هذا الخبر بعنوان "باحثٌ عن تاريخِ ما بقي حيًّا (3) (((((( فقهُ القرار ))))))" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٨ تموز ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
بقلم: متعلِّم مع قارئه المهندس محمود محمد صقر
كيف يمكن للحضارات أن تنهض من جديد؟ وما هي الشرارة التي تبدأ بها نهضة أمة؟ هل هي اكتشاف ثروة؟ أم بناء مدينة؟ أم فكرة تتحول إلى قرار؟ غالبًا ما ننظر إلى الحضارة بعد اكتمالها، معتقدين أن العمران هو البداية، بينما هو في الواقع آخر ما يُبنى. أما البداية الحقيقية، فهي القرار. ولكن ليس كل قرارٍ يصنع حضارة، بل القرار الذي ينبع من منهج سليم ويُقيَّم بناءً على نتائجه ومآلاته.
الحضارات لا تنهض بامتلاكها أفضل الخيارات المتاحة، بل بقدرتها على اختيار الأفضل الممكن في كل مرحلة، ثم التعلم من قراراتها لتصبح قرارات الغد أفضل من قرارات الأمس. يُحكى أن قطيعًا من الظباء بلغ نهرًا، فوجد النار خلفه والتماسيح في الماء. فتوقف القطيع مترددًا في عبور نهرٍ يبدو بلا خطر. فقال شيخ القطيع: «ليس السؤال هو كيف نعبر بلا خسارة، بل أيُّ الخسارتين تُبقي لنا غدًا نعيش فيه؟» فعبر القطيع، ولم ينجُ الجميع، لكن الحياة نجت. وهكذا تُختبر الأمم.
الاستراتيجية ليست فن البحث عن الخيار المثالي، بل فن اختيار الممكن الذي يحفظ المستقبل، حتى لو لم يُرضِ الحاضر. والحكمة ليست في البحث عن قرارٍ بلا ثمن، فهذا وهم. بل الحكمة تكمن في دفع الثمن الذي يحفظ للأمة أكبر مصالحها ويجنبها أعظم خسائرها. فالقرار لا يُقاس بما يحققه من مكاسب عاجلة، بل بما يمنعه من خسائر بعيدة وما يفتحه من فرص للأجيال القادمة.
لهذا السبب، لا تظهر القيادة حين يكون الحق واضحًا والباطل واضحًا، بل حين تكون الخيارات كلها مُرّة، ويصبح السؤال: أيُّ المرارتين أقل؟ من السهل على الإنسان أن يختار بين الأبيض والأسود. أما رجل الدولة، فيُطلب منه كثيرًا أن يختار بين درجتين من الرمادي، وأن يتحمل مسؤولية ذلك أمام التاريخ. وهنا يظهر ما يمكن تسميته بـ «فقه القرار».
ليس كل قرارٍ صحيحٍ صالحًا لكل زمان، ولا كل قرارٍ ناجحٍ يصلح لكل أمة. إنما الفقه هو أن تفهم الواقع، وتعرف القيود، وتُقدِّر المآلات، ثم تختار ما يحقق أعظم المصلحة بأقل مفسدة. فالقرار يُصنع بالمنهج، أما الاستراتيجية فتُوزن بالمآلات. ولذلك، لا تنهض الأمم بكثرة الأمنيات أو الشعارات، بل بثقافةٍ تتعلم كيف تفكر، وكيف تزن، وكيف تقرر، ثم تمتلك شجاعة مراجعة نفسها كلما اكتشفت أن قرارًا جديدًا أصلح من قرارٍ سابق. فالحضارة ليست سلسلةً من القرارات المعصومة، بل سلسلةٌ من القرارات التي تتعلم من أخطائها، حتى يصبح كل جيلٍ أقدر على حمل الأمانة من الجيل الذي سبقه. ولهذا فإن نهضة الأمم لا تبدأ يوم تُبنى المدن، بل يوم تتعلم العقول كيف تختار. (موقع:اخبار سوريا الوطن)
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة