سوريا: ما وراء فتح أبواب الحظيرة.. استعصاء القطيع الثقافي


هذا الخبر بعنوان "سوريا.. استعصاء القطيع" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٢ تموز ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يشير الكاتب غزوان قرنفل إلى أن المشكلة الأساسية في سوريا لا تكمن في إغلاق أبواب الحظيرة، بل في عدم رغبة الكثيرين في مغادرتها حتى بعد فتحها. لقد تمكن الاستبداد، الذي امتد لأكثر من ستة عقود، من تحويل المجتمع من جماعة مواطنين إلى قطيع مطيع، حيث تم قمع التفكير والمشاركة في صناعة المصير. تحول الاستبداد مع مرور الزمن إلى ثقافة عامة شملت كافة مناحي الحياة، من التعليم إلى الأحزاب وحتى المعارضة.
مع اندلاع الثورة السورية، بدا المشهد وكأنه لحظة تحرر تاريخية بسقوط حاجز الخوف. ومع فتح أبواب الحظيرة، ظهرت حقيقة أن مغادرتها تتطلب وعيًا يتجاوز مجرد الشجاعة السياسية. فالثورة ليست مجرد إسقاط لسلطة، بل هي القدرة على بناء بديل أخلاقي وفكري وسياسي يعزز الوحدة الوطنية، وهو ما لم يتحقق بالقدر الكافي في سوريا.
على الرغم من أن شرارة الثورة كانت سورية بامتياز، إلا أن مسار التغيير لم يكن كذلك. فالتغيير الذي يصنعه شعب لنفسه يفترض وجود رؤية مشتركة للدولة المستقبلية، واتفاقًا على معنى المواطنة والعقد الاجتماعي الجديد، وكيفية إدارة التنوع السوري. لكن ما حدث هو انفجار الهويات الفرعية، وانكفاء الناس إلى طوائفهم وقومياتهم وعشائرهم بحثًا عن ملاذ في ظل غياب مشروع دولة يطمئنهم.
لم يغادر الكثيرون الحظيرة، بل انتقلوا من حظيرة لأخرى، مستبدلين صورة "القائد الرمز" بصورة "القائد المحرر" أو زعيم الجماعة. وظل المواطن الحر صاحب الرأي المستقل حالة نادرة. يفسر هذا الانكفاء السريع إلى الاصطفافات الطائفية والعشائرية والمناطقية، فغياب مشروع الدولة يجعل الانتماء الأولي بديلاً عنه. يبحث الإنسان الذي لم يتعلم المواطنة والشراكة الوطنية عن ملاذ أصغر يحتمي به.
الأخطر من ذلك، هو اندماج بعض النخب السياسية والثقافية في هذه البنى التقليدية، واستثمارها فيها بدلًا من الدفاع عن فكرة الدولة. وبدلًا من بناء مساحة مشتركة، ساهموا في توسيع الخنادق الفاصلة.
إن الدفاع الأعمى عن السلطات، وتبرير الأخطاء والانتهاكات الصادرة عن جهة الانتماء، يكشف أن المشكلة أعمق من الأشخاص. إنها مشكلة ثقافة سياسية تنظر للسلطة كغنيمة، والولاء كفضيلة أعلى من النقد. نجحت الثورة في إسقاط هيبة الخوف وكسر جدار الصمت، لكنها لم تنجح في بناء هيبة المواطن أو إنتاج خطاب وطني يشكل الهوية السورية.
معركة سوريا الحقيقية ليست إسقاط نظام، بل هي الانتقال من مجتمع الرعايا إلى مجتمع المواطنين، ومن الطائفة إلى الدولة، ومن العصبية إلى القانون. وإلى أن يتحقق ذلك، سيظل الباب مفتوحًا، وسيظل الكثيرون يفضلون البقاء في الحظيرة المعتادة على حرية لا يعرفون كيف يمارسونها.
يستشهد الكاتب بالمفكر عبد الرحمن الكواكبي في كتابه "طبائع الاستبداد"، حيث يصف كيف يمكن للاستبداد أن يحول ميل الأمة الطبيعي من طلب الترقي إلى طلب التسفل، وأن يصبح الاستبداد كالعلق الذي يمتص دم الأمة حتى تفنى.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة