إعلام الألم السوري: بين استحضار الضحايا وتعميق الانقسام


هذا الخبر بعنوان "إعلام حفرة الألم" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٩ تموز ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يشير علي عيد إلى قضية حساسة في الإعلام السوري، وهي كيفية استعادة الألم بطريقة قد تعزز الانقسام بدلاً من الدعوة لاستخلاص العبر وحفظ الحقوق. يلاحظ أن بعض وسائل الإعلام، سواء داخل سوريا أو خارجها، تركز على إحياء ذكريات المجازر والضحايا دون مراعاة الحساسية المجتمعية أو مبادئ صحافة السلام. اللافت أن بعض الإعلام غير السوري، الذي يقدم نفسه كمستقل لجذب التمويل، يصمم برامج خاصة تستغل الألم السوري دون مراعاة خصوصية النزاع أو موازنة الروايات، ويمزج بين عواطف الشهود وآرائهم الشخصية والحقائق.
مهنيًا، لم يبذل بعض هذا الإعلام جهدًا للبحث عن رواية واحدة مقابل روايات متعددة، وكأن صحافة السلام قد تم تجاهلها عمدًا. يطرح السؤال حول ما إذا كان الضحايا وعائلاتهم بحاجة إلى هذا النوع من الإعلام، وما إذا كانت سوريا تحتاج إلى إعلام ينقلها من صراع إلى آخر، أم إلى إعلام يدفع نحو السلام والتوافق، ويستحضر اللحظات الصعبة لاستخلاص العبر والدروس، مع عدم نسيان حقوق الضحايا بغض النظر عن انتمائهم.
في إحدى المقالات لمنصة غير سورية تصف هدفها بتقديم قصة صحفية “ثالثة”، يمكن للقارئ ملاحظة انتهاكات بحق المهنة واللغة والسلام، أبرزها مغالطة “المنحدر الزلق” وتجاهل طرف مهم في الرواية. يصعب على القارئ التمييز بين الرأي والحقيقة في معظم أجزاء التقرير، مما يساهم في إغراق الجمهور بمعلومات غير متوازنة. وعلى الرغم من استناد المنصة في بدايتها إلى تقرير لجنة التحقيق الدولية المستقلة المعنية بسوريا، إلا أنها تغرق في تفاصيل الموجة الأولى من العنف وتنسى ما تبقى، لتستيقظ عرضيًا وتنقل رواية عن طبيب تتحدث عن “نحو 80 جثة” للطرف الآخر، بدلاً من الاعتماد على التقرير الدولي.
كصحفيين، لا نقيس الألم بناءً على الهوية أو حجم الجمهور، بل على المهنية، ونتجنب الوقوع في فخ عدم التوازن. ما حدث في السويداء أو الساحل السوري هو ارتدادات غير مبررة لمأساة طويلة، لكن معالجتها تتطلب إيمانًا بدور الصحافة في تعزيز السلم المجتمعي، وعدم استخدام اللحظات الصعبة لتهديد المستقبل أو غرس الكراهية. مقولة تقديم “قصة ثالثة” يجب أن تخضع لثلاثيات أخرى: الأخلاق والمنطق والقانون، الطرف الأول والثاني وطرف ثالث في المنتصف، ثلاثية غالتونغ (التناقضات والسلوك والمواقف)، صحافة السلام (بناء وصنع وحفظ السلام)، وثلاثية التفسير والتوعية (ماذا حصل قبل ذلك وسياقاته، اليوم، وما يمكن أن يحصل غدًا).
سوريا اليوم لا تحتاج إلى برامج مصممة لإغراء المنظمات الداعمة للإعلام بمقولة “الدفاع عن الضحايا” إذا لم يكن ذلك الدفاع جزءًا من حمايتهم من موجات عنف أخرى وخطاب كراهية، وإغراقهم في حفرة الألم وتنمية الحقد وثقافة “نحن/ هم”. في المقابل، تظهر وسائل إعلام ومنصات غير معنية بالسلام في سوريا، ومنخرطة مع جمهور من طرف دون آخر، وتكاد تصبح جزءًا من صراع هي تتسبب فيه. تعمل هذه الوسائل وفق منهجية استقبل ضيفًا ودعه يشتم طرفًا ثم تبرأ أنت مما يقوله بزعم أنه رأيه، بهدف مجاراة “خوارزمية” تدخل “غرف الصدى” المستقطبة. ثم تقدم هذه الجهات ملفات تثبت جماهيريتها، مما ينشئ معادلة “رابح- رابح” بين إعلام هدّام وشركات تدير أرباحها بالخوارزميات، ومعادلة “خاسر- خاسر” للمجتمع المنقسم، مما يهدد بتدمير أي محاولة لبناء جسور التواصل أو تعزيز الوعي، وتنمية الخوف من الآخر، وترسيخ مفهوم “إما أنا أو أنت”.
لقد هدأت أصوات الرصاص في سوريا، لكن رصاصًا آخر يُطلق باتجاه العقول والغرائز. لوقف هذا التدمير الممنهج، نحتاج إلى نقاش واسع وتعاون بين جميع أصحاب المصلحة (صحفيون، حكومة، مجتمع مدني، ممثلون عن الجمهور). دعونا ننتقل من الاشتباك من وراء الجدران إلى الاشتباك الواعي حول الحقوق والمسؤوليات.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة