سوريا والعراق يعيدان إحياء خط أنابيب النفط: آفاق اقتصادية جديدة وفرص استثمارية


هذا الخبر بعنوان "كيف تستفيد سوريا من إعادة تفعيل خط النفط مع العراق؟" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢١ تموز ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
أعاد الاتفاق بين سوريا والعراق لإحياء خط أنابيب النفط "الحديثة- بانياس" (كركوك- بانياس) فتح باب النقاش حول الدور المستقبلي لسوريا في قطاع الطاقة الإقليمي، وما إذا كان المشروع سيتحول من مجرد ممر لنقل النفط إلى بوابة لفرص استثمارية وشراكات اقتصادية جديدة، وما هي المكاسب المتوقعة للاقتصاد السوري من عودة هذا المسار الحيوي.
وفي 18 يوليو، أعلنت وزارة الطاقة السورية عن توقيع مذكرتي تفاهم لإعادة إحياء المشروع خلال اجتماعات عُقدت في الولايات المتحدة الأمريكية. وقعت الشركة السورية للبترول مذكرة التفاهم الأولى مع شركة نفط البصرة، بهدف إعادة تأهيل خط الأنابيب العراقي- السوري "الحديثة- بانياس". تهدف هذه المذكرة إلى استعادة ممر حيوي لنقل النفط العراقي إلى موانئ التصدير السورية على البحر الأبيض المتوسط، وتعزيز التعاون في قطاع الطاقة، وتطوير البنية التحتية المرتبطة بالمشروع، وفتح آفاق للتكامل الاقتصادي والاستثماري بين البلدين.
كما وقعت الشركة السورية للبترول مذكرة تفاهم ثانية مع ائتلاف دولي يضم شركات "Chevron" و"UCC Holding" و"TI Capital". تهدف هذه المذكرة إلى البدء في إعداد الدراسات الفنية والمالية اللازمة للمشروع، ووضع التصورات والأسس التنفيذية لإعادة تأهيل خط الأنابيب والمنشآت المرافقة له وفق المعايير الفنية المعتمدة، تمهيدًا للمراحل التنفيذية.
تعتبر وزارة الطاقة السورية المشروع من أبرز مشاريع البنية التحتية الاستراتيجية في المنطقة، حيث تستهدف أعمال إعادة التأهيل الوصول إلى طاقة تشغيلية تقدر بنحو مليوني برميل من النفط الخام يوميًا.
وأوضح الخبير الاقتصادي ملهم الجزماتي أن إعادة تشغيل الخط ستوفر للعراق أحد مسارات تصدير النفط نحو البحر المتوسط، مما يمنحه منفذًا إضافيًا بعيدًا عن الخليج ويعزز مرونة صادراته. أما الفائدة المباشرة لسوريا فتتمثل في عودة النشاط الاقتصادي المرتبط بالنقل والطاقة، سواء من خلال رسوم العبور أو تشغيل البنية التحتية وخلق فرص عمل في مجالات الصيانة والخدمات اللوجستية. ومع ذلك، أشار الجزماتي إلى أن تأثير المشروع على الاقتصاد السوري لن يكون فوريًا، وأن إعادة تشغيل الخط تمثل خطوة أولى نحو إعادة دمج سوريا تدريجيًا في شبكات الطاقة الإقليمية، وقد تفتح الباب لاحقًا أمام استثمارات أكبر في هذا القطاع.
سوريا كممر للطاقة
لا تقتصر أهمية المشروع على عودة تدفق النفط عبر الأراضي السورية، بل تتعداها إلى قدرة سوريا على تحويل هذا العبور إلى قيمة اقتصادية أوسع، من خلال تحقيق عوائد مالية مباشرة وغير مباشرة، والاستفادة من موقعها الجغرافي لتطوير دورها في قطاع الطاقة. أوضح الجزماتي أن دور سوريا في المرحلة الحالية سيكون أقرب إلى ممر للطاقة وليس مركزًا للطاقة، مشيرًا إلى أن مركز الطاقة يتطلب منظومة متكاملة تشمل التخزين والتكرير وإعادة التوزيع والخدمات اللوجستية، وهو ما يتجاوز مجرد عبور الموارد.
وأضاف أن إعادة تشغيل الخط يعيد لسوريا جزءًا من وظيفة العبور التي فقدتها، لكنه لا يجعلها تلقائيًا مركزًا إقليميًا للطاقة، إلا إذا تم تطوير المصافي ومنشآت التخزين والموانئ والخدمات اللوجستية.
العوائد الاقتصادية
بيّن الجزماتي أن القيمة الاقتصادية لا تقتصر على رسوم العبور، رغم كونها مصدرًا مباشرًا للإيرادات. تُحسب رسوم العبور عادة وفق اتفاقيات ثنائية تأخذ بعين الاعتبار كمية النفط المنقولة، وطول الخط داخل الأراضي السورية، وتكلفة التشغيل والصيانة والاستثمار. لكن هناك أيضًا عوائد غير مباشرة قد تكون أكثر أهمية على المدى الطويل، مثل تنشيط الموانئ، وزيادة الطلب على خدمات النقل والتخزين، وتشغيل الشركات المحلية، وخلق فرص عمل. بمعنى آخر، القيمة الاقتصادية الحقيقية لا تكمن فقط في الرسم الذي تتقاضاه الدولة عن كل برميل، بل في الأنشطة الاقتصادية التي يولدها وجود الخط نفسه.
تحديات نجاح المشروع
أشار الخبير الاقتصادي إلى أن نجاح المشروع يرتبط بتحديات عدة، أبرزها إعادة تأهيل البنية التحتية للخط بعد سنوات طويلة من التوقف، والتأكد من جاهزيته الفنية وفق المعايير الحديثة. كما يتطلب المشروع بيئة تنظيمية مستقرة وآليات واضحة للتشغيل والصيانة، وتطوير الموانئ والخدمات اللوجستية، وربطها بشبكات النقل الداخلي.
وأكد الجزماتي أن الاستقرار السياسي والأمني عامل أساسي لاستدامة المشروع، نظرًا لأن خطوط الأنابيب استثمارات طويلة الأجل، والشركات تقيّم المخاطر المحيطة بها.
المنافسة والبدائل
أوضح الجزماتي أن الخط لن ينافس بشكل مباشر شبكة التصدير الخليجية الضخمة، بل ستكون المنافسة الحقيقية مع المسارات البديلة لنقل النفط العراقي، مثل ميناء البصرة عبر الخليج وخط كركوك- جيهان التركي، والمشاريع المستقبلية التي تربط العراق بموانئ الخليج أو البحر الأحمر. وأضاف أن أهمية الخط تكمن في كونه يمنح العراق تنويعًا في منافذ التصدير ويقلل الاعتماد على مسار واحد، وهو أمر تزداد أهميته في ظل التوترات الجيوسياسية.
تعديل المسار: "الحديثة- بانياس" بدلًا من "كركوك- بانياس"
يعد اعتماد مسار "الحديثة- بانياس" بدلًا من المسار التاريخي "كركوك- بانياس" أحد التعديلات التي رافقت المشروع. أوضح الجزماتي أن ذلك لا يغير كثيرًا من الدور الاقتصادي لسوريا، لأن أهمية المشروع بالنسبة لها ترتبط بعبور النفط عبر أراضيها وصولًا إلى ميناء بانياس. أما بالنسبة للعراق، فقد يكون اختيار الحديثة أكثر ارتباطًا بزيادة مرونة الشبكة النفطية، وربط مناطق إنتاج مختلفة، وتقليل الاعتماد على مسار واحد، إضافة إلى تسهيل إدارة تدفقات النفط وحماية الخط.
يعود تاريخ خط نقل النفط بين العراق وسوريا إلى عام 1952، عندما بدأ تشغيل مسار نقل النفط الخام العراقي من حقول كركوك عبر الأراضي السورية وصولًا إلى ميناء بانياس. توقف الخط عن العمل عدة مرات لأسباب سياسية وأمنية، وخرج من الخدمة بعد تعرض أجزاء منه لأضرار بالغة خلال حرب العراق عام 2003.
تصدير النفط العراقي عبر سوريا
أعلن العراق عن خططه لاستمرار تصدير النفط الخام و"النفتا" عبر سوريا. ذكر مسؤول في وزارة الطاقة السورية لوكالة "رويترز" أن سوريا تعتزم افتتاح منطقتين إضافيتين لتفريغ النفط ومرافق أخرى في بانياس لاستيعاب الخام و"النفتا" العراقيين. وأشار مدير إدارة الإعلام في الشركة السورية للبترول، محمد الأحدب، إلى أن بانياس قادرة حاليًا على تفريغ 900 شاحنة يوميًا في المتوسط. وأكد مسؤولان عراقيان من قطاع النفط أن خطط تنويع طرق تصدير الخام والوقود، بما في ذلك التصدير عبر سوريا، ستستمر حتى بعد انتهاء الحرب على إيران وعودة حركة الشحن عبر المضيق إلى طبيعتها، وذلك في إطار استراتيجية أقرتها الحكومة لتقليل اعتماد العراق على ممر تصدير واحد.
سياسة
سياسة
اقتصاد
اقتصاد