من يمثل السوريين ويرسم صورتهم؟ تساؤلات حول هوية الدولة الجديدة


هذا الخبر بعنوان "من يمثلنا كسوريين ومن يرسم صورتنا؟" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢ آب ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
شغل السوريون مؤخرًا بقضية الصحفية الأمريكية التي اتهمت القائم بالأعمال في السفارة السورية بواشنطن بالمشاركة في اختطافها عام 2016. بعيدًا عن مناقشة صحة هذه الاتهامات، يبرز سؤال جوهري: لماذا تعرف الكثير من السوريين على مسار حياة ممثل بلادهم في إحدى أهم العواصم العالمية من خلال اتهام، لا من خلال تعريف رسمي بسيرته ومسيرته؟ بل إننا حتى الآن لا نعرفه هو أو بقية السفراء بشكل جيد، والمعلومات المتوفرة عنه لا ترقى لمسؤول بهذا المستوى.
في مقال الأسبوع الماضي، طالبتُ السلطة بالكشف عن القرارات والمؤسسات التي تبنيها. يبدو أن بعض الأسئلة تفتح أبوابًا لأسئلة أخرى أكثر إلحاحًا. فإذا كان السؤال السابق هو: "لماذا لا تخبروننا بما يحدث؟"، فإن السؤال الجديد هو: "هل لديكم فعلًا شيء لتقولوه؟" نحن لا نسأل بدافع الفضول أو الولع بتتبع السير الذاتية، بل لأن هؤلاء المسؤولين أصبحوا جزءًا من صورتنا. السفير، الوزير، المحافظ، نقيب الفنانين، رئيس اتحاد الكتّاب، رئيس الجامعة، والمتحدث الرسمي، هم ليسوا مجرد موظفين، بل الوجوه التي اختارتها الدولة لتعبر عنها. إنهم، بمعنى ما، نحن، والطريقة التي يُختارون بها ويُقدَّمون للمجتمع هي جزء من الصورة التي نبنيها عن أنفسنا.
يذكّرنا جاك لاكان بأن الإنسان يبني صورته من خلال اللغة والرموز والصور المحيطة به. والدول أيضًا تحتاج إلى صورة، ليست دعائية، بل صورة تجعل المواطن يشعر بوجود مشروع متماسك. العملة، العلم، الخطاب، والوجوه التي تمثل الدولة، ليست تفاصيل منفصلة، بل أجزاء من لوحة واحدة. من هذا المنطلق، كان تغيير العملة وإزالة صور حافظ وابنه المخلوع خطوة رمزية ذات معنى، حيث تغيرت الصورة البصرية للدولة بعد سقوط نظام حكم لعقود. لكن الصورة لا تكتمل بالرموز وحدها؛ فالهوية البصرية للدولة لا تصنعها الأوراق النقدية فقط، بل أيضًا الأشخاص الذين يتحدثون باسمها، والمعايير التي أوصلتهم لمواقعهم، والقصة التي تفسر وجودهم هناك.
قد يكون لدى السلطة منطق واضح في اختياراتها، ربما ترى أن المرحلة الانتقالية تفرض الاعتماد على أشخاص كانوا جزءًا من القوى التي أسقطت النظام، باعتبارهم الأكثر معرفة بالمرحلة وقدرة على إدارتها. إذا كان هذا هو المنطق، فليكن معلنًا. هل هذه معايير مؤقتة؟ ومتى ستتغير؟ وما الخطة؟ هذه أسئلة طبيعية في أي مرحلة انتقالية.
في مصر، على سبيل المثال، يعرف الجميع أن المؤسسة العسكرية تلعب دورًا محوريًا، ويتولى ضباط حاليون أو سابقون مناصب مدنية هامة. وفي عدد من الملكيات، تلعب الأسر الحاكمة دورًا أساسيًا في شغل المناصب العليا ضمن تقاليد سياسية معروفة، ويكون تاريخ الشخص ومساره العام متاحين للنقاش. قد نؤيد هذه النماذج أو نعارضها، لكنها تمتلك منطقًا معلنًا يمكن فهمه.
أما في سوريا، فما زال كثير من المواطنين يحاولون فهم القاعدة التي تُبنى عليها الدولة الجديدة. ما المعيار؟ ما الفكرة؟ لنعرف على الأقل إذا كنا سندافع عنها أم سنبدأ ببناء جبهة معارضة. في الطب النفسي، لا يقلقني الحزن أو القلق أو الغضب بقدر ما يقلقني الإحساس بالفراغ، لأنه يجعل الإنسان عاجزًا عن الإمساك بخيط يبدأ منه. وعلى المستوى العام، يطول غياب الخطاب الواضح، ليس لغياب مشروع، بل لغياب تقديمه للمواطنين، مما يترك فراغًا تملؤه الشائعات والتخبطات السلوكية.
يقول لاكان إن الخطاب يعود إلى صاحبه. والدولة، عندما تتحدث عن نفسها أو تختار ممثليها أو تعلن معاييرها، فإن أول من يسمع هذه الرسالة هم مواطنوها. لذلك، قبل أن نسأل كيف ينظر إلينا الخارج، ربما علينا أن نسأل: ماذا نقول نحن لأنفسنا؟ سوريا الجديدة لن تُبنى بالاعتراف الدولي وحده، ولا بالزيارات الدبلوماسية، ولا حتى بالرموز الجديدة وحدها. ستُبنى عندما يستطيع السوري أن يجيب بثقة عن سؤال بسيط: من يمثلني؟ ولماذا اختير؟ وما الفكرة التي تجمع هؤلاء جميعًا؟ فالدول لا تُرى بأعلامها وعملاتها فقط، بل أيضًا بالوجوه التي تختارها لتكون وجهها، ومن حق السوريين أن يعرفوا كل ما يلزم عن هذه الوجوه.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة