“أخت القبيلة”: موروث عربي أصيل يبرز مكانة المرأة ودورها المحوري


هذا الخبر بعنوان "“أخت القبيلة”.. موروث يبرز مكانة المرأة في الرقة" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٦ تموز ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يحافظ أهالي محافظة الرقة على عادات وتقاليد وثقافات متجذرة تعكس أصالة المجتمع العربي وإرثه العريق. ومن أبرز هذه الثقافات، ثقافة “الانتخاء بالمرأة” التي تتمسك بها معظم العشائر العربية كموروث جامع وأساس لبناء المجتمع القبلي، حيث تُعرف كل عشيرة أو فخذ بنساء إحدى نسائها. تعكس هذه الثقافة اعتزاز القبيلة بالمرأة ودورها البارز، فهي مصدر قوة وشجاعة وفخر، ورمز للشرف والكرامة، لذا ينادى أبناء العشيرة بـ”إخوة فلانة” دلالة على مكانتها الرفيعة.
اشتهرت منطقة حوض الفرات بأسماء نساء خلّدتهن هذه التسمية، مثل هدلة، شقرا، عجيبة، غرة، ندوة، دنيا، عدله، سمسة، وغيرهن ممن ينتخي بهن أبناء القبائل والعشائر. هؤلاء النساء اشتهرن بمواقفهن النبيلة في الكرم والشجاعة، بل وشارك بعضهن في القتال إلى جانب قبائلهن.
يقول الإعلامي والمهتم بالشأن الثقافي من محافظة الرقة، مؤيد العجيلي، إن “الانتخاء بالمرأة” ثقافة أصيلة وقيمة متأصلة في التاريخ العربي، يعود تاريخها إلى ما قبل الإسلام، وهي ليست مجرد كلمة بل حالة وجدانية واجتماعية تعبر عن الاعتزاز والنجدة والحمية. في المجتمع البدوي، تتجلى النخوة في أشكال عملية واضحة، أبرزها “العطفة”، التي تستخدم في المعارك الحاسمة المصيرية، حيث توضع امرأة من بيت الشيخ أو ذات مكانة في هودج خلف الجيش لحمايتها، مما يشكل دافعًا نفسيًا ومعنويًا للمقاتلين، ففقدانها أو أسرها يعد عارًا كبيرًا.
إلى جانب ذلك، يحافظ أهالي الرقة على عادات أخرى مثل “الصبحة”، وهي وليمة غداء أو فطور كبيرة يوم زفاف ابن القبيلة، تبرز فيها الأزياء العربية الأصيلة مثل الجلابية والعقال والشماغ، بالإضافة إلى قيم الشهامة والكرم والفزعة.
وأكد العجيلي أن النخوة غالبًا ما ترتبط بصلة الدم، كأن ينتخي الرجل بأخته أو أمه أو عمته، ولا ينتخي بزوجته، كما أن المرأة تنتخي بأقاربها الأقربين بقولها “أنا أخت فلان”.
يعزز “الانتخاء بالمرأة” مكانتها ويرفع قيمتها، فهو اختيار لنموذج الكمال الأخلاقي والاجتماعي، مما يدفع المجتمع للتساؤل عن الصفات التي جعلت هذه المرأة مصدر فخر. وشدد العجيلي على أهمية أن تكون النخوة صادقة ومبنية على الأفعال لا الأقوال، فلا معنى لقول “أنا أخو فلانة” دون مواقف رجولة ووفاء.
وعن تغير مفهوم النخوة اليوم، يرى العجيلي أن السياق تغير، ففي الماضي كانت العشيرة تحمي أفرادها، أما الآن فالدولة تقوم بهذا الدور. لذا، يجب أن تبقى النخوة قيمة رمزية وثقافية، لا ممارسات تؤدي إلى العصبية أو النزاعات. ودعا إلى المحافظة على هذه القيمة كتراث أصيل، مع تطويرها بما يتناسب مع الواقع المعاصر، مستشهدًا بقول المتنبي: “على قدر أهل العزم تأتي العزائم”.
من جهة أخرى، يرى الناشط المهتم بالتاريخ القبلي، أحمد الواجد، أن السردية الشائعة التي تختزل التاريخ العربي في الحروب فقط، تخفي بنية اجتماعية عميقة كانت القبيلة مركزها والمرأة أحد أهم رموزها. تاريخ العرب ليس مجرد سجل معارك، بل هو انعكاس لبنية اجتماعية متماسكة قوامها القبيلة، التي شكلت فضاء للتنافس والفخر، وبرزت المرأة فيها “كرمز مقدس تُبذل دونه الأرواح”. هذه المكانة استمرت من الجاهلية حتى بدايات العصر الحديث، ولم تكن تعبيرًا عن ضعف، بل عن وعي اجتماعي استثمر فكرة “الحُرمة” كدافع قتالي.
وحول تطور صورة المرأة في الوعي العربي، يوضح الواجد أن هناك مرحلتين: الأولى في الجاهلية وصدر الإسلام، حيث كان الاعتزاز يتجه نحو الأم، كما فعلت قبائل “الأوس” و”الخزرج” حين انتسبت إلى “قيلة”، واشتهر ملوك المناذرة بأسماء أمهاتهم. حتى النبي محمد قال في يوم حنين: “أنا ابن العواتك”. أما المرحلة الثانية، في العصر الحديث، فقد تغيرت الرمزية وانتقل مركز الاعتزاز من الأم إلى الأخت، مع ظهور فكرة “النخوة” التي يرجح أنها جاءت من عبارة “أنا أخو فلانة”، حيث أصبحت الأخت تمثل العرض والذِمار الذي يستنهض للدفاع عنه.
ويؤكد الواجد أن اختيار اسم المرأة التي تنتخي بها القبيلة لم يكن عشوائيًا، بل قائمًا على استحقاق، وغالبًا ما تكون صاحبة موقف مؤثر أو تنتمي لبيت له مكانة. وأخيرًا، يختتم الواجد بالقول إن استحضار المرأة في ساحات القتال لم يكن دلالة على عاطفية زائدة، بل تعبيرًا عن ذكاء اجتماعي عربي أدرك أن الدفاع عن الرمز هو دفاع عن الوجود نفسه، فجعلوا من المرأة هذا الرمز الذي لا يمكن التفريط به.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة