صناعة الموبيليا في سقبا: عودة تدريجية وتحديات نحو النمو المستدام


هذا الخبر بعنوان "ريف دمشق:موبيليا سقبا تستعيد نشاطها وتبحث عن طريق النمو" نشر أولاً على موقع Syria 24 وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٤ تموز ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لطالما ارتبط اسم مدينة سقبا في الغوطة الشرقية، بريف دمشق، بصناعة الموبيليا، حيث شكل صوت المناشير ورائحة الخشب جزءاً لا يتجزأ من هويتها لعقود، لتصبح بذلك مركزاً حرفياً بارزاً. ورغم التراجع الكبير الذي شهدته هذه الصناعة خلال سنوات الثورة، وما صاحبها من تهجير لأهالي المنطقة، بدأت الورش تستعيد نشاطها تدريجياً بعودة عدد من الحرفيين وافتتاح العديد من الورش. ومع ذلك، لا يزال التعافي دون المستوى الذي كانت عليه الصناعة قبل عام 2011، مما يطرح تساؤلات حول سبل الانتقال من مرحلة التعافي الجزئي إلى النمو المستدام، وتعزيز القدرة التنافسية وخلق فرص عمل جديدة.
صناعة عريقة تجاوزت حدود المدينة
اكتسبت سقبا شهرتها في صناعة الموبيليا بفضل جودة منتجاتها ومهارة حرفييها العالية، مما استقطب زبائن من مختلف المحافظات ووصلت منتجاتها إلى أسواق خارجية. لم تقتصر أهمية هذه الصناعة على إنتاج الأثاث، بل كانت محركاً لعشرات المهن المرتبطة بها، ك النجارة والتنجيد والدهان وصناعة الزجاج والإكسسوارات، لتشكل ركيزة أساسية للاقتصاد المحلي.
وقال عماد الدين القوتلي، صاحب إحدى الورش وصالات العرض، لـ«سوريا 24»، إن المدينة كانت قبل الثورة تستقبل زبائن من مختلف المحافظات وشهدت حركة تجارية مزدهرة. وأضاف أن النشاط تحسن بعد التحرير وعودة الاستقرار، لكنه لا يزال أقل بكثير من مستواه السابق. وأكد أن جودة التصنيع والاهتمام بالتفاصيل والدقة في التنفيذ هي ما يميز موبيليا سقبا وحافظت على سمعة المنتج المحلي رغم التحديات.
تحديات تعيق التوسع
يؤكد أصحاب الورش أن ظروف الإنتاج الحالية تختلف عن ما قبل الثورة، بسبب ارتفاع أسعار الأخشاب والمواد الأولية، وزيادة تكاليف النقل والتصنيع، وتراجع القدرة الشرائية، مما حد من قدرة الورش على التوسع وزيادة الإنتاج.
وأوضح القوتلي لـ«سوريا 24» أن تأمين بعض المواد الأولية والنوعيات المستخدمة سابقاً لا يزال يمثل تحدياً، بالإضافة إلى تغير طبيعة الطلب، حيث يفضل الزبائن حالياً المنتجات الأقل تكلفة. كما يواجه القطاع نقصاً في الأيدي العاملة الماهرة، بعد خروج عدد كبير من الحرفيين من المهنة أو انتقالهم لأعمال أخرى، مما يهدد استمرارية الخبرات المتراكمة.
من جانبه، قال العامل في قطاع الموبيليا، ياسين الخطيب، لـ«سوريا 24» إن الإقبال على تعلم المهنة تراجع بشكل واضح، مقارنة بما كان عليه قبل الثورة، حيث كانت الورش تستقبل أعداداً كبيرة من الشباب. ويعزو ذلك إلى توجه الشباب للدراسة أو البحث عن أعمال توفر دخلاً أسرع، فضلاً عن أن المهنة تحتاج لسنوات من التدريب والخبرة. ورأى الخطيب أن الحفاظ على الصناعة يتطلب تشجيع الشباب على تعلمها وتغيير الصورة الذهنية عن مدينة سقبا.
متطلبات الانتقال إلى النمو
يرى أصحاب الورش أن مستقبل الصناعة يعتمد على بيئة اقتصادية داعمة، تشمل تخفيف الأعباء عن الورش، وتسهيل الحصول على المواد الأولية، وتوفير برامج تمويل لتحديث المعدات وزيادة الطاقة الإنتاجية.
وأكد القوتلي لـ«سوريا 24» أن التسويق عنصر أساسي للنهوض بالقطاع، مقترحاً تنظيم مهرجان سنوي للموبيليا في سقبا، مصحوباً بحملة إعلامية وجولات للصحفيين والزوار، بهدف إعادة التعريف بالصناعة وتشجيع الزبائن على زيارة المدينة. وأضاف أن فتح أسواق جديدة والترويج الإعلامي للمنتج المحلي سيزيد الطلب ويعزز القدرة التنافسية.
دور البلديات والجهات المحلية
ترى الجهات المحلية أن تطوير الصناعة يتطلب شراكة بين البلديات والجهات المعنية والمؤسسات التعليمية. وقال رئيس بلدية سقبا، زياد طاطين، لـ«سوريا 24» إن الصناعة استعادت جزءاً من نشاطها لكنها تتقدم بخطوات بطيئة. وأوضح أن التحدي يتمثل في استعادة الخبرات الحرفية التي تراجعت خلال سنوات الثورة، نتيجة توقف العمل وتهجير السكان. وأشار إلى أن انقطاع المهنة لنحو خمسة عشر عاماً أدى إلى فقدان حلقة انتقال الخبرة بين الأجيال، مما انعكس على مستوى الإبداع، خاصة في الأعمال الفنية الدقيقة والحفر اليدوي.
وأضاف أن البلدية تعمل على تحسين البيئة الحرفية عبر تطوير الطرق والإنارة والنظافة وتنظيم المناطق الصناعية. وكشف طاطين لـ«سوريا 24» عن اتفاق لتحويل الثانوية الصناعية في مدينة الافتريس المجاورة إلى معهد تقني متخصص في صناعة الموبيليا، بهدف إعداد كوادر جديدة ونقل الخبرات الحرفية للأجيال الشابة. ورأى أن إنشاء تجمعات صناعية مخصصة للورش، بعيداً عن المناطق السكنية، سيوفر مساحة للتوسع واستقطاب استثمارات جديدة وخلق فرص عمل إضافية.
آفاق المستقبل
نجحت صناعة الموبيليا في سقبا في استعادة جزء مهم من نشاطها، إلا أن تحويل هذا التعافي إلى نمو مستدام يتطلب حزمة متكاملة من الإجراءات، تشمل دعم الحرفيين، وتأهيل الكوادر الشابة، وتحديث الإنتاج، وفتح أسواق جديدة، وتعزيز التسويق. وتبقى قدرة الصناعة على استعادة مكانتها التاريخية مرتبطة بمدى توفر بيئة داعمة للحرفيين، وإعادة بناء سلسلة الخبرات بين الأجيال، لجعل موبيليا سقبا مجدداً أحد أبرز محركات الاقتصاد المحلي ومصدراً لفرص العمل في ريف دمشق.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد