مجلس الشعب السوري: بين التشريعات المؤجلة والملفات الشائكة.. ما هي الأولويات؟


هذا الخبر بعنوان "تشريعات مؤجلة وملفات شائكة.. ما أولويات مجلس الشعب؟" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٩ تموز ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لم يكن انعقاد الجلسة الأولى لمجلس الشعب السوري في 12 تموز الحالي مجرد استحقاق دستوري لبدء دورة برلمانية جديدة، بل شكّل بداية مرحلة ينتظر منها السوريون أن تعكس تحولًا في الأداء التشريعي، بعد عقود من حكم نظام الأسد تركت إرثًا ثقيلًا من القوانين التي أثرت سلبًا على المواطن. منذ انتهاء الجلسة الأولى، اتجهت الأنظار نحو ما هو أبعد من انتخاب هيئة الرئاسة أو اعتماد النظام الداخلي، لتتركز على السؤال الأكثر حضورًا في الشارع السوري: ما هي أول القوانين التي سيقرها المجلس؟ وهل ستتجه البوصلة نحو الملفات الاقتصادية والمعيشية التي تمس حياة المواطنين مباشرة، أم ستكون الأولوية لملفات العدالة الانتقالية والسلم الأهلي، أم أن المرحلة تفرض السير في جميع الاتجاهات بالتوازي؟
إذا كان انعقاد أولى جلسات مجلس الشعب قد فتح الباب أمام تساؤلات واسعة حول أول التشريعات التي ستخرج من تحت القبة، فإن تصورات أعضاء مجلس الشعب تكشف أن المرحلة الحالية لا تسمح بالحديث عن أولوية واحدة، بقدر ما تفرض التعامل مع حزمة واسعة من القوانين التي تراكمت الحاجة إليها خلال السنوات الماضية. الأوضاع الاقتصادية، وملفات العدالة الانتقالية، وإعادة تنظيم الاستثمار، والإصلاح الإداري، والتعليم، والصحة، والحماية الاجتماعية، جميعها تفرض نفسها على جدول أعمال البرلمان، في وقت يرى فيه الأعضاء أن كل شريحة من المجتمع تنظر إلى قضيتها باعتبارها الأكثر إلحاحًا.
عضو مجلس الشعب السوري عدنان الخطيب، يرى في حديث إلى عنب بلدي، أن توصيف الأولويات في هذه المرحلة ليس أمرًا سهلًا، لأن سوريا تعيش مرحلة ترتفع فيها تطلعات المواطنين بصورة غير مسبوقة، موضحًا أن “كل شيء أصبح أولوية”، في ظل حاجة السوريين إلى تحسين أوضاعهم على مختلف المستويات. وأكد أن المعيار الذي يجب أن يحكم عمل البرلمان لا يتمثل في ترتيب القوانين من الأول إلى العاشر، وإنما في مدى انعكاسها على حياة المواطنين، مشيرًا إلى أن أي تشريع يسهم في تحسين الوضع الاقتصادي أو المعيشي، أو يخفف الأعباء عن السوريين، سيكون بالنسبة للمجلس قانونًا يستحق أن يحظى بالأولوية.
ولا يربط الخطيب هذا التوجه فقط بحجم المطالب الشعبية، وإنما أيضًا بالتجربة العملية التي عاشتها مؤسسات الدولة خلال المرحلة الانتقالية، معتبرًا أن السنة والنصف الماضية كشفت بصورة واضحة نقاط القوة في عدد من التشريعات القائمة، كما بينت في المقابل مواطن الخلل والثغرات التي عاقت عمل المؤسسات، وهو ما دفع الوزارات إلى إعداد مشاريع قوانين جديدة تستهدف معالجة تلك الاختلالات، بدل الاكتفاء بإجراء تعديلات محدودة على النصوص القديمة. وأشار إلى أن هذه التجربة أفرزت رؤية أكثر وضوحًا لدى الجهات الحكومية حول ما يجب الإبقاء عليه وما يحتاج إلى التعديل، الأمر الذي انعكس على حجم مشاريع القوانين التي أصبحت جاهزة للإحالة إلى مجلس الشعب.
ومن زاوية أخرى، يعتبر عضو مجلس الشعب مصطفى صقر، أن ترتيب الأولويات يختلف من عضو إلى آخر، إلا أن هناك مجموعة من الملفات تحظى بإجماع واسع داخل المجلس، وفي مقدمتها العدالة الانتقالية، وتعزيز التماسك المجتمعي، وتحقيق الاستقرار، باعتبارها تشكل الأرضية التي تسمح بالانتقال إلى بقية ملفات الإصلاح. وأكد صقر، في حديث إلى عنب بلدي، أن استعادة الاستقرار المجتمعي تمثل مدخلًا أساسيًا لأي عملية تشريعية لاحقة، لأن بناء القوانين في بيئة مستقرة يختلف عن صياغتها في ظل استمرار آثار الانقسام أو التوترات الاجتماعية.
ورغم أهمية هذا الملف، أكد صقر أن اهتمامه الشخصي ينصب أيضًا على التشريعات الاقتصادية والاجتماعية، انطلاقًا من قناعته بأن الاقتصاد يشكل المحرك الرئيس لأي عملية تعافٍ، ولذلك فإن تحديث قوانين الاستثمار، وإعادة النظر في القوانين الضريبية، وإزالة العقبات التشريعية التي تعوق النشاط الاقتصادي، ستكون من بين الملفات التي ينبغي أن تحظى باهتمام المجلس. ولا يفصل صقر بين الاقتصاد والجانب الاجتماعي، بل يرى أن التشريعات المتعلقة بالمرأة والطفل تمثل بدورها جزءًا من عملية تحقيق الاستقرار، لأن أثرها ينعكس بصورة مباشرة وسريعة على المجتمع، ويؤسس لبيئة اجتماعية أكثر توازنًا.
أما عضو مجلس الشعب باسل هيلم، فيذهب إلى أن كثرة الأولويات تعكس حجم التحديات التي تواجه الدولة، موضحًا أن كل فئة من السوريين ترى أن قضيتها هي الأكثر إلحاحًا، فالمتضررون من ممارسات النظام السابق، بحسب هيلم، يطالبون بالإسراع في إقرار قوانين العدالة الانتقالية ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، فيما ترى شرائح أخرى أن تحقيق السلم الأهلي يجب أن يكون في مقدمة الاهتمامات، مؤكدًا أن الوصول إلى هذا السلم لا يمكن أن يتم من دون المرور بمسار العدالة الانتقالية.
ولا يقف الأمر عند هذا الحد، إذ لفت هيلم إلى أن قطاع التربية والتعليم يحتاج إلى مراجعة تشريعية واسعة، بما يضمن إنتاج قوانين أكثر قدرة على معالجة التحديات التي يواجهها هذا القطاع، كما أن القطاع الصحي، شأنه شأن بقية القطاعات، يحتاج إلى إعادة نظر في الإطار القانوني الذي يحكم عمله، بهدف رفع المظالم عن المواطنين وضمان وصول العدالة والخدمات بصورة أفضل. وقال عضو المجلس في حديث إلى عنب بلدي، إن ملف الاستثمار يمثل بدوره أحد أكثر الملفات إلحاحًا، لأن المستثمرين داخل سوريا، والسوريين المقيمين في الخارج، ينتظرون بيئة قانونية أكثر وضوحًا واستقرارًا تشجع على ضخ الاستثمارات، وهو ما يجعل تحديث القوانين الاستثمارية جزءًا أساسيًا من برنامج العمل التشريعي.
وفي سياق حديثه عن العدالة الانتقالية، يتوقف هيلم عند قانون العزل السياسي، بوصفه أحد الملفات المرتبطة بها، مؤكدًا أن النقاش الحقيقي لا يكمن في مبدأ العزل نفسه، وإنما في تفاصيل تطبيقه، إذ يرى أن المسؤوليات ليست متساوية، وأن من ساهم بصورة مباشرة في دعم ممارسات النظام السابق لا يمكن التعامل معه بالطريقة نفسها التي يُعامل بها شخص كانت مشاركته محدودة أو فرضتها طبيعة عمله أو ظروفه الوظيفية. وأكد أن الغاية من هذا القانون ليست الانتقام، وإنما المساهمة في تهدئة المجتمع، ومنح المتضررين شعورًا بأن جزءًا من حقوقهم قد استعيد، بما يحد من احتمالات الاحتقان ويعزز فرص السلم الأهلي خلال المرحلة الانتقالية.
ورغم تنوع هذه الطروحات، يلتقي النواب الثلاثة عند قناعة مشتركة مفادها أن مجلس الشعب لن يكون أمام رفاهية اختيار ملف واحد وتأجيل بقية الملفات، بل سيكون مطالبًا بفتح أكثر من ورشة تشريعية في الوقت نفسه عبر اللجان التخصصية، في محاولة للاستجابة لحجم التحديات التي تنتظر المؤسسة التشريعية.
اعتبر الباحث في القانون الدولي المعتصم الكيلاني أن العدالة الانتقالية تمثل إحدى الركائز الأساسية للمرحلة الانتقالية، لما لها من دور محوري في بناء السلم الأهلي وتعزيز الاستقرار المجتمعي. ويرى أن هذا المسار لا يقتصر على قوانين العدالة الانتقالية، بل يرتبط أيضًا بتجريم الطائفية والحد من خطاب الكراهية، باعتبارهما عنصرين أساسيين في حماية السلم الأهلي ومنع إعادة إنتاج الانقسامات داخل المجتمع.
وفي الجانب الاقتصادي، أكد أن سوريا بحاجة إلى بنية تشريعية حديثة توفر الحماية للمستثمرين، وتشجع الاستثمار، وفي الوقت نفسه تحمي المواطنين من أي ممارسات استثمارية مجحفة أو استغلالية، مشددًا على أن تعدد الأولويات لا يلغي وجود معيار جامع لها، وهو أن تصب جميع التشريعات في مصلحة المواطن أولًا. وأضاف أن هذا المبدأ هو ما يميز، برأيه، بين مجلس شعب تكون وظيفته خدمة السلطة، وآخر تكون غايته الأساسية خدمة المواطنين والدفاع عن مصالحهم.
لا تبدو التحديات التي تواجه مجلس الشعب مرتبطة فقط بتحديد الأولويات، بل تمتد أيضًا إلى قدرته على تحويل هذا العدد الكبير من مشاريع القوانين إلى تشريعات نافذة خلال فترة زمنية معقولة. حجم الملفات المتراكمة، وتعدد القطاعات التي تحتاج إلى إصلاح قانوني، يطرحان تساؤلات حول الآلية التي سيتبعها المجلس، وما إذا كان قادرًا على مواكبة تطلعات الشارع الذي ينتظر نتائج ملموسة في وقت قصير.
يجمع أعضاء المجلس على أن التعامل مع هذه المرحلة لن يكون بالطريقة التقليدية التي تعتمد على إنجاز ملف ثم الانتقال إلى آخر، وإنما عبر العمل المتوازي بين اللجان المتخصصة، مستفيدين من التحضيرات التي سبقت انعقاد المجلس، ومن مشاريع القوانين التي أعدتها الوزارات والجهات المختصة خلال الأشهر الماضية.
وفي هذا السياق، قال عضو مجلس الشعب عدنان الخطيب، إن الحديث عن ترتيب الأولويات من الأول إلى العاشر لا يعكس طبيعة عمل البرلمان، لأن المجلس لا يعمل من خلال لجنة واحدة، وإنما عبر منظومة متكاملة من اللجان المتخصصة، بحيث يتولى كل فريق دراسة الملفات الواقعة ضمن اختصاصه في الوقت نفسه.
أشار الخطيب إلى أن المجلس يتجه إلى تشكيل ما بين 20 و23 لجنة متخصصة، وذلك بحسب ما يقر في النظام الداخلي، وهو ما يعني أن الملفات الصحية، والاقتصادية، والقضائية، وتشريعات العدالة الانتقالية، والتعليم، والاستثمار، وغيرها من القوانين، ستسير جميعها في مسارات متوازية. ويرى الخطيب أن هذا الأسلوب من شأنه اختصار الزمن، لأن كل لجنة ستعمل بصورة مستقلة على دراسة مشاريع القوانين، وإجراء المناقشات اللازمة، والاستماع إلى الجهات المعنية، قبل رفعها إلى الجلسة العامة، وهو ما يسمح بإنجاز أكثر من مشروع قانون في الفترة نفسها.
ولا يخفي الخطيب أن الشارع السوري يضع ضغوطًا كبيرة على المجلس نتيجة حجم التطلعات، إلا أنه يعتبر أن الأولويات التي يتحدث عنها المواطنون ستكون هي نفسها أولويات البرلمان، مؤكدًا أن المجلس يدرك حجم المسؤولية الملقاة على عاتقه في هذه المرحلة. وحول الإطار الزمني المتوقع لبدء العمل التشريعي، أشار إلى أن المجلس أنجز عمليًا إعداد نظامه الداخلي، لتبدأ بعدها مباشرة عملية تشكيل اللجان، وهي الخطوة التي ستفتح الباب أمام الانطلاق الفعلي في دراسة مشاريع القوانين. ويتوقع الخطيب ألا تستغرق هذه الإجراءات وقتًا طويلًا، موضحًا أن تحديد الأولويات داخل كل لجنة سيتم بصورة سريعة، استنادًا إلى حجم المشاريع المحالة إليها، والخطط التي أعدتها الوزارات، الأمر الذي يسمح ببدء العمل التشريعي خلال فترة وجيزة. واستشهد عضو المجلس بسرعة إعداد النظام الداخلي للمجلس بوصفها مؤشرًا على طبيعة المرحلة المقبلة، موضحًا أن إعداد هذه اللائحة كان يفترض أن يستغرق نحو شهر، إلا أن المجلس أنجزها خلال أسبوع واحد فقط. وعزا ذلك إلى عاملين رئيسين: الأول: عامل الزمن يفرض على المجلس تسريع وتيرة العمل، في ظل انتظار الشارع لانطلاق العملية التشريعية. الثاني: الفترة الفاصلة بين إجراء الانتخابات وانعقاد المجلس لم تكن فترة انتظار، وإنما استُثمرت في إعداد كثير من التصورات والمقترحات، وهو ما انعكس على سرعة الإنجاز منذ الأيام الأولى. وقد أنهت لجنة صياغة النظام الداخلي في مجلس الشعب السوري إعداد مسودة أولية لطرحها على المجلس والتصويت عليها، وأكد مجلس الشعب عبر معرفاته الرسمية، الأحد 26 من تموز، التصديق على مسودة النظام الداخلي من الناحية القانونية.
من جهته، يرى عضو مجلس الشعب مصطفى صقر، أن المجلس الحالي يختلف عن البرلمانات التي تعمل في ظروف مستقرة، إذ لا يواجه تعديلات محدودة على قوانين نافذة، وإنما يقف أمام كم كبير من التشريعات التي تحتاج إلى مراجعة أو تحديث أو إصدار جديد. وأكد أن هذه الخصوصية تجعل المجلس أمام مرحلة تأسيسية بكل ما تحمله الكلمة من معنى، وهو ما يتطلب قدرًا من الصبر، لأن إعادة بناء المنظومة التشريعية لا يمكن أن تتم خلال فترة قصيرة، مهما كانت وتيرة العمل مرتفعة. وأشار إلى أن نجاح المجلس في هذه المهمة يتطلب وجود خطة تشريعية واضحة، تحدد آليات العمل داخل اللجان، وتسلسل دراسة المشاريع، بما يمنع تشتت الجهود أو تضارب الأولويات. كما لفت إلى أن مشاريع القوانين لن تبدأ من الصفر داخل المجلس، إذ إن الوزارات والهيئات العامة أعدت بالفعل عددًا من المشاريع بمشاركة خبراء وفنيين ومختصين، وهو ما يمنح أعضاء المجلس قاعدة عمل جاهزة للنقاش والتطوير. وأكد أن النقاش مع هذه الكوادر الفنية سيكون جزءًا أساسيًا من عمل اللجان، لأن الخبرة التقنية ستساعد النواب على تقييم مشاريع القوانين بصورة أدق، وتحديد أولوياتها، قبل عرضها للتصويت.
أما عضو مجلس الشعب باسل هيلم، فيرى أن كثرة الأولويات لا تمثل عائقًا بقدر ما تستدعي تنظيمًا أفضل للعمل، موضحًا أن توزيع الملفات على اللجان المختصة سيتيح للمجلس فتح أكثر من ورشة تشريعية في آن واحد، بدل انتظار الانتهاء من كل قانون على حدة. وأشار إلى أن عدد اللجان سيُحسم بعد اعتماد النظام الداخلي، ليبدأ بعدها توزيع الملفات على اللجان المختصة، بحيث تتولى كل لجنة دراسة القوانين الداخلة ضمن اختصاصها، ومناقشتها بصورة تفصيلية، قبل رفعها إلى الجلسة العامة لإقرارها. ويعتبر هيلم أن هذه الآلية تمنح المجلس قدرة أكبر على مواكبة حجم التشريعات المطلوبة، وتمنع تعطيل الملفات بسبب تراكمها داخل لجنة واحدة أو جدول أعمال واحد.
لا يقتصر نجاح البرلمانات على قدرتها على سن القوانين، بل يرتبط أيضًا بمدى فاعليتها في متابعة أداء السلطة التنفيذية ومحاسبتها. ومنذ الإعلان الدستوري الذي حد الدور الرقابي لمجلس الشعب، برز نقاش واسع حول حدود دور المجلس، وما إذا كانت الصلاحيات الممنوحة له كافية. وتحضر هذه المسألة بقوة في أحاديث أعضاء المجلس، الذين يميزون بين الدور التشريعي، الذي يرونه ثابتًا وواضحًا، وبين الدور الرقابي الذي يخضع لطبيعة الإعلان الدستوري للمرحلة الانتقالية، الذي أقره الرئيس السوري، أحمد الشرع.
عضو مجلس الشعب عدنان الخطيب، قال إن جزءًا من الانتقادات الموجهة للمجلس بشأن دوره الرقابي نابع من ارتفاع سقف التوقعات لدى الشارع، وجزء آخر من عدم التمييز بين طبيعة الأنظمة السياسية المختلفة وصلاحيات كل منها. وأشار إلى أن الدولة عندما تلتزم بتطبيق القوانين الأساسية، ستكون مطالبة أيضًا بالالتزام بالتشريعات الجديدة التي سيقرها مجلس الشعب، خاصة إذا كانت هذه القوانين تحقق مصلحة المواطنين وتُسهم في تسهيل عمل السلطة التنفيذية، مؤكدًا أنه لا يرى أن الحكومة ستتجاهل ما سيصدر عن البرلمان.
وفي الوقت ذاته، لفت إلى أن كثيرًا من الوزارات لا تعاني فقط من تحديات إدارية، وإنما من قيود تشريعية فرضتها قوانين ولوائح تنفيذية مضى على بعضها عشرات السنين، إذ إن منها ما يعود إلى خمسينيات وستينيات القرن الماضي، في حين أصبحت تشريعات أخرى، مثل بعض قوانين الإيجارات والاستثمار، غير قادرة على مواكبة الواقع الحالي. وأكد الخطيب أن تحديث هذه القوانين لن ينعكس على حياة المواطنين فقط، بل سيمنح الوزارات نفسها مساحة أكبر للعمل، بعدما أصبحت بعض النصوص القانونية تمثل عائقًا أمام الأداء الحكومي، الأمر الذي يجعل الإصلاح التشريعي جزءًا من إصلاح الإدارة العامة نفسها.
وعن الدور الرقابي للمجلس، أوضح أن المهمة الأساسية لمجلس الشعب تتمثل في التشريع، لكنه لا ينفي وجود دور رقابي، مشيرًا إلى أن هذا الدور يجب أن يُمارس بما يتوافق مع ما نص عليه الإعلان الدستوري. وأضاف أن النظام الرئاسي يقوم على الفصل الواضح بين السلطات، ولذلك فإن أدوات الرقابة تختلف عن تلك الموجودة في الأنظمة البرلمانية، وهو ما يجعل تقييم دور المجلس الرقابي بحاجة إلى قراءة في إطار النظام السياسي القائم، لا بالاستناد إلى تجارب دول تعتمد نماذج دستورية مختلفة. وبحسب الخطيب، فإن الرقابة البرلمانية لن تغيب، لكنها ستُمارس من خلال أدوات تتناسب مع هذه الصلاحيات، وفي مقدمتها مناقشة الموازنة العامة، ومتابعة أوجه الإنفاق، والاستماع إلى الوزراء، سواء للاطلاع على التحديات التي تواجه وزاراتهم، أو لنقل المطالب والمشكلات التي يتلقاها النواب من المواطنين. وقال إن جلسات الاستماع لا تهدف إلى توجيه الانتقادات فقط، بل إلى بناء علاقة تكاملية بين السلطتين، تقوم على تشخيص المشكلات، وفهم أسباب التعثر، والعمل المشترك على إيجاد حلول لها، معتبرًا أن نجاح الدولة في هذه المرحلة يتطلب التعاون بين المؤسسات، وليس الدخول في صراع بين السلطات.
من جانبه، يرى عضو مجلس الشعب باسل هيلم أن الصلاحيات الرقابية للمجلس لا تزال محدودة، إذ يعتبر أن الإعلان الدستوري منح المجلس حق الاستماع إلى الوزراء، لكنه لم يمنحه أدوات رقابية أخرى، مثل الاستجواب أو المساءلة أو إجراءات العزل، وهو ما ينعكس، برأيه، على حجم الدور الرقابي الذي يمكن للمجلس ممارسته. وأكد أن مجلس الشعب يقوم على ركيزتين أساسيتين هما التشريع والرقابة، وأن الدور التشريعي لن يتأثر بهذه الصلاحيات، بينما سيواجه الجانب الرقابي تحديات أكبر، نتيجة محدودية الأدوات المتاحة، وهذا يؤثر على قوة المجلس ودوره. ومع ذلك، يرى هيلم أن المجلس لا يخلو من وسائل يمكن توظيفها لتعزيز الرقابة، وفي مقدمتها مناقشة موازنات الوزارات، ومراقبة حجم الإنفاق وأوجه الصرف، معتبرًا أن الرقابة المالية تمثل إحدى أهم أدوات متابعة أداء السلطة التنفيذية، حتى وإن جاءت بصورة غير مباشرة. كما أشار إلى أن جلسات الاستماع إلى الوزراء يمكن أن تتحول إلى وسيلة رقابية مؤثرة إذا أحسن المجلس استثمارها، من خلال طرح الأسئلة والاستفسارات المتعلقة بأداء الوزارات، ومطالبة الوزراء بتقديم إجابات واضحة، سواء خلال الجلسات أو في وقت لاحق. واعتبر أن مجرد علم الوزير بأنه سيقف أمام مجلس الشعب للإجابة عن تساؤلات النواب وطلب توضيحات عن أسباب التعثر أو آليات تنفيذ الخطط الحكومية، يشكل بحد ذاته عاملًا رقابيًا يدفع نحو مزيد من الانضباط في الأداء، حتى وإن لم يمتلك المجلس صلاحيات أوسع.
ويقر هيلم بأن هذه الأدوات لا تحقق المستوى الرقابي الذي يطمح إليه كثيرون، لكنها تمثل الحد الأدنى الممكن في ظل الصلاحيات الحالية، ويمكن أن تسهم في رفع مستوى أداء الحكومة وتعزيز التزامها بتنفيذ الخطط المعلنة.
يرى الباحث في القانون الدولي المعتصم الكيلاني أن المجلس يحتاج بالتوازي مع إصدار القوانين إلى عملية إصلاح داخلية تشمل النظام الداخلي، والإجراءات البرلمانية، وآليات اتخاذ القرار، بما يضمن فاعلية أكبر للعمل التشريعي خلال المرحلة المقبلة. وأشار إلى أن الإعلان الدستوري المؤقت حدد طبيعة العلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، الأمر الذي جعل مجلس الشعب في المرحلة الحالية غير قادر على مساءلة السلطة التنفيذية بالصورة الكاملة، معربًا عن أمله في أن تشهد المرحلة المقبلة تطويرًا لهذه الصلاحيات، لأن قدرة البرلمان على مساءلة الحكومة تعزز من قدرته على فرض القرارات التي تعبر عن إرادة المواطنين. وأكد الكيلاني أن تطوير الإجراءات البرلمانية سيشكل إحدى أبرز أولويات المجلس في بداية عمله، لافتًا إلى أن جلسة اعتماد النظام الداخلي تمثل خطوة مفصلية، لأنها سترسم آليات اتخاذ القرار وتنظيم العمل داخل البرلمان، بما ينعكس على كفاءة المؤسسة التشريعية وقدرتها على أداء دورها خلال المرحلة المقبلة.
لا تنتهي مهمة مجلس الشعب عند مناقشة مشاريع القوانين وإقرارها، فنجاح أي مؤسسة تشريعية يبقى مرتبطًا بقدرتها على البقاء على تماس مباشر مع المجتمع، واستيعاب التحولات اليومية في احتياجات المواطنين، وتحويلها إلى سياسات وتشريعات، وفي مرحلة تتسع فيها الفجوة بين حجم التطلعات والواقع، يبدو التواصل مع الشارع أحد أهم الاختبارات التي تواجه أعضاء المجلس منذ انطلاق أعماله.
وفي هذا السياق، أكد عضو مجلس الشعب عدنان الخطيب أن فكرة التواصل مع المواطنين لم تعد مجرد تصور نظري، بل أصبحت جزءًا من الرؤية التي نوقشت خلال الورشات السابقة التي سبقت انطلاق أعمال المجلس، موضحًا أن التفاصيل التنفيذية لهذه الآليات ستتبلور خلال الأيام المقبلة، وفق الإمكانات المتاحة والموارد المخصصة لذلك. وأشار الخطيب إلى أن المجلس حرص، في أثناء إعداد نظامه الداخلي، على تثبيت مبدأ يضمن ألا يقتصر عمل عضو مجلس الشعب على وجوده داخل دمشق أو تحت قبة البرلمان، وإنما أن يقضي جزءًا من وقته بين أبناء محافظته ومنطقته، بما يتيح له البقاء قريبًا من الناس والاستماع إلى قضاياهم بصورة مباشرة. وأضاف أن عضو مجلس الشعب، وإن كان يمثل سوريا بأكملها، فإنه ينطلق في الوقت نفسه من بيئته المحلية، ولذلك فإن حضوره بين أبناء منطقته يشكل ضرورة لفهم المشكلات الفعلية، ونقلها إلى المجلس، حتى تكون التشريعات نابعة من الواقع، لا من تصورات نظرية بعيدة عن احتياجات المواطنين. وكشف الخطيب أن نواب دمشق بدأوا بالفعل بوضع خطة للتواصل المباشر مع المواطنين، تقوم على تنظيم لقاءات دورية في المراكز الثقافية، يشارك فيها النواب المنتخبون عن دمشق، إضافة إلى النواب المقيمين فيها من المحافظات الأخرى، بهدف فتح نقاشات مباشرة مع المواطنين حول القضايا العامة، والاستماع إلى آرائهم ومقترحاتهم قبل تحويلها إلى ملفات تشريعية أو رقابية داخل المجلس.
من جانبه، يرى عضو مجلس الشعب مصطفى صقر أن التواصل مع المواطنين ليس خيارًا إضافيًا، وإنما شرط أساسي لنجاح العمل البرلماني، لأن النائب لا يستطيع تحديد أولويات المجتمع أو الدفاع عنها إذا كان بعيدًا عن الناس. وأكد أن أعضاء المجلس سيكونون مطالبين بالمشاركة في جلسات حوارية ولقاءات مباشرة مع المواطنين، إلى جانب توفير مكاتب مخصصة لاستقبال المراجعين، والاستفادة من وسائل التواصل الاجتماعي بوصفها إحدى أدوات التواصل اليومية، التي تسمح بمتابعة قضايا المواطنين وملاحظاتهم بصورة مستمرة. واعتبر صقر أن الاحتكاك المباشر بالمجتمع هو الذي يمكّن النائب من بناء “خارطة أولويات” حقيقية، تنطلق من احتياجات الناس لا من الاجتهادات الشخصية، لأن هموم المواطنين هي البوصلة التي ينبغي أن توجه العمل التشريعي داخل مجلس الشعب.
يرى الباحث في القانون الدولي المعتصم الكيلاني، أن المرحلة الجديدة تفرض إعادة بناء العلاقة بين مجلس الشعب والمواطنين، بعد عقود اتسعت خلالها الفجوة بين المؤسسة التشريعية والشارع السوري. وأكد أن نجاح المجلس يبدأ من شعور المواطن بأن صوته قادر على الوصول إلى ممثليه، وأنه يشارك بصورة غير مباشرة في صناعة التشريعات من خلال نقل احتياجاته وقضاياه إلى أعضاء مجلس الشعب، بما يجعل البرلمان ممثلًا حقيقيًا لإرادة المواطنين. وشدد الكيلاني على أن الشفافية تمثل ركيزة أساسية في هذه العلاقة، معتبرًا أن إطلاع المواطنين على ما يدور داخل مجلس الشعب، وآليات مناقشة القوانين واتخاذ القرارات، سيكون عاملًا مهمًا في تعزيز الثقة بالمؤسسة التشريعية، كما سيشكل عنصرًا مؤثرًا في إنجاح المرحلة الانتقالية في سوريا.
يرى ممثلو المجتمع المدني أن المرحلة الحالية تفرض شراكة حقيقية بين مجلس الشعب والمجتمع، في ظل تعدد الملفات التي تنتظر المعالجة. وبناء على ذلك، نظمت منظمة “وحدة دعم الاستقرار” و”شبكة الراصد السوري المجتمعية” جلسة حول “الأولويات التشريعية في المرحلة الراهنة والعلاقة بين مجلس الشعب والمجتمع السوري، جمعت عددًا من أعضاء مجلس الشعب وممثلين عن منظمات المجتمع المدني، وحضرتها عنب بلدي في 25 من تموز الحالي، واستمرت حوالي خمس ساعات.
يرى الناشط المدني والمدير التنفيذي لمنظمة “وحدة دعم الاستقرار”، منذر سلال، أن المرحلة الحالية تفرض أجندة تشريعية واسعة يصعب اختزالها في ملف واحد، موضحًا أن العدالة الانتقالية، وتحسين الوضع الاقتصادي، وإقرار قانون ينظم عمل منظمات المجتمع المدني، إلى جانب قانون الأحزاب، تمثل جميعها أولويات لا يمكن تأجيلها. وأشار سلال، في حديث لعنب بلدي، إلى أن النقاشات مع المجتمعات المحلية وأعضاء مجلس الشعب أظهرت أن لكل مواطن أولوياته الخاصة التي ترتبط بخلفيته وواقعه، ما يجعل عملية ترتيب التشريعات بحاجة إلى دراسة وعمل ووقت حتى تتحول إلى قوانين قابلة للتنفيذ. من جهتها، أكدت عضو الهيئة التدريسية في جامعة “دمشق” والناشطة المدنية الدكتورة سمر علي، أن مجلس الشعب يواجه مسؤوليات استثنائية في ظل حجم التحديات التي تراكمت خلال السنوات الماضية، معتبرة أن المجلس لا يمتلك “عصًا سحرية” تمكنه من تلبية جميع المطالب دفعة واحدة. وأوضحت أن الأولويات تختلف من مواطن إلى آخر، وأن حجم الملفات المطروحة أمام البرلمان قد يمتد لسنوات من العمل، الأمر الذي يستدعي ترتيبها وفق احتياجات المرحلة، مع التركيز على جودة التشريع، وبناء قضاء مستقل، وتعزيز العدالة الانتقالية، وإعادة بناء المؤسسات، باعتبارها ركائز أساسية لأي عملية إصلاح لاحقة.
وأكد سلال أن المجتمع المدني يستطيع أن يؤدي دورًا داعمًا لمجلس الشعب، ليس فقط من خلال طرح المطالب، وإنما عبر المشاركة في الحوارات والنقاشات التي تجمعه بأعضاء المجلس، بما يسهم في بناء جسور الثقة بين الطرفين، ويقوي العلاقة بين النائب وناخبيه، ويضمن وصول احتياجات المجتمع بصورة أكثر دقة إلى المؤسسة التشريعية. وتتوسع سمر علي في هذه الرؤية، معتبرة أن اللقاءات الحوارية التي تجمع مجلس الشعب بمؤسسات المجتمع المدني تمثل قناة تواصل حقيقية بين البرلمان والمجتمع، لأنها تتيح مشاركة مختلف الفئات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والصحية، إلى جانب الشباب والطلاب والفاعلين المجتمعيين، في مناقشة القضايا العامة، ونقل احتياجات المواطنين وأوجاعهم وتطلعاتهم بصورة مباشرة إلى أعضاء المجلس. وترى أن دور المجتمع المدني لا يقتصر على عرض المطالب، بل يشمل المساهمة في بلورة الأفكار وتحويلها إلى أهداف قابلة للتطبيق، بما يساعد مجلس الشعب على صياغة تشريعات أكثر ارتباطًا باحتياجات المواطنين، مؤكدة أن نجاح المرحلة يتطلب أن يكون المجتمع المدني شريكًا في الإنجاز، لا مجرد جهة تراقب الأداء أو تنتقده.
شدد سلال على أن استمرار الحوار بين المجتمع المدني والبرلمان سيعزز الثقة المتبادلة، ويمنح أعضاء مجلس الشعب صورة أوضح عن أولويات المواطنين، الأمر الذي ينعكس على جودة التشريعات والقرارات التي ستصدر عن المجلس. أما سمر علي فترى أن نجاح البرلمان يرتبط بقدرته على الانفتاح على الخبرات السورية وعدم الاكتفاء بالعمل داخل اللجان البرلمانية. وتوضح أن أعضاء المجلس، مهما تنوعت اختصاصاتهم، لا يمكن أن يحيطوا بجميع الملفات، وهو ما يستدعي الاستفادة من منظمات المجتمع المدني، واللجان الأهلية، ومراكز الأبحاث، والخبراء، لتحليل المشكلات، وإعداد الدراسات، واقتراح الحلول والتوصيات التي تدعم عملية التشريع. وتؤكد أن البرلمان يجب أن يكون حاضرًا بين المواطنين، لا خلف المكاتب والمنصات الرسمية، داعية أعضاء مجلس الشعب والمسؤولين إلى النزول إلى الشارع، والاستماع مباشرة إلى هموم السوريين في المدن والقرى والمخيمات، والاقتراب من واقع من فقدوا منازلهم أو مصادر رزقهم، لأن التشريعات الأكثر نجاحًا هي تلك التي تنطلق من معاناة الناس واحتياجاتهم الحقيقية، لا من التصورات النظرية. كما شددت على ضرورة الاستفادة من الكفاءات الوطنية، وتوسيع مشاركة المرأة في الحياة العامة وصنع القرار، باعتبارها شريكًا أساسيًا في بناء المجتمع والدولة.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة