سوريا تواجه تحدي سداد ديون بنك الاستثمار الأوروبي: ما هي الحلول المطروحة؟


هذا الخبر بعنوان "كيف تحل سوريا عقدة سداد قروض بنك الاستثمار الأوروبي؟" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٢ تموز ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في ظل سعي الحكومة السورية الحثيث لإيجاد موارد جديدة لإنعاش الاقتصاد الوطني، تبرز مجددًا ديون قديمة تراكمت على البلاد منذ عام 2011، بلغت قيمتها نحو 1.55 مليار يورو، وفقًا لتقديرات أحد الخبراء. وعلى الرغم من صدور تكليف رئاسي لوزارة المالية السورية بمعالجة هذا الملف وإغلاقه، إلا أن الوزارة لا تزال تلتزم سياسة التحفظ فيما يتعلق بالإفصاح عن التفاصيل. حتى الآن، يظل حجم الديون الحقيقي وهوية المقترضين مجهولين للسوريين، بعد مرور أكثر من عام ونصف على تغيير النظام.
تعود القروض الأوروبية، التي مُنحت لعدة جهات حكومية سورية، إلى عام 1978، حيث بدأ بنك الاستثمار الأوروبي بتقديمها لدعم المشاريع التنموية والبنى التحتية في سوريا. وقد ساهم البنك بمئات الملايين من اليوروهات في تمويل مشاريع بقطاعات المياه والكهرباء ومعالجة المياه، بالإضافة إلى مشروع محطة الكهرباء في دير علي. وأشار مسؤول سوري سابق في مكتب الارتباط السوري مع بنك الاستثمار الأوروبي، قبل توقفه عن العمل، إلى أن البنك كان يعتزم المشاركة في تمويل صفقة لشراء طائرات مدنية لسوريا بقيمة 600 مليون يورو، إلا أن الصفقة لم تتم.
وكانت صحيفة عنب بلدي قد وجهت سابقًا أسئلة لوزارة المالية السورية حول الحلول المطروحة لمعالجة قروض البنك الأوروبي، لكنها لم تتلق ردًا حول الحجم الإجمالي لهذه القروض أو هوية المقترضين حتى تاريخ نشر هذا التقرير.
توقف بنك الاستثمار الأوروبي عن أنشطته في سوريا بقرار من الاتحاد الأوروبي عقب اندلاع الثورة السورية. ورغم أن العقوبات على سوريا كانت عاملًا مؤثرًا، إلا أن السبب الأهم تمثل في ارتفاع حجم المخاطر البنكية نتيجة الحراك الشعبي، والضغوط التي تعرض لها البنك لزيادة نسب الاحتياطيات للتحوط من المخاطر، في ظل عدم وجود التزام قانوني بذلك.
في حزيران الماضي، استثنى الرئيس السوري، أحمد الشرع، التسهيلات الائتمانية (القروض) الممنوحة من بنك الاستثمار الأوروبي من أحكام المرسوم رقم “70” لعام 2026. هذا المرسوم ينص على تطبيق أحكام تسوية الديون والتسهيلات الائتمانية المتعثرة في المصارف العامة، ومنح إعفاءات من الفوائد التأخيرية والعقدية والغرامات، مع تنظيم إعادة جدولة الديون التي تتجاوز كتلة الدين فيها مئة مليون ليرة سورية.
وكّل المرسوم ذاته وزارة المالية السورية بمعالجة الملف، حيث قام الوزير، محمد يسر برنية، بتشكيل لجنة للنظر في قروض بنك الاستثمار الأوروبي. كما أصدر برنية قرارًا بتكليف المصارف العامة ذات الصلة بدراسة إمكانية التريث في إجراءات الملاحقة القضائية بحق المقترضين (دون تحديد هويتهم) لحين انتهاء أعمال اللجنة وإصدار القرار بشأنها. واشترط في “وقف الملاحقة القضائية” المقررة، الحفاظ على الإجراءات القانونية السابقة لحماية المال العام ومصالح المواطنين، وفقًا لما نقلته الوكالة السورية للأنباء (سانا).
وكانت صحيفة محلية سورية قد كشفت عند توقف الاتحاد الأوروبي عن تعاون بنك الاستثمار الأوروبي مع سوريا في عام 2011، أن أغلبية المقترضين كانوا من الجهات الحكومية السورية، وأن القروض كانت مخصصة لمشروعات تنموية أو مساندة لتطوير وتحديث البنى التحتية ووسائل النقل، لا سيما تمويل جزء من صفقة طائرات مدنية أوروبية لتحديث أسطول الخطوط الجوية السورية.
في حزيران الماضي أيضًا، أكد وزير المالية السوري أهمية تسريع معالجة ملف القروض المتعثرة لبنك الاستثمار الأوروبي خلال ترؤسه اجتماعًا للجنة المكلفة بمعالجة هذه القروض. وشدد برنية على أهمية إنجاز المهام الموكلة إليها ضمن الأطر الزمنية المحددة، بما يضمن التوصل إلى آلية قانونية وحلول مالية منصفة وعملية، تحفظ حقوق البنوك وتخفف الأعباء على المتعثرين وتنشط الاقتصاد.
في نيسان الماضي، ناقش وزير المالية السوري مع وفد رفيع المستوى من مفوضية الاتحاد الأوروبي وبنك الاستثمار الأوروبي، فرص “تحويل الديون القائمة تجاه سوريا إلى استثمارات ومنح”. وجاء ذلك على هامش مشاركة الوزير السوري في اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين، حيث ضم الوفد الأوروبي المدير العام لعمليات بنك الاستثمار الأوروبي، أندرو ماكدويل، والمدير العام للإدارة العامة للشرق الأوسط وشمال إفريقيا والخليج في المفوضية الأوروبية، مايكل كارنيتشنيغ. وتناولت المباحثات أيضًا مركز المعرفة والتدريب وبناء القدرات الذي يعتزم الاتحاد الأوروبي إنشاءه في سوريا، وتوفير الدعم الفني للإصلاحات الاقتصادية والمالية الجارية، وتعزيز الاستثمارات الأوروبية في سوريا.
استنادًا إلى مصادر أوروبية، كشف الخبير المالي والاقتصادي الدكتور محمود عبد الكريم، أن بنك الاستثمار الأوروبي موّل مشاريع في سوريا قبل عام 2011 بقيمة تقارب 1.4 مليار يورو منذ عام 1978. وتوقفت القروض والدفعات الجديدة بعد قرار من مجلس الاتحاد الأوروبي في 2011 منع بموجبه البنك من إجراء أي دفعات أو تحويلات مرتبطة باتفاقيات القروض القائمة مع سوريا.
كانت أكبر حصة من القروض لقطاع الطاقة والكهرباء بنحو 676 مليون يورو، وشملت تحديث شبكات النقل والتوزيع، وبناء محطتي دير علي 1 و2 بطاقة تقارب 1500 ميجاواط. ووفقًا للخبير عبد الكريم، فإن معظم الجهات المرتبطة بهذه المشاريع كانت جهات حكومية، خصوصًا وزارة الكهرباء، والمؤسسة العامة لتوليد ونقل الكهرباء.
لكن ليس كل القروض ذهبت لوزارة الكهرباء فقط، بحسب الخبير السوري، فهناك قروض لقطاعات أخرى منها: قروض للصحة بقيمة 230 مليون يورو عبر وزارة الصحة، وقروض للمياه والصرف الصحي والبنية البلدية بنحو 186 مليون يورو، وخطوط ائتمان للمشاريع الصغيرة والمتوسطة بنحو 107 ملايين يورو، وقرض بنحو 105 ملايين يورو لشركة إسمنت خاصة قرب حلب، إضافة إلى مليوني يورو لمؤسسة التمويل الصغير الأولى في سوريا.
أوضح الدكتور عبد الكريم أن هناك أحكامًا صادرة من المحكمة العامة للاتحاد الأوروبي لمصلحة الاتحاد الأوروبي ممثلًا ببنك الاستثمار الأوروبي، بسبب عدم سداد أقساط القروض بعد عام 2011. وكانت هذه الأحكام على الشكل التالي: في ملف توزيع الكهرباء رقم “20948”، صدر حكم في 2019 بمبلغ 52.657 مليون يورو، ثم حكم آخر في 2023 بمبلغ 28.778 مليون يورو، مع فوائد تعاقدية وتأخيرية. وفي ملف نقل الكهرباء رقم “20868”، صدر حكم في 2019 بمبلغ 38.934 مليون يورو و3.384 مليون فرنك سويسري، ثم حكم آخر في 2023 بمبلغ 22.857 مليون يورو و1.985 مليون فرنك سويسري، مع استمرار الفوائد التأخيرية حتى السداد.
نفى الخبير الاقتصادي السوري أن يكون قد تم “إسقاط الفوائد” من قبل المحكمة الأوروبية في موضوع قروض بنك الاستثمار الأوروبي، مؤكدًا أن الأحكام الأوروبية تنص على استمرار احتساب الفوائد التأخيرية حتى تاريخ السداد. وأشار إلى أن قرار المالية السورية الأخير حول دراسة إمكانية التريث في الملاحقات القضائية بحق المقترضين لا يعتبر “إسقاطًا نهائيًا للفوائد أو أصل الدين”.
ويرى عبد الكريم أن أي إسقاط أو إعادة جدولة حقيقية للفوائد الخارجية يحتاج إلى اتفاق رسمي مع بنك الاستثمار الأوروبي أو الاتحاد الأوروبي، وليس مجرد قرار داخلي من وزارة المالية السورية. وتندرج الجهود الحكومية نحو إنهاء ملف قروض بنك الاستثمار الأوروبي في إطار تعزيز معايير الامتثال والحوكمة، التي سبق أن أعلن عنها مصرف سوريا المركزي ضمن استراتيجيته (2026-2030).
سياسة
سياسة
اقتصاد
اقتصاد