داعش يستغل الحدود السورية-العراقية والفراغ الأمني لإعادة التموضع والتهريب


هذا الخبر بعنوان "الحدود السورية – العراقية في مواجهة خلايا داعش وشبكات التهريب" نشر أولاً على موقع Syria 24 وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٨ تموز ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
عاد تنظيم داعش إلى واجهة الاهتمام الأمني في سوريا عقب سقوط نظام بشار الأسد في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، وسط مخاوف متزايدة من استغلال المرحلة الانتقالية لتنشيط خلاياه في شرق البلاد. يستفيد التنظيم من اتساع المناطق الصحراوية، واستمرار شبكات التهريب، والتحولات في انتشار القوى العسكرية على امتداد الحدود مع العراق.
على الرغم من خسارة التنظيم لآخر معاقله في سوريا والعراق عام 2019، إلا أن وجوده لم ينتهِ. فقد حافظ على خلايا صغيرة تنشط في البادية السورية وشرق الفرات، معتمدة على الكمائن والعبوات الناسفة والهجمات المحدودة ضد القوات الأمنية، بدلاً من محاولة السيطرة على مناطق واسعة.
يؤكد الدكتور سمير العبد الله، الباحث الأول في المركز العربي لدراسات سورية المعاصرة، أن داعش لا يعتبر الحدود السورية العراقية خطاً فاصلاً بين دولتين، بل ساحة عمليات واحدة. هذا يجعل أي جهد أمني أحادي الجانب غير كافٍ، ويضاعف من أهمية التنسيق المستمر بين دمشق وبغداد.
تتركز جهود الحكومتين حالياً على منع التنظيم من إعادة بناء شبكة اتصالات بين خلاياه المنتشرة على جانبي الحدود، والتي شكلت المسار الرئيسي لحركة عناصره وأسلحته ومصادر تمويله بين سوريا والعراق خلال السنوات الماضية.
في إطار تعزيز العلاقات الثنائية، زار وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين دمشق في 29 حزيران/يونيو 2026. تناولت المباحثات ملفات التعاون السياسي والأمني والاقتصادي، بالإضافة إلى التحديات المشتركة، وفي مقدمتها مكافحة الإرهاب وتعزيز أمن الحدود. تأتي الزيارة في وقت يواجه فيه البلدان تحدياً مشتركاً يتمثل في منع داعش من استغلال أي حالة من عدم الاستقرار أو تراجع مستوى التنسيق الأمني.
منذ سنوات، يعتمد التنظيم على سهولة الحركة عبر المناطق الحدودية، وعلى المسارات الصحراوية والطرق غير الرسمية التي تتيح نقل الأفراد والمعدات بعيداً عن الرقابة. يرى العبد الله أن تعزيز الانتشار العسكري على الحدود يجب أن يترافق مع تنسيق استخباراتي دائم، وتبادل فوري للمعلومات، وإنشاء قاعدة بيانات مشتركة للمطلوبين، وتطوير نظام إنذار مبكر، بالإضافة إلى توظيف وسائل المراقبة الحديثة مثل الطائرات المسيّرة والكاميرات الحرارية وأجهزة الاستشعار.
تمتد الحدود السورية العراقية لنحو 600 كيلومتر، وتشكل إحدى أهم المناطق في استراتيجية داعش الحالية. فقد التنظيم قدرته على إدارة الأراضي، لكنه لا يزال يعتمد على المساحات الصحراوية المفتوحة التي توفر له بيئة مناسبة للتخفي وإعادة التموضع والتنقل. تستخدم خلايا التنظيم المناطق الممتدة من ريف حمص الشرقي وصولاً إلى دير الزور والحدود العراقية بوصفها مناطق للاختباء والتحرك، مستفيدة من صعوبة فرض سيطرة أمنية دائمة على هذه المساحات الواسعة.
يشير العبد الله إلى أن نجاح ضبط الحدود لا يُقاس بعدد القوات المنتشرة، بل بقدرة الحكومتين على تعطيل شبكات التمويل والتهريب والإسناد المحلي التي يعتمد عليها التنظيم. لم يعد داعش بحاجة إلى أرتال من المقاتلين أو كميات كبيرة من الأسلحة، إذ تكفيه مجموعات صغيرة وموارد مالية محدودة لتنفيذ عمليات بالعبوات الناسفة أو الكمائن أو الاغتيالات، مما يجعل العمل الاستخباراتي أكثر أهمية من الانتشار العسكري التقليدي.
كما تمثل البادية ممراً لشبكات تهريب متعددة، مما يزيد من تعقيد المشهد الأمني، إذ توفر الطرق غير الرسمية بيئة يمكن أن تستفيد منها خلايا التنظيم إذا تمكنت من الوصول إلى تلك الشبكات.
أدت سنوات الحرب إلى نشوء اقتصاد تهريب واسع في شرق سوريا وعلى الحدود العراقية، شاركت فيه مجموعات مسلحة وشبكات محلية وتجار يعملون خارج إطار الدولة. تثير هذه الشبكات قلقاً أمنياً لقدرتها على توفير خدمات النقل والإخفاء لأي جهة قادرة على الدفع، بما في ذلك التنظيمات المسلحة.
لا توجد معلومات موثقة تثبت وجود تعاون مباشر بين داعش والميليشيات المدعومة من إيران، إلا أن استمرار طرق التهريب التي استخدمتها تلك الجماعات قد يتيح للتنظيم فرصاً للحصول على السلاح أو نقل عناصره عبر وسطاء مستقلين. كما أن طبيعة السوق السوداء تجعل ضبط مصادر السلاح أكثر صعوبة، خاصة مع انتشار كميات كبيرة من الأسلحة نتيجة سنوات الحرب.
يمثل انتشار الأسلحة الخفيفة خارج مؤسسات الدولة أحد أبرز التحديات الأمنية في سوريا بعد سقوط النظام. تتداول بعض التقارير معلومات عن قيام جهات مرتبطة بمحور إيران، من بينها عناصر من حزب الله اللبناني، ببيع أسلحة خفيفة أو تصريفها داخل سوريا، نتيجة صعوبة نقلها وارتفاع تكاليف تهريبها، إلا أن هذه المعلومات لم تؤكدها مصادر مستقلة.
في حال استمرار توسع تجارة السلاح غير الشرعية، فقد يمنح ذلك داعش فرصة للحصول على أسلحة عبر السوق السوداء، كما حدث في مراحل سابقة عندما اعتمد التنظيم على مصادر متعددة لتسليح خلاياه.
شهدت مناطق شرق سوريا خلال السنوات الماضية انتشاراً واسعاً لميليشيات مرتبطة بإيران، لا سيما في المناطق القريبة من الحدود العراقية. مع تغير المشهد السوري بعد سقوط النظام، أصبحت إعادة انتشار هذه القوى عاملاً مؤثراً في الوضع الأمني شرقي البلاد، إذ إن أي فراغ مؤقت أو صراع على النفوذ قد يمنح داعش مساحة لإعادة التموضع وتنشيط خلاياه.
لا تشير المعطيات المتوفرة إلى وجود تعاون بين داعش وهذه المجموعات، بل خاض الطرفان مواجهات مباشرة خلال السنوات الماضية. إلا أن التنظيم يستفيد تاريخياً من الفوضى وتعدد القوى المسلحة وضعف السيطرة المركزية.
منذ سقوط الأسد، ركز داعش عملياته على شرق سوريا والبادية، مستهدفاً القوات الحكومية عبر هجمات محدودة تعتمد على الكمائن والعبوات الناسفة. خلال عام 2025، نفذ التنظيم سلسلة عمليات في دير الزور والبادية استهدفت دوريات ونقاطاً أمنية، في محاولة لإظهار استمرار قدرته على العمل رغم خسارته الأراضي.
في أيار/مايو 2025، أعلن التنظيم مسؤوليته عن هجوم استهدف آلية عسكرية في منطقة الصفا، وهي من أولى العمليات التي تبناها ضد القوات الحكومية السورية الجديدة. وفي 22 حزيران/يونيو 2025، استهدف هجومٌ كنيسة مار إلياس في حي الدويلعة بدمشق، وأعلنت الحكومة السورية مسؤولية تنظيم داعش عنه، قبل أن يتبنى التنظيم العملية لاحقاً. شكل هذا الهجوم تحولاً لافتاً في نمط نشاط التنظيم، بعدما أعاد استهداف العاصمة عقب فترة ركز خلالها على المناطق الصحراوية والشرقية.
يصف العبد الله النشاط الحالي للتنظيم بأنه يجمع بين إعادة البناء التنظيمي واستمرار حرب الاستنزاف. فقد أعاد داعش، خلال الأشهر الأولى من عام 2025، ترتيب شبكاته اللوجستية ومسارات الحركة، ثم وظفها في مواصلة هجمات منخفضة الكلفة تعتمد على الخلايا الصغيرة، دون أن تظهر حتى الآن مؤشرات على امتلاكه القدرة العسكرية التي تمكّنه من السيطرة على مدن أو الاحتفاظ بأراضٍ.
لا يمتلك داعش اليوم القدرة التي مكّنته من السيطرة على مساحات واسعة في سوريا والعراق قبل أكثر من عقد، لكنه لا يزال قادراً على مواصلة نشاطه بوصفه تنظيم تمرد يعتمد على الاستنزاف. يؤكد العبد الله أن التنظيم ما يزال يشكل تهديداً أمنياً مرتفعاً في البادية السورية وشرق البلاد والمناطق الطرفية، لكنه لا يمثل، في المدى المنظور، تهديداً وجودياً للدولة السورية، ولا يمتلك المقومات اللازمة لإحياء نموذج «الخلافة».
يرى أن السيناريو الأكثر ترجيحاً يتمثل في استمرار تمرد منخفض الحدة يعتمد على الكمائن والاغتيالات والعبوات الناسفة والعمليات الرمزية، بهدف استنزاف الأجهزة الأمنية وإضعاف ثقة السكان بقدرة الدولة على فرض الاستقرار. يحذر من أن هذا التقدير قد يتغير إذا تعثرت عملية دمج القوات والأجهزة الأمنية، أو تصاعدت التوترات المحلية، أو شهدت السجون عمليات هروب واسعة، أو تراجع مستوى التعاون الاستخباراتي بين سوريا والعراق والشركاء الدوليين، ما قد يمنح التنظيم فرصة لتنفيذ عمليات أكثر تعقيداً واتساعاً.
يضيف أن احتواء داعش يتطلب توحيد منظومة القيادة الأمنية، وتعزيز السيطرة على الحدود والبادية، ومعالجة ملف السجون والمخيمات، وتجفيف مصادر التمويل غير المشروع، إلى جانب تحسين الخدمات والتنمية في المناطق الطرفية.
في المحصلة، لم تعد المعركة مع داعش بعد سقوط الأسد معركة استعادة مدن كما كانت عام 2014، بل أصبحت معركة منع التنظيم من استغلال الفراغات الأمنية لإعادة بناء شبكاته، وتحويل البادية والحدود السورية العراقية إلى قواعد انطلاق لتمرد طويل الأمد يستنزف الدولة ويعرقل جهودها في ترسيخ الاستقرار.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة