سوريا: من كسر الخوف إلى نهضة الوعي.. قصة شعب يتجاوز الانقسامات


هذا الخبر بعنوان "قصة شعبٍ كُسِر بالخوف..ونهض بالوعي" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٧ تموز ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
بقلم: جمعان علي العمير
يا أبناء هذا الوطن، يا من حملتم سوريا في قلوبكم قبل أن تحملكم على ترابها، يا من وقفتم في وجه العواصف كأشجارٍ لا تنحني، رغم أن الريح كانت أقوى من كل ما عرفناه. نقف اليوم أمام لحظةٍ لا تشبه ما مضى، لحظة نعيد فيها قراءة وجوهنا، وملامحنا، وذاكرتنا، لنكتشف أن ما فرّقنا لم يكن اختلافنا، بل ما زُرِع فينا من خوفٍ لم يكن منّا.
لقد عاش السوريون الظلم بكل مكوّناتهم، لكن بعض المكوّنات كانت تتلقى الضربة الأكبر، تُحمَّل ما لم ترتكب وتُحاصر بما لم تفعل، فيما بقيت المكوّنات الأخرى تعيش خوفاً لا يقلّ قسوة عن الظلم نفسه. ومع ذلك، لم ينجُ أحد من الألم، فالوجع كان عاماً، والدمع كان عاماً، والخراب كان عاماً، والقلوب التي انكسرت لم تسأل أصحابها عن طائفتهم قبل أن تنكسر.
سنواتٌ طويلة زرعت فيها السلطة السابقة بذور الشك بين أبناء الوطن الواحد، صنعت خوفاً من الآخر، غذّت رواياتٍ تُقسّم الناس إلى مربعاتٍ صغيرة، وتُصنّفهم وفق ما يخدم بقاءها. كانت تختار طائفةً أو مجموعةً لتكون واجهتها، تمنحها ما تريد، وتستفيد منها كما تستفيد هي منها، بينما تُحرق باقي الشعب في كذبة الخوف من الآخر، كذبةٍ جعلت السوري ينظر إلى أخيه السوري وكأنه احتمال خطر، لا شريك وطن. لم يكن ذلك الخوف ابن الناس، بل ابن سياسةٍ أرادت أن تبقى، فزرعت في القلوب ما لم يكن فيها، وكتبت في الذاكرة ما لم يكن جزءاً من تاريخها.
لكن الحياة، رغم قسوتها، كانت تملك طريقةً عجيبة في كشف الحقيقة. في حمص، المدينة التي كانت مرآةً مكبّرة لوجع الوطن، حدثت قصة تختصر كل شيء. رجلٌ كان يمرّ بجانب حاجزٍ يضم شاباً علويّاً، وكلٌّ منهما كان يخاف من الآخر أكثر مما يخاف من الحرب نفسها. كان الرجل يظن أن الشاب ينتظر الفرصة ليقتله، وكان الشاب يظن أن الرجل ينتظر اللحظة ليطعنه. كلاهما كان أسيراً لفكرةٍ لم يصنعها، بل صُنعت له. ثم جاء الاعتراف الذي هزّ الجدار كله: «في حمص… علوي كان يخاف أن أقتله، ثم اكتشفت أنني أنا أيضاً كنت أخاف منه».
يا أبناء سوريا، تلك اللحظة ليست قصة فرد، بل قصة وطن. لحظةٌ تقول إن الخوف الذي عاش بيننا لم يكن خوفاً من بعضنا، بل خوفاً مما زُرِع فينا. لحظةٌ تقول إن الإنسان، مهما كان انتماؤه، يشبه أخاه الإنسان أكثر مما يختلف عنه. لحظةٌ تقول إننا، رغم كل شيء، ما زلنا قادرين على أن نرى بعضنا بعيونٍ جديدة، بقلوبٍ جديدة، بوعيٍ جديد.
لقد مررنا بسنواتٍ ثقيلة، سنواتٍ جعلتنا ننظر إلى بعضنا البعض بالخوف أكثر مما ننظر بالمحبة. الحرب لم تقتل الناس فقط، بل قتلت داخلنا شيئاً أعمق: الثقة. جعلتنا نرى الطائفة قبل الإنسان، والانتماء قبل القلب، والهوية قبل الوجع. لكن المواقف الصغيرة، الصادقة، كانت تعيد ترتيب الصورة، كانت تقول لنا إن الإنسان، مهما كان انتماؤه، يخاف، يحب، يقلق، يحلم، ويحاول أن يعيش بسلام.
قصة حمص لم تكن استثناءً، بل كانت مرآةً لما حدث في كل مدينة وقرية وحيّ. في كل مكان كان هناك شخصٌ يكتشف أن من كان يظنه عدواً هو في الحقيقة يشبهه أكثر مما يختلف عنه. في كل مكان كان هناك من أدرك أن الظلم لم يكن حكراً على جماعة دون أخرى، وأن الخوف لم يكن امتيازاً لطائفة دون غيرها، وأن الدم الذي سال لم يسأل أصحابه عن دينهم قبل أن يسيل.
اليوم، ونحن نكتب فصلاً جديداً من تاريخ هذا الوطن، علينا أن نعيد بناء الثقة التي تهشّمت، وأن نعيد ترميم المساحة الإنسانية التي تكسّرت، وأن نعيد النظر إلى بعضنا البعض كأفراد، لا ككتلٍ طائفية. علينا أن نكتب قصةً جديدة لا يكون فيها الخوف هو اللغة الوحيدة التي نتحدث بها، ولا تكون فيها الطائفة هي الهوية التي تسبق الإنسان.
يا أبناء سوريا، إن الوطن أكبر من الطوائف، وأكبر من الانقسامات، وأكبر من كل ما حاولت السياسة أن تزرعه بيننا. الوطن هو نحن، نحن الذين بكينا معاً، وخسرنا معاً، ووقفنا معاً، ونحاول اليوم أن ننهض معاً. الوطن هو تلك اليد التي تمتد إلى أخيك دون أن تسأله من أي طائفة هو. الوطن هو تلك اللحظة التي تقول فيها: نحن شعبٌ واحد، مهما حاولت السياسة أن تفرّقنا.
فلنكتب معاً بدايةً جديدة، بدايةً لا تشبه ماضينا، بدايةً تُعيد لسوريا وجهها الحقيقي، وجهها الذي يشبه أبناءها جميعاً. فلنكتب وطناً لا يُخيف أبناءه، بل يحتضنهم. وطناً لا يُقسّمهم، بل يجمعهم. وطناً لا يُعيد إنتاج الخوف، بل يصنع الثقة.
يا أبناء سوريا، هذا وطنكم، وهذه قصتكم، وهذا مستقبلكم. فلننهض معاً، ولنجعل من وحدتنا جواباً على كل ما حاول أن يفرّقنا. فلنُثبت أن سوريا، مهما انكسرت، قادرةٌ على أن تعود أقوى، وأن شعبها، مهما تفرّق، قادرٌ على أن يجتمع من جديد. (موقع:اخبار سوريا الوطن)

سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي