من هولندا إلى قفص الاتهام: شاهد سوري يواجه مسؤول أمن سابق في درعا


هذا الخبر بعنوان "شاهد من درعا.. عاد من هولندا ليواجه عاطف نجيب أمام القضاء" نشر أولاً على موقع Syria 24 وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٦ تموز ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لم تكن عودة يدن الدراجي من هولندا إلى دمشق مجرد زيارة لوطنه الذي غادره قبل سنوات، بل كانت رحلة إلى واحدة من أكثر محطات حياته إيلامًا. الدراجي، خريج كلية الإعلام بجامعة دمشق والذي درس إدارة الأعمال سابقًا قبل أن يتجه إلى العمل الإعلامي والتوثيق، عاد هذه المرة ليس بصفته إعلاميًا، بل كشاهد أمام القضاء في محاكمة الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا، عاطف نجيب. ويصف الدراجي اللحظة التي رأى فيها عاطف نجيب داخل قاعة المحكمة بأنها أعادته مباشرة إلى ربيع عام 2011، حين كان اسمه، بالنسبة للكثيرين في درعا، مرادفًا للخوف. وأضاف في حديثه لـ” سوريا 24 “: “في اللحظة الأولى شعرت بالخوف، كان اسمه وحده يثير الرعب بالنسبة لنا”، لكنه بعد لحظات شعر بأن العدالة بدأت تأخذ مجراها، “لأنه أصبح داخل قفص الاتهام، بينما جئت أنا لأشهد ضده”.
من الاحتجاجات الأولى إلى الاعتقال
يستعيد الدراجي بدايات الحراك في درعا، مؤكدًا أن الاحتجاجات لم تكن وليدة مطالب سياسية فقط، بل جاءت، بحسب روايته، نتيجة تراكم مظالم اقتصادية واجتماعية. ويقول: “في كثير من مفاصل الثورة في درعا كان الظلم الاقتصادي محورًا رئيسيًا، سواء في الفرص أو في الانتهاكات الاقتصادية التي كانت ترتكبها الأفرع الأمنية من خلال الإتاوات التي كانت تفرض على الناس”. ويشير إلى أنه شارك في المحاولة الأولى للتظاهر في 15 آذار/مارس 2011، قبل أن يشارك في مظاهرات 18 آذار التي انطلقت من المسجد العمري ومسجد الحمزة والعباس، والتي يعتبرها بداية انخراطه الفعلي في الحراك. كما كان شاهدًا على أحداث اقتحام المسجد العمري، ويقول إنه حاول مع آخرين الوصول إلى المعتصمين بعد تصاعد نداءات الاستغاثة من المساجد، إلا أن إطلاق النار الكثيف حال دون ذلك، قبل أن تبدأ الأخبار تتحدث عن سقوط قتلى داخل المسجد. وبعد الخطاب الأول للرئيس السوري آنذاك بشار الأسد، شارك الدراجي في مظاهرة بساحة السرايا، قبل أن تطوقها قوات الأمن وتنفذ حملة اعتقالات واسعة. ويقول إن نصيبه كان الاعتقال في فرع الأمن السياسي بدرعا، حيث تعرض، منذ اللحظات الأولى، للضرب بينما كانت عيناه معصوبتين. ويضيف: “تركز الضرب على رأسي وساقي، لكن الأكثر إيلامًا كان الضرب على الركبتين، وكان واضحًا أنه مقصود”. ويقول إن رؤية عاطف نجيب داخل المحكمة أعادت إليه الألم ذاته الذي شعر به خلال الاعتقال، مضيفًا: “عندما رأيته عاد إليّ ألم ركبتي”.
“لهذا عدت من هولندا”
يؤكد الدراجي أن قراره العودة إلى سوريا لم يكن مطروحًا قبل متابعته جلسات المحاكمة، لكنه اتخذه بعدما استمع إلى إنكار عاطف نجيب أمام المحكمة أن يكون فرع الأمن السياسي قد اعتقل مدنيين. ويقول: “تواصلت مع المحكمة ومع المحامية الممثلة للشهود، وقدمت إفادتي، وبعد الاستماع إليها قُبلت شاهدًا في القضية”. ويضيف: “عدت من هولندا لأن هذا الإنكار كذب.. نحن كنا معتقلين مدنيين داخل ذلك الفرع، وأنا خرجت من بابه وأعرفه جيدًا”.
شهادات عن التعذيب
لا تقتصر شهادة الدراجي على ما تعرض له شخصيًا، بل تمتد إلى ما شاهده داخل المعتقل. ويروي أن معتقلًا يدعى مجيب المسالمة تعرض، بحسب روايته، لضرب متكرر على الرأس والوجه أمام بقية المعتقلين، فيما خرج معتقل آخر، هو وحيد أبازيد، بإصابات بالغة في ذراعه ووجهه، لكنه اضطر إلى إنكار تعرضه للتعذيب خوفًا من إعادة اعتقاله. ويقول إن الإفراج عن مجموعته جاء بعد توقيع تعهدات بعدم المشاركة مجددًا في أي مظاهرة أو نشاط معارض، في وقت كانت تجري فيه محاولات للتفاوض بين شخصيات من حوران والسلطات آنذاك.
من التوثيق إلى المنفى
بعد الإفراج عنه، واصل الدراجي نشاطه الإعلامي، مستفيدًا من تكوينه الأكاديمي في الإعلام، وركز على تصوير المظاهرات وتوثيق الانتهاكات وإرسال المواد المصورة إلى وسائل إعلام عربية، كما عمل لفترة باسم مستعار هو “عدي سالم”. وشارك في تنظيم مظاهرات حي طريق السد، كما عمل إلى جانب مراسل قناة الجزيرة الراحل محمد المسالمة (أبو النمر) في توثيق أحداث درعا، وأسهم في إنتاج مواد وثائقية تناولت بدايات الاحتجاجات. ويقول إن الملاحقة الأمنية المتكررة، ومداهمة منزل عائلته مرات عديدة، دفعته إلى مغادرة سوريا، متنقلًا بين الأردن وفرنسا، قبل أن يستقر في هولندا. وخلال سنوات المنفى، عمل مع الأمم المتحدة في برامج معنية بجنوب سوريا، وأسهم في تأسيس مبادرات مدنية لخدمة أبناء المنطقة، قبل أن يتولى لاحقًا إدارة أحد القطاعات ضمن برنامج تابع لبلدية أمستردام يُعنى ببناء التماسك المجتمعي.
محاكمة تتجاوز المتهم
لا ينظر كثير من السوريين إلى محاكمة عاطف نجيب بوصفها محاكمة لمسؤول أمني سابق فحسب، بل باعتبارها اختبارًا مبكرًا لقدرة القضاء على التعامل مع ملفات الانتهاكات التي رافقت انطلاق الاحتجاجات في درعا عام 2011، وما إذا كانت العدالة الانتقالية ستتمكن من الانتقال من الشعار إلى الممارسة. وبالنسبة إلى يدن الدراجي، بدأت هذه القضية في أحد شوارع درعا، ثم امتدت إلى زنزانة في فرع الأمن السياسي، قبل أن تقوده سنوات المنفى إلى الأردن وفرنسا ثم هولندا. وبعد أكثر من خمسة عشر عامًا، عاد إلى دمشق لا بصفته ناشطًا أو إعلاميًا، بل شاهدًا أمام المحكمة. ويقول إن مثوله للإدلاء بشهادته لم يكن بهدف استعادة الماضي، بل للمساهمة في توثيقه أمام القضاء، معربًا عن قناعته بأن الثقة بين السوريين ومؤسسات دولتهم لن تستعاد ما لم يخضع المسؤولون عن الانتهاكات للمحاسبة. ويضيف: “لن تعود الثقة بهذا البلد ما لم يُحاسَب المجرمون.. لا يمكن أن نطلب من الضحايا أن يطووا الصفحة قبل أن يعرفوا الحقيقة، وقبل أن يروا من ارتكب الانتهاكات يمثل أمام القضاء”. ويؤكد أن العدالة، بالنسبة إليه، ليست فعلًا انتقاميًا، بل شرط لإعادة بناء الثقة بين السوريين، مضيفًا: “عندما يرى الناس شخصية كانت تمتلك كل هذا النفوذ تقف اليوم أمام القضاء، سيشجع ذلك ضحايا آخرين على كسر الصمت والمشاركة بما لديهم من شهادات.. هذه البلاد تستحق أن تُبنى على الحقيقة والعدالة، لا على الخوف”. وبين شهادات الضحايا ودفوع الدفاع، تواصل المحكمة جلساتها في قضية ينظر إليها كثيرون باعتبارها محطة مفصلية في مسار العدالة الانتقالية في سوريا، ليس فقط لما قد تنتهي إليه من أحكام، وإنما لما يمكن أن تؤسس له من سابقة قضائية في التعامل مع إرث الانتهاكات التي رافقت السنوات الأولى من الثورة السورية، وما حملته من انتهاكات ارتكبها مسؤولو النظام السابق.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة