عبّارات الفرات: رحلة يومية بين القلق والكارثة في دير الزور


هذا الخبر بعنوان "بين ضفتي الفرات.. رحلة يومية من القلق على متن “العبّارات النهرية”" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٧ تموز ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تحولت رحلة مازن الأسعد المعتادة عبر نهر الفرات إلى تجربة مرعبة، حيث أصبح الصعود إلى العبارات المائية المصنوعة محليًا، والتي تُعد الوسيلة الوحيدة لعبور النهر لإنجاز المعاملات الرسمية، مصدر قلق دائم. ففي إحدى المرات، توقفت العبارة فجأة في منتصف النهر، مما أثار ذعر الركاب، خاصة النساء والأطفال، وباتوا يتبادلون نظرات القلق في انتظار مصير مجهول. لم تعد العبارة بالنسبة لمازن مجرد وسيلة نقل، بل أصبحت مخاطرة مفروضة عليه.
تفاقمت هذه المخاوف الفردية لتصبح قضية رأي عام بعد حادث غرق عبارة كانت تقل أكثر من 35 مدنيًا في نهر الفرات بمحافظة دير الزور، فجر الأحد 12 من تموز، إثر اصطدامها بالجسر الحربي. أسفر الحادث عن غرق عدد من المدنيين بينهم أطفال، وأعاد إلى الواجهة التساؤلات حول استمرار الاعتماد على العبارات البدائية في التنقل بين ضفتي النهر. كشف الحادث عن حجم الأزمة التي يعيشها سكان دير الزور منذ خروج معظم الجسور عن الخدمة، واعتمادهم على وسائل نقل مؤقتة أصبحت جزءًا من الحياة اليومية رغم مخاطرها وتكاليفها.
حلول مؤقتة تحولت إلى واقع دائم:
يعيش سكان دير الزور منذ سنوات أزمة مستمرة في التنقل بين ضفتي نهر الفرات، بعدما دمرت الحرب الجسور الرئيسية التي كانت تربط المدينة بريفها. زادت الفيضانات الأخيرة من تعقيد المشهد، حيث جرفت الجسور الترابية والإسعافية التي كانت تستخدم كبدائل مؤقتة. في ظل غياب المعابر البرية، برزت العبارات النهرية كوسيلة وحيدة لنقل السكان والمركبات بين الضفتين، خاصة عند معبر السياسية ومعابر أخرى. تُصمم هذه العبارات محليًا بوسائل بدائية، وهي عبارة عن منصات عائمة مسطحة تعمل بمحركات ومولدات بسيطة، وتستخدم لنقل الأفراد والدراجات النارية والسيارات، وأحيانًا الشاحنات، لكنها تفتقر إلى معايير السلامة الفنية.
رغم مساهمتها في استمرار الحركة اليومية ومنع عزلة مناطق واسعة، تحولت هذه الوسيلة تدريجيًا إلى مصدر دائم للمخاوف، خصوصًا مع زيادة أعداد مستخدميها وارتفاع الحمولة اليومية، واعتمادها الكامل على سلامة المحركات واستقرار منسوب مياه النهر.
كارثة أعادت المخاوف:
أعاد حادث الغرق الأخير النقاش حول سلامة هذه العبارات وإجراءات تشغيلها، خاصة مع تكرار شكاوى الأهالي من الاكتظاظ، وضعف الرقابة، وعدم وجود تجهيزات كافية للإنقاذ. قال محمد العبد المجيد، من سكان دير الزور، إن استخدام العبارات، خاصة مع وجود السيارات، يثير لديه شعورًا دائمًا بالخوف. وأضاف أن العبارات خدمت الأهالي، لكنها أصبحت سببًا في وقوع كارثة إنسانية أودت بحياة مدنيين، معتبرًا أن الطمع في تحميل أعداد أكبر من الركاب، وضعف الوعي بإجراءات السلامة، يسهمان في تكرار الحوادث. ويرى محمد أن هذه المخاطر لن تنتهي إلا بإنشاء جسور ثابتة تعيد حركة العبور الطبيعية.
“فوبيا” العبارات:
بالنسبة للطالبة الجامعية ريم الطه، لم تكن رحلة العبور الأسبوعية عبر النهر مجرد وسيلة للوصول إلى الجامعة، بل تجربة مليئة بالتوتر. كانت تشعر برعب شديد في كل مرة تستقل فيها العبارة، خصوصًا عندما تشاهد أعداد الركاب الكبيرة المتكدسة فوقها. خفف افتتاح الجسور المؤقتة من هذا القلق، إذ لم تعد مضطرة لاستخدام العبارة كما في السابق، معتبرة أن هذه الوسيلة، رغم أهميتها، بقيت “مخيفة” بسبب طبيعة تصنيعها وآلية تشغيلها.
رحلة لا تخلو من الهواجس:
يضطر مازن الأسعد بصورة دورية لعبور النهر بسيارته لمتابعة معاملات رسمية. يقول إن العبارة تمثل شريان الحياة الوحيد، لكنها في الوقت نفسه مصدر قلق دائم. يتساءل دائمًا: “ماذا لو تعطلت العبارة في منتصف النهر؟”. شكل العبارات وطريقة تصنيعها لا يمنحانه أي إحساس بالأمان. تحولت مخاوفه إلى واقع عندما تعطلت إحدى العبارات خلال رحلة سابقة، حيث عاش الركاب لحظات صعبة وسط النهر.
السائقون أيضًا يعيشون المخاطرة:
يواجه العاملون على تشغيل العبارات ظروفًا صعبة. أحد سائقي العبارات، فضل عدم الكشف عن اسمه، يعمل منذ ساعات الصباح الأولى وحتى غروب الشمس. لم يشهد طوال فترة عمله حادثة غرق مماثلة للحادث الأخير، مؤكدًا حرصه اليومي على تفقد المحرك ومستوى الوقود قبل بدء العمل. يحذر من خطورة تشغيلها على يد أشخاص يفتقرون إلى الخبرة الكافية.
اختناقات وتأخير يومي:
تمتد معاناة الأهالي إلى الأعباء اليومية الناتجة عن محدودية عدد العبارات. غالبًا ما تمتد طوابير السيارات لساعات بانتظار دورها في العبور، وقد يصل وقت الانتظار إلى ساعتين أو ثلاث. أي عطل فني أو توقف لإحدى العبارات يؤدي إلى شلل شبه كامل في حركة التنقل، ما ينعكس على الموظفين والطلاب والتجار والمرضى. يضطر كثيرون إلى مغادرة منازلهم قبل ساعات من مواعيد أعمالهم لتجنب التأخير.
تكاليف تثقل كاهل السكان:
تصل تكلفة التنقل اليومية ذهابًا وإيابًا إلى نحو 30 ألف ليرة سورية، وهو مبلغ يمثل عبئًا كبيرًا على ذوي الدخل المحدود. يرى السكان أن هذه التكاليف، إلى جانب فترات الانتظار الطويلة، تجعل من التنقل بين ضفتي المدينة تحديًا اقتصاديًا ومعيشيًا مستمرًا.
توجه لإيقاف العبارات:
قال رئيس لجنة الاستجابة الطارئة، فايز عباس، إن تشغيل العبارات جاء كحل مؤقت بعد غمر الجسر الترابي بمياه الفيضانات. وأوضح أن افتتاح الجسر الترابي والجسر الحربي في دير الزور أتاح إيقاف عمل العبارات بشكل كامل داخل المدينة ومحيطها. سيقتصر استخدامها خلال المرحلة المقبلة على منطقة الميادين فقط، ولمدة محدودة، ريثما يتم تركيب الجسر الحربي هناك أيضًا. وأشار عباس إلى أن السلطات ستخضع العبارات لفحص فني شامل، مع إلزامها بتوفير وسائل الحماية والسلامة، وتنظيم أعداد الركاب والحمولات، إضافة إلى وجود فرق إسعاف وغواصين للتدخل الفوري.
بين الضرورة والسلامة:
تكشف تجربة العبارات النهرية في دير الزور حجم الفجوة التي خلفها تدمير البنية التحتية. تحولت وسائل نقل صُممت كحلول إسعافية إلى شريان حياة يعتمد عليه آلاف السكان يوميًا. لكن حادثة الغرق الأخيرة أعادت التذكير بأن هذه الوسائل، مهما أسهمت في تخفيف العزلة، تبقى مرتبطة بمستوى مرتفع من المخاطر، في ظل طبيعة تصنيعها البدائية، والاعتماد على ظروف تشغيل متغيرة، وغياب بدائل دائمة. مع إعادة افتتاح بعض الجسور المؤقتة، وتوجه الجهات المعنية إلى وقف تشغيل العبارات في أجزاء واسعة من المحافظة، يترقب السكان انتهاء مرحلة فرضتها الحرب والفيضانات، على أمل أن تعود الجسور الثابتة لتكون وسيلة العبور الأساسية.
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي