أزمة الفروج تتفاقم في سوريا: ارتفاع الأسعار يضغط على الأسر ويشكل تحديًا للإنتاج والاستهلاك


هذا الخبر بعنوان "ارتفاع جديد بأسعار الفروج.. السوق السورية أمام أزمة إنتاج واستهلاك" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١ آب ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تشهد أسواق الدواجن في مختلف المحافظات السورية موجة ارتفاع جديدة في الأسعار، مما يثقل كاهل المستهلكين في ظل تزايد الضغوط المعيشية وتراجع القدرة الشرائية للأسر. يعتبر الدجاج مصدر البروتين الحيواني الأقل تكلفة مقارنة باللحوم الحمراء، إلا أن أسعاره تشهد تقلبات مستمرة.
وصل سعر كيلو الفروج في بعض الأسواق مؤخرًا إلى حوالي 420 ليرة سورية، قبل أن يتراجع في مناطق أخرى إلى نحو 360 ليرة، وسط حالة من التذبذب المستمر منذ أشهر. لم يقتصر الارتفاع على محافظة بعينها؛ فقد سجلت الرقة سعرًا يقارب 400 ليرة للكيلو، وتراوح السعر في السويداء بين 400 و420 ليرة. أما في دمشق، فقد تفاوتت الأسعار تبعًا لنوع القطعة والمنطقة، حيث تجاوز سعر شرحات الدجاج 680 ليرة.
يأتي هذا الارتفاع بعد فترة انخفاض نسبي، مما أعاد النقاش حول أسباب عدم استقرار سوق الفروج. ترتبط هذه الأسباب بتكاليف الإنتاج المرتفعة، وتراجع أعداد المربين، وتقلبات سعر الصرف، وضعف القدرة الشرائية للمستهلكين.
انعكس ارتفاع الأسعار سلبًا على حركة البيع والشراء. أشار عدد من العاملين في القطاع إلى أن تراجع الكميات المتوفرة في الأسواق ساهم في دفع الأسعار إلى مستويات أعلى. وقال تاجر الفروج رامي الخالد إن سعر كيلو الفروج في أسواق الجملة وصل إلى نحو 360 ليرة، موضحًا أن هذا الارتفاع أثر مباشرة على حركة البيع. وأضاف الخالد أن مبيعات بعض المحال تراجعت بشكل ملحوظ، حيث انخفض التصريف اليومي من حوالي 50 قفصًا إلى قرابة 20 قفصًا، بسبب عجز المستهلكين عن الشراء.
ويرى الخالد أن زيادة كميات الفروج المتوفرة في الأسواق، سواء عبر دعم الإنتاج المحلي أو السماح بالاستيراد عند الحاجة، يمكن أن تخفف الضغط على الأسعار وتعيد التوازن بين العرض والطلب.
من جهته، أوضح التاجر سامر الدرويش أن توفر الفروج لم يعد بالمستويات السابقة في بعض الأسواق، مما دفع التجار إلى تأمين كميات من محافظات أخرى. وأشار إلى أن تكلفة طن الفروج الواحد وصلت إلى حوالي 22 ألف ليرة، يضاف إليها قرابة 1000 ليرة بدل نقل وأجور، لتصل التكلفة النهائية إلى حدود 23 ألف ليرة للطن.
أدى ارتفاع الأسعار إلى تغير واضح في نمط شراء الأسر، حيث بات عدد من المستهلكين يشترون كميات محدودة أو يكتفون بأجزاء أقل سعرًا بدل شراء فروج كامل. لم يختلف المشهد في الحسكة، حيث تحدث سكان عن تغير عاداتهم الشرائية. قال أحمد محمود، من أبناء مدينة الحسكة، إن شراء الفروج لم يعد كما كان سابقًا، وأن أسرته باتت تقلل الكمية المشتراة بسبب ارتفاع الأسعار مقارنة بالدخل الشهري. وأضاف محمود أن الفروج كان يمثل خيارًا متاحًا للأسر ذات الدخل المحدود مقارنة باللحوم الأخرى، لكن ارتفاع سعره جعله عبئًا إضافيًا.
من جانبها، قالت سليمة حسن، من أبناء مدينة الحسكة، إن ارتفاع أسعار الفروج دفعها إلى تغيير طريقة التسوق، إذ أصبحت تشتري أجزاء محددة من الدجاج بدل شراء فروج كامل. وأضافت أن المشكلة لا ترتبط بسعر الفروج فقط، بل بارتفاع أسعار معظم المواد الأساسية، مما جعل الأسر تعطي الأولوية للمواد الضرورية وتقلل من شراء اللحوم.
لا يربط الخبير الاقتصادي سليمان العبد الرحمن ارتفاع أسعار الفروج بعامل واحد، بل يرى أن السوق تتأثر بمجموعة من العوامل الإنتاجية والاقتصادية المتراكمة. وأوضح العبد الرحمن أن ارتفاع أسعار الأعلاف يأتي في مقدمة الأسباب، إذ تشكل الأعلاف النسبة الأكبر من تكلفة إنتاج الفروج، وتعتمد نسبة كبيرة منها على الاستيراد، مما يجعل أسعارها مرتبطة مباشرة بسعر الصرف وتكاليف الاستيراد.
وأضاف أن عدم استقرار سعر الصرف يجعل المربين غير قادرين على تحديد تكاليف الإنتاج المستقبلية بدقة، مما يدفع بعض المنتجين إلى تقليص نشاطهم أو الخروج من السوق. وأشار إلى أن القطاع شهد خلال الفترة الماضية خروج عدد من صغار ومتوسطي المربين بسبب ارتفاع تكاليف شراء الأعلاف والكتاكيت، وصعوبة تأمين رأس المال اللازم للاستمرار. وقد انعكس تراجع أعداد المربين على حجم الإنتاج المتوفر في الأسواق، مما أدى إلى فجوة بين العرض والطلب ساهمت في رفع الأسعار.
ولفت العبد الرحمن إلى أن تكاليف المحروقات والكهرباء المستخدمة في التهوية داخل مزارع الدواجن تمثل عاملًا إضافيًا في ارتفاع التكلفة، خصوصًا خلال الفترات التي تحتاج فيها الطيور إلى ظروف حرارية مناسبة. كما أشار إلى أن ارتفاع تكاليف النقل من المزارع إلى المسالخ ثم الأسواق يضيف أعباء جديدة على السعر النهائي للمستهلك.
رغم ارتفاع الأسعار، لا يزال الفروج يحتفظ بمكانته كخيار رئيسي لدى شريحة واسعة من السوريين، نتيجة ارتفاع أسعار اللحوم الحمراء. لكن ذلك لا يعني استمرار القدرة على شرائه بالكميات السابقة. أوضح العبد الرحمن أن هناك فرقًا بين الحاجة إلى السلعة والقدرة الفعلية على شرائها، إذ ما يزال الفروج خيارًا غذائيًا أساسيًا للكثير من الأسر، لكن انخفاض الدخل أدى إلى تقليص حجم الاستهلاك.
وأضاف أن كثيرًا من الأسر باتت تشتري نصف الكمية التي كانت تشتريها سابقًا، أو تقلل عدد مرات شراء الفروج خلال الشهر، مما أدى إلى تغير طبيعة الطلب في السوق. ويرى أن هذا الوضع خلق حالة من الركود التضخمي، حيث ترتفع الأسعار في الوقت الذي تنخفض فيه الكميات المباعة، مما يزيد الضغط على المنتجين والتجار والمستهلكين في الوقت ذاته.
يشير الخبير الاقتصادي إلى أن مشكلة السوق لا تكمن فقط في ارتفاع الأسعار، بل في حالة عدم الاستقرار التي تجعل الأسعار تتغير خلال فترات قصيرة. وأوضح أن ارتباط الأعلاف بسعر الصرف يجعل أي تغير في قيمة العملة ينعكس سريعًا على تكاليف الإنتاج. بينما يؤدي غياب بيانات دقيقة حول حجم الإنتاج والكميات المتوفرة إلى زيادة حالة عدم اليقين في السوق.
وأضاف أن التدخلات غير المدروسة، مثل فتح الاستيراد أو إيقافه دون دراسة لحاجة السوق، قد تؤدي إلى نتائج عكسية، إذ قد توفر كميات إضافية لفترة محددة لكنها لا تعالج المشكلات الأساسية التي يعاني منها القطاع. ويرى العبد الرحمن أن استقرار سوق الفروج يحتاج إلى معالجة طويلة الأمد تبدأ من دعم دورة الإنتاج، وليس فقط التدخل عند ارتفاع الأسعار.
يقترح العبد الرحمن مجموعة إجراءات يمكن أن تساعد في تخفيف تقلبات الأسعار، من بينها توفير دعم مدروس للأعلاف يصل إلى المربين الفعليين، مقابل التزامهم بالإنتاج وطرح الكميات في السوق ضمن أسعار مناسبة. كما يدعو إلى تخفيض تكاليف النقل وتحسين سلاسل التوريد، وتشجيع منافذ البيع المباشر من المنتج إلى المستهلك لتقليل عدد حلقات الوساطة.
ويشير إلى أهمية توفير بيانات واضحة حول حجم الإنتاج والاستهلاك، لأن غياب المعلومات الدقيقة يفتح المجال للمضاربة ويزيد من اضطراب السوق. ويؤكد أن الحلول المؤقتة، مثل زيادة الاستيراد عند حدوث نقص، قد تكون ضرورية أحيانًا، لكنها لا تغني عن إعادة بناء قدرة القطاع المحلي على الإنتاج واستعادة المربين الذين خرجوا من السوق.
وبينما يستمر ارتفاع أسعار الفروج في الضغط على الأسر السورية، تبقى المشكلة مرتبطة بأزمة أوسع تتعلق بارتفاع تكاليف الإنتاج وتراجع القدرة الشرائية، ما يجعل استقرار السوق مرتبطًا بمعالجة أسباب اقتصادية متراكمة، وليس فقط ضبط السعر النهائي في الأسواق.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد