تراجع صناعة البرغل المنزلي في الجزيرة السورية: بين الأصالة والحياة العصرية


هذا الخبر بعنوان "البرغل المنزلي.. موروث يتراجع أمام أنماط الحياة في الجزيرة السورية" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٣٠ تموز ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
مع انتهاء موسم حصاد القمح في الجزيرة السورية، كانت أصوات المراجل الكبيرة وهي تغلي حبات القمح، ورائحة “السليقة” المنتشرة في الأزقة والقرى، تعلن بداية موسم سنوي اعتادت عليه العائلات لعقود طويلة، استعدادًا لتأمين مؤونة الشتاء من البرغل، الذي يعد أحد أهم مكونات المطبخ في الجزيرة السورية. لكن هذا المشهد الذي كان يتكرر كل صيف، بات اليوم أقل حضورًا من أي وقت مضى، بعدما تراجعت أعداد الأسر التي ما زالت تصنع البرغل في منازلها، مقابل اعتماد متزايد على شراء البرغل الجاهز من الأسواق، في ظل تغير أنماط الحياة، وارتفاع تكاليف الإنتاج، وتراجع المساحات المخصصة للعمل الجماعي الذي كان يرافق هذه المهنة التقليدية. ورغم أن الحسكة تعد أكبر المحافظات السورية إنتاجًا للقمح، فإن صناعة البرغل المنزلية، التي كانت جزءًا من الهوية الاجتماعية والغذائية لسكان المنطقة، أصبحت مهددة بالاختفاء، مع احتفاظ عدد محدود من العائلات بهذه العادة بوصفها إرثًا عائليًا وحاجة اقتصادية.
تمر صناعة البرغل التقليدية بعدة مراحل تستغرق أيامًا. وتبدأ العملية بتحديد كمية القمح اللازمة لمؤونة المنزل، ثم تنظيفه وغربلته لإزالة الشوائب، قبل نقعه وغسله جيدًا. بعد ذلك يوضع القمح في مراجل معدنية كبيرة فوق مواقد الحطب، ويغلى بين ثلاث وأربع ساعات بحسب نوع الحبوب، حتى تنتفخ الحبات وتصبح ما يعرف محليًا باسم “السليقة”. ثم تُفرش السليقة على أسطح المنازل أو في ساحات واسعة تحت أشعة الشمس لعدة أيام مع تقليبها باستمرار حتى تجف تمامًا، قبل نقلها إلى المطحنة لتحويلها إلى برغل ناعم أو خشن أو جريش، بحسب حاجة الأسرة. وكانت هذه المراحل تتحول إلى مناسبة اجتماعية، تتشارك فيها النساء والأطفال، وتترافق مع إعداد مأكولات موسمية مثل الذرة المسلوقة و”السيالات”، ما جعل موسم البرغل أشبه بعيد سنوي في القرى.
تقول أمينة الواوي، وهي من سكان مدينة الحسكة، إن معظم الأسر في الأحياء السكنية كانت حتى سنوات قليلة مضت تخصص عدة أيام لصناعة البرغل، إلا أن المشهد تغير بصورة واضحة. وأضافت لعنب بلدي أن العائلات باتت تعتمد على شراء البرغل الجاهز بسبب ضيق الوقت، وصعوبة توفير أماكن مناسبة للتجفيف داخل المدينة، فضلًا عن ارتفاع تكاليف الحطب وأجور نقل القمح والطحن. وترى أمينة أن البرغل المنزلي “ما يزال ألذ وأجود من الموجود في الأسواق”، إلا أن المحافظة على هذه العادة أصبحت تتطلب جهدًا لا تستطيع معظم الأسر تحمله.
في قرى ريف الحسكة الشمالي، كانت عملية تصنيع البرغل تعتمد على التعاون بين الجيران، إذ كانت النساء يجتمعن في منزل واحد لإنجاز العمل قبل الانتقال إلى منزل آخر. لكن سعاد الخلف، من إحدى قرى ريف تل تمر، قالت لعنب بلدي إن هذا المشهد تراجع كثيرًا خلال السنوات الأخيرة. وأوضحت أن كل أسرة كانت تمتلك سابقًا كميات من القمح تكفيها طوال العام، وكانت عملية السلق تتم في مكان واحد داخل القرية، بينما أصبح كثير من الأهالي اليوم يشترون البرغل مباشرة من الأسواق، أو يكتفون بإعداد كميات محدودة جدًا. وأضافت أن هجرة كثير من الشباب، وانشغال النساء بالعمل خارج المنزل، وتراجع العلاقات الاجتماعية التي كانت تسهل التعاون، كلها عوامل ساهمت في اختفاء هذا التقليد تدريجيًا.
أما فاطمة العبد، من ريف الحسكة الشمالي، فتقول إن والدتها كانت تعد عشرات الكيلوغرامات من البرغل سنويًا، تكفي الأسرة حتى الموسم التالي. وأضافت لعنب بلدي أن الأسرة كانت تعتبر البرغل أساسًا لمعظم وجبات الشتاء، لكن تنوع المواد الغذائية المتوافرة في الأسواق، حتى مع ارتفاع أسعارها، غيّر عادات الاستهلاك. وترى أن الجيل الجديد لا يعرف تفاصيل صناعة البرغل كما عرفها الآباء والأجداد، إذ يفضل شراء المنتج الجاهز بدلًا من قضاء أيام كاملة في السلق والتجفيف والغربلة والطحن.
ورغم أن الجزيرة السورية لا تزال تمثل الخزان الرئيسي لإنتاج القمح في سوريا، فإن ذلك لم يمنع تراجع تصنيع البرغل منزليًا. ففي السابق كانت غالبية الأسر تحتفظ بجزء من محصولها لإعداد مؤونة الشتاء، قبل بيع الكمية المتبقية، بينما أصبح كثير من المزارعين اليوم يبيعون كامل إنتاجهم، ثم يشترون البرغل لاحقًا عند الحاجة. كما أن تقلص المساحات الزراعية في بعض المواسم، وارتفاع تكاليف الزراعة والإنتاج، دفعا عددًا من الأسر إلى تقليل كميات المونة التي كانت تعدها سنويًا.
لم تكن صناعة البرغل مجرد وسيلة لتأمين الغذاء، بل كانت مناسبة اجتماعية تجمع أفراد الأسرة والجيران. فالنساء يتشاركن مراحل الغربلة والسلق والتجفيف، بينما يساعد الأطفال في نشر “السليقة” وتقليبها، ويتجمع الجميع حول موقد الحطب لإعداد أطعمة موسمية ترافق هذا الطقس السنوي. وكانت هذه المناسبات تسهم في نقل الخبرة بين الأجيال، إذ تتعلم الفتيات الصغيرات خطوات صناعة البرغل من الأمهات والجدات، قبل أن يصبحن مسؤولات عن إعداد المؤونة في منازلهن. لكن هذا المشهد أصبح نادرًا، مع تراجع عدد الأسر التي ما تزال تحافظ على هذه العادة.
يرى الباحث الاجتماعي أحمد الحسن، في حديث إلى عنب بلدي، أن تراجع صناعة البرغل المنزلية لا يرتبط بعامل اقتصادي واحد، وإنما يعكس تحولات اجتماعية واسعة شهدها المجتمع السوري خلال السنوات الأخيرة. وأوضح أن الحرب والنزوح والهجرة أدت إلى تفكك كثير من شبكات العلاقات الأسرية التي كانت تقوم عليها الأعمال الجماعية، بينما أسهمت الحياة الحضرية المتسارعة في تقليص الوقت المخصص للأعمال المنزلية التقليدية. وأضاف أن توفر المنتجات الجاهزة في الأسواق، حتى وإن كانت أعلى سعرًا في بعض الأحيان، جعل كثيرًا من الأسر تفضل شراء البرغل بدلًا من تخصيص عدة أيام لتصنيعه. وأشار إلى أن انتقال عدد كبير من السكان من القرى إلى المدن قلّص أيضًا إمكانية ممارسة هذه العادة، بسبب غياب المساحات المفتوحة اللازمة لتجفيف القمح، فضلًا عن القيود التي تفرضها طبيعة السكن الحديث. اختفاء مثل هذه الطقوس لا يعني فقدان وسيلة لإنتاج الغذاء فقط، بل فقدان جزء من الذاكرة الجماعية، بحسب الباحث، لأنها كانت تمثل مناسبة اجتماعية تعزز التعاون بين أفراد المجتمع وتنقل الخبرات والعادات من جيل إلى آخر.
لا تزال بعض الأسر، خصوصًا في القرى، تتمسك بصناعة البرغل المنزلي، انطلاقًا من قناعتها بجودته، ومعرفتها بمصدر القمح المستخدم، فضلًا عن خلوه من الإضافات التي قد ترافق بعض المنتجات التجارية. لكن هذه الأسر صارت أقلية مقارنة بما كان عليه الحال قبل سنوات، إذ تغلب اعتبارات الوقت والكلفة وسهولة الحصول على البرغل الجاهز على الرغبة في الحفاظ على التقليد القديم. ويرى سكان في الحسكة أن استمرار هذا الإرث يحتاج إلى تشجيع الصناعات الغذائية التقليدية، وتنظيم فعاليات تراثية تعرف الأجيال الجديدة بمراحل صناعة البرغل وأهميته الثقافية، إلى جانب الحفاظ على زراعة القمح بوصفها ركيزة أساسية للاقتصاد والغذاء في المنطقة. وبينما لا تزال بعض المراجل تشتعل في قرى الحسكة مع نهاية كل موسم حصاد، فإنها لم تعد المشهد الذي يجمع القرية بأكملها كما كان في الماضي، لتتحول صناعة البرغل تدريجيًا من عادة سنوية راسخة إلى ممارسة محدودة، يخشى كثيرون أن تختفي مع رحيل الجيل الذي حافظ عليها لعقود طويلة.
ثقافة
سوريا محلي
ثقافة
ثقافة