتها في إسطنبول والقاهرة والشارقة والجزائر وغيرها، مع أكثر من 30 إصداراً جديداً، يجري إعدادها. كما شهدت صالة عرض الدار في دمشق عملية تطوير شاملة استمرت نحو ستة أشهر، وأصبحت تضم إلى جانب منشورات دار ابن كثير إصدارات عدد من دور النشر العربية، مثل دار ابن حزم، ودار البشائر الإسلامية، ودار الشرق العربي، ودار ابن الجوزي، ودار المنهاج، ومكتبة الرشد، وغيرها، في خطوة تهدف إلى توسيع خيارات القراء وتعزيز التعاون بين الناشرين العرب.
وتأسست دار ابن كثير في دمشق عام 1983، وتخصصت في تحقيق التراث الإسلامي ونشره، وارتبط اسمها بإصدار طبعات علمية محققة لعدد من أهم كتب التراث، وفي مقدمتها “البداية والنهاية” للإمام ابن كثير. وتمتلك الدار فروعاً في دمشق وبيروت وإسطنبول، وتشارك بانتظام في معارض الكتاب العربية والدولية، معتمدةً منهجاً علمياً يقوم على التحقيق الرصين، والالتزام بالاعتدال الفكري، وتقديم المعرفة الموثوقة للقارئ العربي.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة