محصول الذرة الصفراء في الرقة يواجه شبح التراجع بسبب ارتفاع التكاليف ونقص السيولة


هذا الخبر بعنوان "تحت ضغط التكاليف.. تراجع حادّ في محصول الذرة الصفراء بالرقة" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢١ تموز ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يشهد محصول الذرة الصفراء في محافظة الرقة تراجعًا ملحوظًا هذا العام، متأثرًا بارتفاع تكاليف الإنتاج وصعوبة تأمين السيولة المالية اللازمة للزراعة. وقد دفع هذا الوضع العديد من المزارعين إلى ترك أراضيهم دون استثمار، ومن بينهم مصطفى الإسماعيل من ريف الرقة الشرقي، الذي ترك أرضه بورًا بعد جني محصول القمح لعدم قدرته على زراعتها بالذرة الصفراء التي اعتاد زراعتها صيفًا.
وأوضح الإسماعيل لعنب بلدي أن ارتفاع تكاليف إنتاج المحاصيل الزراعية في المحافظة أدى إلى عزوف الكثير من المزارعين عن زراعة الذرة خلال الموسم الحالي. وتشتهر محافظة الرقة بزراعة الذرة الصفراء، خاصة بعد تراجع زراعة محاصيل أخرى مثل القطن والبطيخ والشوندر السكري.
تُزرع الذرة الصفراء مباشرة بعد حصاد القمح، وتتطلب كميات وفيرة من المياه وكميات كبيرة من السماد الآزوتي (اليوريا). ويبلغ إنتاج الدونم الواحد منها بين 700 كيلوغرام وطن واحد، حسب طبيعة الأرض ومستوى العناية بالمحصول. ورغم أن زراعة الذرة الصفراء تُعد ناجحة ومجدية اقتصاديًا للمزارعين في المنطقة، إلا أن ارتفاع تكاليف مستلزمات الإنتاج، بدءًا من البذار والأسمدة وصولًا إلى أجور اليد العاملة وتكاليف الري، جعل الاستمرار في زراعتها أمرًا صعبًا.
يعتمد عدد كبير من المزارعين على نظام الدَّين المؤجل لتمويل زراعة أراضيهم، في ظل ضعف السيولة وارتفاع تكاليف الإنتاج. يحصلون على البذور والأسمدة والأدوية الزراعية من الوكلاء والصيدليات الزراعية بالدين، مع رفع سعر المادة بنسبة تصل إلى 40%، على أن تُسدد قيمتها بعد جني المحصول وتسويقه. ويضطر مزارعون في أرياف الرقة إلى استدانة تكاليف تجهيز مواسمهم الزراعية من بذار ومبيدات وأسمدة، في حال تعذر عليهم تحمّل ذلك على نفقتهم الخاصة.
من جانبه، قال المزارع محمد الحسين من ريف الرقة الشمالي إن المحاصيل التكثيفية عمومًا، وعلى رأسها الذرة الصفراء، سجلت انخفاضًا كبيرًا مقارنة بالسنوات الماضية. وأوضح أن غالبية الأراضي الزراعية في المنطقة زُرعت بالقمح خلال الموسم الشتوي، بنسبة تراوحت بين 80 و85% من المساحات الزراعية، فيما خصصت النسبة المتبقية لزراعة القطن وبعض الخضروات الصيفية. وبعد انتهاء موسم القمح، فضل عدد كبير من المزارعين ترك أراضيهم بورًا بدلًا من زراعة الذرة أو السمسم.
ويرجع الحسين هذا التراجع إلى الارتفاع الكبير في تكاليف الإنتاج، مشيرًا إلى أن أسعار البذار المستوردة ارتفعت بشكل ملحوظ، في وقت يعاني فيه المزارعون من نقص السيولة وتأخر حصولهم على مستحقات محاصيلهم السابقة. وأوضح أن تكلفة تحضير الأرض وحدها أصبحت تشكّل عبئًا كبيرًا على المزارع، إذ تتطلب عمليات الحراثة والتجهيز مبالغ مرتفعة، تضاف إليها أجور العمال والآليات وكلف الري والمحروقات. وأشار إلى أن الارتفاع المستمر في أسعار الأسمدة ينعكس بشكل مباشر على المزارعين في المنطقة، إلى جانب زيادة النفقات التشغيلية المتعلقة بالمازوت والسقاية والنقل وأجور اليد العاملة.
وبيّن الحسين أن الأعباء المالية لا تتوقف عند مرحلة الزراعة، بل تستمر حتى الحصاد، حيث تضاف تكاليف الحصادات والنقل والتجفيف والعمالة، ما يجعل المزارع أمام فاتورة إنتاج مرتفعة قد تفوق العائد المتوقع من المحصول. وتصل تكلفة زراعة الدونم الواحد من الذرة، وفق تقديرات بعض المزارعين، إلى نحو 185 دولارًا أمريكيًا، مؤكدين أن معظم هذه التكاليف تُمول من خلال الديون، الأمر الذي يزيد من المخاطر التي تواجه المزارعين في حال تراجع الإنتاج أو انخفاض الأسعار.
وأكد مزارعون أن المساحات المزروعة بالذرة الصفراء تراجعت بنسبة تصل إلى 50% خلال الموسم الحالي، مطالبين بدعم المزارعين وتأمين مستلزمات الإنتاج بأسعار مدعومة للحد من استمرار هذا التراجع. ويُصرَّف محصول الذرة الصفراء في الأسواق الحرة بمحافظة الرقة، ويُشحن عن طريق التجار إلى المحافظات السورية الأخرى، دون أي تدخل حكومي لدعم هذا المحصول أو شرائه.
من جهته، قال تاجر المواد الزراعية، عمار الجروزي، إن الآمال كانت معلقة على موسم “الصفرا” هذا العام لتحقيق انتعاش في الأسواق الزراعية، إلا أن النتائج جاءت بعكس التوقعات. وأضاف الجروزي لعنب بلدي أن تفاؤله قبل بداية الموسم، وتوقعه أن يسهم موسم القمح والعوائد المالية التي سيحصل عليها الفلاحون في تنشيط حركة البيع، قد تبدد بسبب تأخر صرف مستحقات الحنطة والإعلان عنها على شكل دفعات، مما أثر بشكل كبير على السوق.
وأوضح أن الفلاحين كانوا سيواجهون صعوبات في الحصول على مستحقاتهم المالية، إذ تمتد فترات الانتظار لشهور عدة قبل استلام كامل المبالغ، مما يؤدي إلى تراجع الإنفاق على مستلزمات الزراعة. وأشار إلى أن حجم المبيعات انخفض بشكل ملحوظ مقارنة بالعام الماضي، موضحًا أن بعض المحال كانت تبيع ما بين 500 وألف كيس من بذور الذرة خلال الموسم، في حين لم تتجاوز المبيعات هذا العام 200 كيس في أفضل الأحوال. وأضاف أن معظم المبيعات تمت بالدين أو بالآجل، بينما تراجع البيع النقدي بشكل واضح، نتيجة نقص السيولة لدى الفلاحين.
ويرى الجروزي أن ارتفاع أسعار الأسمدة شكل عبئًا إضافيًا على المزارعين، لافتًا إلى أن سعر الطن وصل إلى ما بين 720 و740 دولارًا، وهو ما رفع تكاليف الإنتاج الزراعي إلى مستويات غير مسبوقة. واعتبر أن الفلاح اليوم يضع كامل جهده وإمكاناته في الزراعة، لكنه يواجه تكاليف مرتفعة تشمل الأسمدة والبذار ومختلف مستلزمات الإنتاج، ما يقلل من الجدوى الاقتصادية للعمل الزراعي. كما انتقد الجروزي الإجراءات والرسوم الجمركية المفروضة على بعض المواد، معتبرًا أنها زادت من الضغوط الواقعة على القطاع الزراعي وأسهمت في إضعاف حركة السوق. وختم حديثه بأن الزراعة لا يمكن أن تستمر دون توفير مستلزمات الإنتاج بأسعار مناسبة، مؤكدًا أن السماد هو أساس العملية الزراعية، وأي ارتفاع كبير في أسعاره أو صعوبة في تأمينه ينعكس مباشرة على الفلاح والإنتاج الزراعي بشكل عام.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد