محطة علّوك تعود للحياة: هل تنتهي أزمة المياه المزمنة في الحسكة؟


هذا الخبر بعنوان "بدء الضخ التجريبي لمحطة “علّوك”.. هل تنتهي سنوات العطش في الحسكة؟" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٨ تموز ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في كل صباح، كانت سميرة خالد تبدأ يومها بطقس لم تعتد عليه قبل سنوات. تتجه إلى صنبور المياه في مطبخ منزلها، تفتحه لثوانٍ طويلة، ثم تغلقه بصمت إذ لا يخرج منه سوى الهواء. بعدها تبدأ رحلة أخرى أكثر مشقة، الاتصال بأصحاب الصهاريج، أو السؤال عن بئر يمكن أن تؤمّن منه بعض المياه التي تكفي ليوم أو يومين. وبين انتظار الصهريج والخوف من نفاد الخزان، تحولت المياه في مدينة الحسكة من خدمة أساسية إلى هاجس يومي يرافق آلاف العائلات.
اليوم، ومع إعلان وزارة الطاقة السورية بدء الضخ التجريبي لمحطة مياه علوك، عاد الأمل إلى سكان المدينة الذين أنهكتهم سنوات الانقطاع، وأثقلت كاهلهم تكاليف شراء المياه، وأجبرتهم على الاعتماد على آبار وصهاريج لم تكن دائمًا آمنة أو صالحة للاستخدام. ويمثل الإعلان بداية مرحلة جديدة لمحافظة الحسكة، التي ارتبط اسمها خلال السنوات الماضية بأزمات المياه أكثر من أي محافظة سورية أخرى، في ظل توقف متكرر للمحطة التي تعد المصدر الرئيس لمياه الشرب لمئات آلاف السكان.
أعلنت وزارة الطاقة السورية، في 16 من تموز، بدء الضخ التجريبي لمحطة مياه علوك، بعد استكمال أعمال الصيانة والتأهيل التي استمرت أشهرًا، ونفذت بالتعاون بين المؤسسة العامة لمياه الشرب والصرف الصحي واللجنة الدولية للصليب الأحمر، على أن تستكمل أعمال التأهيل بالتعاون مع منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) للوصول بالمحطة إلى كامل طاقتها التشغيلية. وقالت الوزارة إن هذه الخطوة تمهد لإعادة المحطة إلى الخدمة بصورة كاملة، بما يضمن انتظام وصول مياه الشرب الآمنة إلى المواطنين في المناطق المستفيدة، بعد سنوات من التوقف والانقطاعات التي انعكست على مختلف تفاصيل الحياة اليومية في محافظة الحسكة.
لم يكن الوصول إلى مرحلة الضخ التجريبي وليد الأيام الأخيرة، بل جاء نتيجة سلسلة من الإجراءات الفنية والإدارية بدأت عقب تسلّم الحكومة السورية محطة مياه علوك رسميًا في الثامن من نيسان الماضي، بعد أسابيع من تسلمها إدارة مدينة رأس العين. وعقب عملية التسلم، باشرت الفرق الفنية تقييم الواقع التشغيلي للمحطة، وإجراء كشف شامل على تجهيزاتها، وإعداد دراسات فنية لحصر الأعطال وتحديد الاحتياجات اللازمة لإعادتها إلى العمل تدريجيًا، مع فرز كوادر للإشراف على المحطة خلال المرحلة المقبلة.
في أيار الماضي، كشفت وزارة الطاقة لعنب بلدي عن خطة متكاملة لإعادة تشغيل المحطة، كان أبرز تحدياتها تأمين الكهرباء اللازمة لتشغيل المضخات. وأوضح رئيس دائرة التخطيط والإدارة المركزية في وزارة الطاقة، خالد الغازي، أن الوزارة عملت على تأمين ثلاثة مصادر مختلفة للطاقة، تشمل محطة كهرباء الدرباسية المتنقلة، وخطًا كهربائيًا من الشركة الخاصة المزودة للكهرباء في رأس العين، إضافة إلى الاعتماد على المولدات الموجودة داخل المحطة نفسها، بما يضمن استقرار التغذية الكهربائية وعدم توقف الضخ بسبب الانقطاعات. وتزامنت هذه الأعمال مع تنفيذ عمليات صيانة وتجهيز بالتعاون مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر، إلى جانب التنسيق مع منظمة “يونيسف” ومنظمة العمل ضد الجوع وعدد من الجهات الدولية لإعادة تأهيل المحطة وشبكات المياه داخل مدينة الحسكة. كما أكدت الوزارة أنها ستعمل على تفعيل الضابطة المائية لمواجهة التعديات على خط المياه الممتد بين علوك وخزانات الحمة، ومعالجة الأعطال والإكسسوارات التي تحتاج إلى الاستبدال قبل الوصول إلى التشغيل الكامل.
تعد محطة مياه علوك واحدة من أهم منشآت المياه في شمال شرقي سوريا، إذ تقع في ريف مدينة رأس العين الشرقي، وتضم نحو 34 بئرًا ارتوازية ومحطة تجميع رئيسة، تضخ المياه لمسافة تقارب 67 كيلومترًا وصولًا إلى خزانات الحمة غرب مدينة الحسكة، ومنها إلى أحياء المدينة ومدينة تل تمر ومناطق أخرى. لكن هذا الشريان الحيوي خرج عن الخدمة مرات عديدة منذ عام 2019، عقب عملية “نبع السلام”، نتيجة انقطاع التيار الكهربائي وتعطل خطوط التشغيل، ما تسبب بتوقف الضخ لفترات طويلة، وتحول أزمة المياه إلى واحدة من أبرز القضايا الإنسانية في المحافظة. ومع كل انقطاع جديد، كانت معاناة السكان تتضاعف، إذ اضطر معظمهم إلى الاعتماد على شراء المياه من الصهاريج أو استخراجها من الآبار المنزلية، رغم ارتفاع التكاليف والمخاوف الصحية المرتبطة بجودة تلك المياه.
لم تكن أزمة المياه بالنسبة لسكان الحسكة مجرد انقطاع خدمة عامة، بل تحولت إلى عبء يومي أعاد تشكيل تفاصيل الحياة داخل المنازل. فكل أسرة باتت تمتلك جدولًا خاصًا لشراء المياه، وأصبح موعد وصول الصهريج حدثًا ينتظره الجميع، بينما تغيرت أبسط العادات اليومية، من الاستحمام وغسل الملابس إلى تنظيف المنازل. يقول محمود الأحمد، وهو من سكان حي غويران، إن عائلته لم تعد تتذكر آخر مرة اعتمدت فيها بصورة مستقرة على شبكة المياه العامة. وأضاف لعنب بلدي: “كنا نستيقظ كل صباح لنبدأ رحلة جديدة في البحث عن صاحب صهريج. أحيانًا ننتظر ساعات حتى يصل، وأحيانًا يخبرنا أن جميع طلباته محجوزة، فنضطر للبحث عن غيره أو الاستدانة من أحد الجيران”. وأوضح أن المياه تحولت إلى أكبر بند في مصروف الأسرة، مضيفًا: “اضطررنا خلال السنوات الماضية إلى تأجيل شراء كثير من احتياجات المنزل حتى نستطيع دفع ثمن المياه. لم نعد نفكر بشراء ملابس جديدة أو إصلاح بعض الأثاث، لأن الأولوية أصبحت لتعبئة الخزان”. وأشار إلى أن الأزمة لم تكن مادية فقط، بل تركت أثرًا نفسيًا على أفراد الأسرة، ولا سيما الأطفال الذين كانوا يسألونه باستمرار عن موعد عودة المياه. وقال: “كان أصعب ما في الأمر أنني لم أكن أملك إجابة. اليوم، عندما سمعنا ببدء الضخ التجريبي، شعرنا للمرة الأولى منذ سنوات بأن نهاية هذه المعاناة ربما أصبحت قريبة. كل ما نتمناه هو ألا يكون الأمر مؤقتًا”.
أما هناء مصطفى، من سكان حي النشوة، فقالت إن العائلات لم تكن تعاني من ارتفاع أسعار المياه فقط، بل من القلق الدائم بشأن جودتها. وأضافت: “في كثير من الأحيان اضطررنا إلى استخدام مياه الآبار، وكانت مالحة أو يتغير لونها بعد أيام داخل الخزان، وكنا نخشى استخدامها للشرب أو إعداد الطعام. لذلك كنا نشتري مياهًا للشرب ومياهًا أخرى للاستخدام المنزلي، وهو ما ضاعف النفقات”. وتابعت: “كانت درجات الحرارة المرتفعة تجعل الأزمة أكثر قسوة، فاحتياجات الأطفال للمياه تزداد، بينما ترتفع أسعار الصهاريج باستمرار. كنا نقتصد في كل شيء، حتى في كمية المياه المستخدمة للاستحمام أو غسل الملابس”. وأضافت أن إعلان الضخ التجريبي أعاد شيئًا من الطمأنينة إلى الأهالي، قائلة: “أتمنى أن يعود أطفالي إلى شرب مياه الشبكة كما كنا نفعل في السابق، دون خوف من تلوث المياه أو التفكير يوميًا في كيفية تأمينها”.
من جهتها، قالت سميرة خالد، وهي من سكان حي تل حجر، إن أزمة المياه غيرت نمط الحياة داخل منزلها بالكامل. وأضافت: “أصبحنا نحسب استهلاك كل لتر ماء. نؤجل غسل الملابس حتى تمتلئ الغسالة بالكامل، ونعيد استخدام بعض المياه في تنظيف الأرضيات أو سقاية النباتات. حتى الأطفال تعلموا أن يقتصدوا في استخدام المياه لأنهم يعرفون أن الخزان قد يفرغ في أي لحظة”. وتابعت: “كانت أكثر اللحظات قسوة عندما يطلب الأطفال الاستحمام في أيام الحر، ولا نستطيع تلبية ذلك خوفًا من نفاد المياه قبل وصول الصهريج. شعور العجز في تلك اللحظات كان أصعب من أي شيء آخر”. وترى سميرة أن عودة محطة علوك إلى العمل تمثل استعادة لجزء من الحياة الطبيعية، مضيفة: “لا نريد أن يعيش أطفالنا التجربة التي عشناها طوال هذه السنوات. المياه ليست رفاهية، بل حق أساسي”.
أما عبدالله السالم، من سكان حي الصالحية، فقال إن الأزمة استنزفت العائلات ماديًا ونفسيًا. وأضاف: “أنفقنا مبالغ كبيرة على الصهاريج، ثم اكتشفنا في أحيان كثيرة أن المياه غير نظيفة، فتسببت بترسبات وأعطال في الخزانات والتمديدات المنزلية، واضطررنا إلى دفع تكاليف إضافية لإصلاحها”. وأشار إلى أن الحديث عن الضخ التجريبي أعاد الأمل إلى المدينة، موضحًا: “منذ سنوات لم أشاهد الناس يتداولون خبرًا بهذه السرعة. الجميع يتحدث عن المياه، ويتساءل متى ستصل إلى منزله. النجاح الحقيقي لن يكون في بدء الضخ فقط، بل في استمراره، حتى لا يعود أحد مضطرًا لمطاردة الصهاريج أو القلق من نفاد الخزان”.
ورغم موجة التفاؤل التي سادت بين سكان الحسكة عقب إعلان بدء الضخ التجريبي، فإن كثيرين يتعاملون مع هذه الخطوة بحذر، إذ سبق أن شهدت المدينة محاولات لإعادة تشغيل المحطة انتهت بانقطاعات جديدة بسبب مشكلات الكهرباء أو الأعطال الفنية. ويأمل الأهالي أن تكون المرحلة الحالية مختلفة، وأن تنجح الجهات المعنية في استكمال أعمال التأهيل والوصول بالمحطة إلى كامل طاقتها التشغيلية، بما يضمن استقرار ضخ المياه إلى المدينة بصورة دائمة. فإذا نجحت التجربة الحالية، فلن تعني عودة خدمة عامة فحسب، بل ستشكل نهاية فصل طويل من المعاناة عاشه مئات آلاف السكان، الذين اضطروا لسنوات إلى مطاردة صهاريج المياه، والاعتماد على آبار مجهولة الجودة، وإنفاق جزء كبير من دخولهم لتأمين مورد لا غنى عنه للحياة. وبالنسبة إلى كثير من العائلات في الحسكة، فإن عودة المياه إلى الصنابير ليست مجرد حدث خدمي، بل لحظة ينتظرونها منذ سنوات، لأنها تعني عودة شيء من الاستقرار إلى حياتهم اليومية، وتحررهم من عبء رافقهم في كل صباح، عندما كانوا يفتحون الصنبور على أمل أن يعود الماء، فلا يجدون سوى الصمت.
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي