دمج الحكومة و"قسد" في شمال شرق سوريا: تقدم متباين وتفاؤل حذر بعد ستة أشهر


هذا الخبر بعنوان "“الدمج” بين الحكومة و”قسد”.. بطء لا يبدد التفاؤل" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢ آب ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
بعد ستة أشهر من توقيع اتفاق 29 يناير 2026 بين الحكومة السورية و"قوات سوريا الديمقراطية" (قسد)، تشهد خريطة الإدارة في شمال شرق سوريا تحولات ملحوظة، وإن لم تصل بعد إلى نموذج الإدارة الموحدة المنصوص عليه في بنود الاتفاق. جاء هذا الاتفاق في سياق تحولات ميدانية وسياسية شهدتها المنطقة مطلع عام 2026، ونص على دمج مؤسسات "الإدارة الذاتية" ضمن مؤسسات الدولة، وتثبيت العاملين فيها، بالإضافة إلى إعادة تنظيم الملفين الأمني والعسكري وتسوية قضايا التعليم والإدارة المحلية. ومع ذلك، أظهر مسار التنفيذ خلال الأشهر الستة الماضية تفاوتًا واضحًا بين الملفات؛ حيث تقدمت القطاعات الخدمية بوتيرة أسرع، بينما بقيت الملفات المرتبطة بالسيادة والإطار القانوني أكثر تعقيدًا.
استعادت الحكومة حضورها في عدد من المؤسسات الخدمية والإدارية، وبدأت خطوات دمج في بعض القطاعات. في المقابل، ظلت ملفات أكثر حساسية، مثل القضاء والتربية والجامعات والسجل المدني والموظفين، رهينة خلافات تتعلق بآليات التنفيذ وحدود الصلاحيات وشكل الإدارة المحلية. تسعى "عنب بلدي" لمناقشة أبرز التغيرات في إدارة محافظة الحسكة بعد اتفاق الدمج، على مستوى المؤسسات الخدمية والاقتصادية والتعليمية والأمنية والعسكرية، وتحاور خبراء وباحثين حول أبرز ما أُنجز من خطوات، والآثار المترتبة على تأخر استكمال تنفيذ الاتفاق، بهدف قراءة السيناريوهات المستقبلية للملف على جميع المستويات.
لم يسر تنفيذ بند دمج المؤسسات المدنية بوتيرة واحدة منذ توقيع الاتفاق، إذ أظهرت الأشهر الستة الماضية تفاوتًا واضحًا بين القطاعات، مع تقدم ملحوظ في بعض المؤسسات الخدمية مقابل استمرار التعثر في أخرى ترتبط بملفات السيادة والإطار القانوني. على المستوى الإداري، شهدت دوائر الزراعة ومكتب الحبوب وقطاعا المياه والصحة خطوات دمج أولية، عبر تشكيل إدارات مشتركة وتوزيع المسؤوليات بين موظفي الحكومة و"الإدارة الذاتية". كما بدأت الحكومة بفرض حضورها في عدد من المؤسسات الرسمية، بالتوازي مع تعيين مسؤولين محليين وبدء تسلم بعض المرافق العامة، في حين بقيت ملفات أكثر تعقيدًا، مثل التربية والقضاء والسجل المدني، خارج إطار التسوية النهائية.
يرى الصحفي والباحث السياسي سامر الأحمد أن ما تحقق حتى الآن "لا يمكن وصفه باندماج مؤسساتي كامل، بل هو أقرب إلى مرحلة انتقالية من التنسيق الإداري"، موضحًا أن نجاح أي عملية دمج لا يُقاس بمجرد انتقال الموظفين أو صدور قرارات تعيين، وإنما بوجود مرجعية إدارية واحدة وإطار قانوني يحكم عمل المؤسسات كافة. وقال الأحمد إن استمرار ازدواجية الإدارة في بعض القطاعات يجعل المواطنين يتعاملون مع أكثر من مرجعية للحصول على الخدمة نفسها، الأمر الذي يحد من فاعلية الخطوات المنفذة. ويتفق الكاتب والصحفي عز الدين ملا مع الأحمد، معتبرًا أن الحكومة نجحت في تحقيق تقدم نسبي بالملفات الخدمية الأقل حساسية سياسيًا، بينما بقيت المؤسسات المرتبطة بالسيادة أكثر تعقيدًا، وهو ما يفسر تفاوت مستويات الدمج بين قطاع وآخر. وتوجد قرارات تصدر عن مؤسسات حكومية، لكن تنفيذها يبقى أحيانًا مرتبطًا بتفاهمات مع قوى وهياكل قائمة على الأرض، لذلك، المسألة لم تُحسم بعد.

ما زال مسار توحيد مؤسسات التربية والقضاء يواجه عقبات حالت دون تنفيذ بنود الاتفاق بصورة كاملة. ففي قطاع التعليم، ورغم تعيين مدير للتربية في الحسكة ورئيس مجمع تربوي في القامشلي، بقيت قضايا المناهج، والاعتراف بالشهادات الصادرة عن مدارس وجامعات "الإدارة الذاتية"، ومستقبل الكوادر التعليمية، وآلية دمجها ضمن المنظومة الرسمية، من دون حلول نهائية. وينطبق الأمر ذاته على قطاع التعليم العالي، إذ بدأت خطوات لدمج جامعة "الشرق" في الرقة ضمن جامعة "الفرات"، وأُعلنت مبادئ عامة لدمج جامعة "روجآفا"، بينما لم تُسجل تطورات مماثلة بشأن جامعة "كوباني".
ويبدو التعثر أكثر وضوحًا في الملف القضائي، الذي يعد أحد أبرز الاختبارات أمام استعادة الدولة لوظائفها الإدارية. فغياب آلية متفق عليها لدمج قضاة "الإدارة الذاتية" ضمن السلطة القضائية السورية، والخلافات التي رافقت عمل القصر العدلي في الحسكة، انعكست على ملفات إدارية عديدة، من بينها السجل العقاري وإصدار الوثائق الرسمية والمعاملات التي تتطلب أحكامًا أو مصادقات قضائية، ما أبقى المواطنين أمام منظومتين قانونيتين متوازيتين في بعض الحالات.
يعتبر الباحث السياسي حسن الهاشمي أن هذا التعثر ليس إجرائيًا فحسب، بل يرتبط بطبيعة هذه المؤسسات؛ موضحًا أن القضاء والتعليم يمثلان "جوهر سيادة الدولة"، ولذلك فإن توحيدهما يتطلب توافقًا على المرجعية القانونية والتنظيمية قبل أي خطوات تنفيذية. وقال الهاشمي إن استمرار الازدواجية في هذين القطاعين ينعكس مباشرة على بقية المؤسسات، لأن كثيرًا من الخدمات الإدارية، مثل الأحوال المدنية والسجل العقاري وجوازات السفر، تعتمد في نهاية المطاف على منظومة قضائية وتعليمية موحدة. من جانبه، يرى الباحث سامر الأحمد أن تأخر حسم هذه الملفات يفسر بقاء عملية الدمج في إطارها الإداري الأولي، إذ لا يمكن الحديث عن استعادة كاملة لمؤسسات الدولة ما دامت المرجعيات القانونية والتعليمية لم تُوحَّد بعد.
لم يكن دمج المؤسسات مقتصرًا على نقل الصلاحيات أو إعادة توزيع الإدارات، بل ارتبط أيضًا بمصير آلاف الموظفين والعاملين في مؤسسات "الإدارة الذاتية". ورغم أن الاتفاق نص على تثبيت الموظفين المدنيين ودمج المؤسسات ضمن أجهزة الدولة، فإن الفترة الماضية لم تشهد حسمًا شاملًا لآليات الدمج، سواء فيما يتعلق بالتوصيف الوظيفي أو معايير التعيين أو الاعتراف بالخبرات والشهادات، وهو ما أبقى شريحة واسعة من العاملين في حالة ترقب، ولا سيما في قطاعات التربية والإدارة المحلية والخدمات.
يرى الباحث السياسي سامر الأحمد أن ملف الموظفين يمثل "الاختبار الأهم لنجاح الدمج"، لأن أي عملية اندماج مؤسساتي لا تكتمل ما لم تُحسم أوضاع العاملين بصورة عادلة وواضحة، مؤكدًا أن استمرار تعدد المرجعيات الوظيفية ينعكس على أداء المؤسسات واستقرارها. ويتفق الباحث عز الدين ملا مع الأحمد، مشيرًا إلى أن معالجة الملف تحتاج إلى مقاربة قانونية وإدارية تراعي خصوصية السنوات الماضية، وتوازن بين الحفاظ على استمرارية المرافق العامة وضمان حقوق العاملين، معتبرًا أن نجاح الدولة في استيعاب الكوادر ضمن هيكل إداري موحد سيكون أحد أبرز المؤشرات على انتقال الدمج من مرحلة التفاهمات إلى مرحلة بناء المؤسسات. تنفيذ أي عملية دمج بهذا الحجم يتطلب فترة انتقالية لمعالجة الجوانب الإدارية والفنية، مثل إعادة تنظيم المؤسسات وتسوية أوضاع العاملين وتوحيد الأنظمة المالية والإدارية.
شمل مسار الاندماج أيضًا المؤسسات الأمنية، إذ بدأت خطوات أولية لدمج عناصر "أسايش" ضمن وزارة الداخلية، بالتوازي مع تشكيل ألوية جديدة بإشراف وزارة الدفاع، وإعادة تنظيم إدارة السجون، في إطار تنفيذ البنود المتعلقة بإعادة هيكلة المؤسسات الأمنية. كما تولت الحكومة الإشراف على بعض المفاصل الأمنية والإدارية، مع الإعلان عن تعيين مسؤولين في مناصب مشتركة، بينها محافظ الحسكة، ونائب قائد الأمن الداخلي، ومعاون وزير الدفاع للمنطقة الشرقية، وقادة الألوية التي شُكلت في الحسكة وعين العرب.
ورغم هذه الخطوات، فإن الدمج الأمني لا يزال في مراحله الأولى من الناحية المؤسساتية، إذ تتركز الجهود الحالية على إعادة تنظيم الهياكل الإدارية وتوزيع الصلاحيات، أكثر من انتقال كامل لمهام إدارة الأمن إلى مؤسسات الدولة. كما لا تزال بعض الملفات، مثل استكمال دمج كوادر "أسايش" وإدارة مراكز التوقيف، وآليات القيادة والإشراف، قيد التفاوض بين الجانبين، بما يعكس الطبيعة التدريجية لهذا المسار. وحول الخطوات المنفذة في هذا المجال، يعتقد الباحث عز الدين ملا أن التقدم الذي تحقق في هذا الملف ينبغي النظر إليه بوصفه جزءًا من عملية إعادة بناء مؤسسات الدولة، لا باعتباره إنجازًا عسكريًا بحتًا، مشيرًا إلى أن إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية تحتاج إلى توافقات إدارية وقانونية تضمن وحدة المرجعية وتمنع ازدواجية الصلاحيات. من جهته، اعتبر الباحث حسن الهاشمي أن نجاح الدمج الأمني سيظل مرتبطًا باستكمال توحيد المنظومة القانونية والقضائية، لأن أي جهاز أمني لا يمكن أن يعمل بكفاءة في ظل تعدد المرجعيات القضائية والإدارية، وهو ما يجعل استكمال بقية ملفات الدمج شرطًا لترسيخ مؤسسات الدولة بصورة متكاملة.
الاعتماد على المعالجات الترقيعية واللجان البطيئة أثبت عدم جدواه، وتبين أنه مجرد مضيعة للوقت والجهد.

لم تغب الآثار الاقتصادية عن اتفاق الدمج الموقع بين الحكومة السورية و"قسد". فوجود بعض حقول النفط الرئيسة في محافظة الحسكة، بالإضافة إلى الكمية الكبيرة من إنتاج القمح، وتموضع بعض المعابر ضمن الحدود الإدارية للمحافظة، جعل من المجال الاقتصادي أحد أبرز الملفات التي تستحق دراسة آثارها وعوائدها، والنتائج المترتبة على عودتها لسيطرة الحكومة السورية.
في قطاع النفط، استعادت الحكومة السورية السيطرة على أبرز الحقول في المحافظة، المتمثلة في "رميلان" و"السويدية" و"الجبسة"، في ظل تقديرات بتراجع قدرتها الإنتاجية من 90 ألف برميل يوميًا قبيل 2011 إلى نحو 11 ألف برميل فقط. يرى الباحث الاقتصادي الدكتور أيمن الدسوقي أن عودة حقول النفط في الحسكة لسيطرة الحكومة السورية من حيث الإدارة والتشغيل، من شأنه المساهمة في تعزيز المالية العامة من خلال زيادة الإيرادات وخفض تكاليف الاستيراد. وقال الدسوقي إن مقدار المساهمة، على أهميته، يبقى مرهونًا بعدة اعتبارات، كحجم الإنتاج الفعلي القابل للتسويق محليًا وخارجيًا، وتكلفة الصيانة والنفقات المرتبطة بحالة الآبار والمنشآت وتشغيلها، وكفاءة إدارة وتشغيل الحقول وعقود استثمارها ونسب توزيع الأرباح وكيفية تحصيلها.
بدوره، يرى الخبير الاقتصادي الدكتور فراس شعبو أن المعنى الحقيقي لا يكمن بمجرد استعادة الحقول إلى إدارة الدولة، بقدر ارتباطه بزمن تحصيل العوائد، لأن عودة الحقول ليست كافية؛ فهي بحاجة إلى عمليات تجهيز للآبار المعطلة والأنابيب التي تحتاج إلى صيانة. مشيرًا إلى أن هذه الأعمال جميعها تحتاج إلى جهات تمويل خاصة، بسبب عدم امتلاك الدولة المبالغ المطلوبة لصيانة هذه الحقول، خاصة في ظل احتياجها إلى تقنيات حديثة وخبرات تفتقر إليها سوريا. ورغم المعطيات السابقة، لا ينفي شعبو إيجابيات الخطوة مطلقًا، منوهًا إلى أنها ستسهم في تخفيف أعباء استيراد المحروقات، الأمر الذي سيحسن من الميزان التجاري للدولة، ويخفف من الضغط على طلب الدولار الأمريكي، وهو ما سينعكس على حياة المواطن ولو استغرق الأمر من سنة إلى اثنتين.
لا تقف الأهمية الاقتصادية لمحافظة الحسكة عند حدود الحقول النفطية، إذ لا تقل أهمية القمح المنتج عن حقول النفط، في ظل تصدّر المحافظة كميات الإنتاج على مستوى سوريا، بواقع مليون و46 ألف طن، وفقًا لأحدث إحصائية نشرتها المؤسسة السورية للحبوب في 29 من تموز الماضي. كما أن المحافظة الواقعة شمال شرق سوريا تضم أكثر من معبر حدودي، استعادت دمشق إدارتها بعد اتفاق الاندماج، ومن أبرزها معبر "اليعربية" الذي أعيد افتتاحه مع الجانب العراقي في نيسان الماضي، ومعبر "سيمالكا" النهري مع إقليم كردستان العراق، بالإضافة إلى معبر "نصيبين" مع تركيا، الذي ما زال قيد المتابعة والمفاوضات لإعادة افتتاحه رسميًا.
يعتقد الخبير الاقتصادي فراس شعبو أن عودة الحسكة إلى إدارة الدولة سيشكل خطوة مهمة جدًا من ناحية رفع كميات القمح المتوفرة في السوق السورية، لأن الحسكة تشكل السلة الغذائية للبلاد، الأمر الذي سيسهم في توفير مخزون استراتيجي كبير، خاصة مع موسم زراعي وفير شهده هذا العام. وفيما يخص سيطرة الدولة على المعابر الحدودية، يرى شعبو أن الخطوة ستسهم في تنظيم وتوحيد القوانين والإجراءات، وهو ما يساعد في تسهيل الحركة التجارية وتنظيمها، الأمر الذي يشجع على تحسين عمليات الاستيراد والتصدير، على عكس سيطرة أكثر من جهة على هذه المعابر واعتماد كل منها قوانين وتنظيمات مختلفة.
عودة مخزون القمح في الحسكة إلى مستودعات الحكومة سيسهم في تحسين الأمن الغذائي السوري.
أوضح الباحث الاقتصادي أيمن الدسوقي أن الاندماج يتيح إعادة انتشار مؤسسات الدولة على كامل محافظة الحسكة، ومنها المؤسسات المعنية باستقبال القمح من المزارعين ودفع أثمانها، وهذا يتيح تعزيز الأمن الغذائي من جهة وتقليل فاتورة استيراد القمح من الخارج من جهة أخرى. كما أن توحيد إدارة المعابر من شأنه تعزيز الإيرادات العامة من الرسوم الجمركية والضرائب المفروضة والمحصلة من المعابر، ومكافحة الأنشطة الاقتصادية غير المشروعة المضرة بالاقتصاد الوطني، مثل حالات التهريب أو إغراق السوق بالسلع غير المستوفية لمعايير الجودة أو المضرة بقطاعات إنتاجية سورية، بحسب الدسوقي. وأشار الدسوقي إلى أن توحيد إدارة المعابر يساعد في تجفيف الموارد المالية لمجموعات ما دون الدولة، منوهًا إلى أن عودة مؤسسات الدولة إلى إدارة المعابر والإشراف على الأمن والقطاعات الحيوية، يهيئ بيئة آمنة للحركة التجارية والفردية الرسمية من جهة، ويتيح خيارات أكثر لسلاسل الإمداد وربط مناطق الإنتاج والاستيراد بمناطق الاستهلاك والعبور من جهة أخرى.
في ظل حديث الخبراء عن الإيجابيات الاقتصادية لاتفاق الاندماج بين الحكومة السورية و"قسد"، يبرز السؤال عن أهم القطاعات المستفيدة من الاتفاق على حساب غيرها. وحول هذه النقطة، قال الباحث الاقتصادي أيمن الدسوقي إن أبرز القطاعات المستفيدة من الاستقرار الاقتصادي الناتج عن الدمج تتمثل في قطاع الطاقة، بما في ذلك الكهرباء؛ فزيادة الإمدادات المستقرة من النفط والغاز من شأنها أن تنعكس إيجابًا على حجم إنتاج الكهرباء، وتوفر المشتقات النفطية من مصادر محلية متاحة مقارنة بالمصادر الخارجية الأكثر عرضة للتغيرات، نتيجة للأزمات الإقليمية والتوترات السياسية والأمنية. وأضاف الدسوقي القطاع المالي والمصرفي إلى القطاعات الاقتصادية المستفيدة، لجهة فتح مساحات جديدة أمام الخدمات المالية والمصرفية، مع الأخذ بعين الاعتبار ضرورة توحيد الأنظمة القانونية والمالية، إلى جانب قطاع النقل والخدمات اللوجستية لجهة تعزيز حركة النقل والترانزيت.
وتوقع أن يسهم الدمج في زيادة فرص العمل من خلال عودة هذه المناطق للإطار الوطني، وبالتالي إتاحتها أمام المستثمرين السوريين والأجانب للعمل فيها، بالإضافة إلى تخصيص إيرادات مالية من الحكومة المركزية للمنطقة لإقامة مشاريع بنية تحتية وخدمات عامة تخلق فرص عمل للسكان المحليين، وتسهم في تعزيز الاستقرار الاجتماعي وصيانته، فضلًا عن أن الدمج والربط الاقتصادي مع بقية المناطق السورية يعني توسعة للأعمال القائمة في قطاعات النقل والزراعة والتجارة وغيرها، وما يتطلبه ذلك من زيادة طلب على اليد العاملة.
الأثر الكامل للاندماج على مستوى الاقتصاد السوري ككل يحتاج إلى وقت، ويتطلب إحصائيات موثوقة.
يرى الخبير الاقتصادي فراس شعبو أن المناطق الشرقية بشكل عام، ومنها محافظة الحسكة، تفتقر إلى المحفزات الاستثمارية؛ فهي ما زالت بحاجة إلى استتباب الأمن المطلوب لأي مشاريع استثمارية، الأمر الذي سيشكل عائقًا أمام انفتاح المستثمرين على المنطقة. ونوه شعبو إلى أن سعي الدولة لبسط سيطرتها على المنطقة سيمنح نوعًا من الطمأنينة للمستثمرين، سواء المحليين أو الأجانب، في حال الرغبة بإطلاق مشاريعهم في هذه المناطق. وبيّن أن كل القطاعات في المحافظات الشرقية مدمرة وبحاجة إلى تنمية، متوقعًا أن تشهد قطاعات الزراعة والطاقة والبناء والإعمار التطور الأكبر خلال الفترات المقبلة، في حال توفر الاستقرار والبيئة المشجعة على الاستثمار.
رغم مرور أكثر من ستة أشهر على توقيع اتفاق الاندماج بين الحكومة و"قسد"، فإن خطوات التنفيذ لم تكتمل على جميع المستويات، في ظل وجود بعض الاختلافات حول آليات تطبيق الاتفاق في بعض المجالات. ويطرح بطء الخطوات في بعض الجوانب الإدارية تساؤلًا حول تأثير تأخر الاندماج الكامل على فشل الاتفاق أو تعرضه لبعض العراقيل التي قد تولد نوعًا من التوتر في المستقبل، الأمر الذي يثير علامات استفهام حول تأثيره على المكاسب الاقتصادية المسجلة خلال الفترة الماضية.
فشل اتفاق الدمج أو تعرضه لأي عراقيل من شأنه تعطيل عمليات إنتاج وتسويق النفط والغاز وما إلى ذلك من آثار سلبية على الاقتصاد لجهة ارتفاع تكلفة الاستيراد، وعودة انتعاش أنشطة اقتصاد الحرب غير المشروعة، وخسارة الدولة إيرادات بحاجتها في مرحلة حساسة للغاية، بحسب الباحث الاقتصادي أيمن الدسوقي. كما سيشجع فشل الاتفاق، بحسب الدسوقي، على ترسيخ أنماط اقتصادية جزئية داعمة لطروحات مناوئة لوحدة الأراضي السورية، فضلًا عن إعاقة مشاريع التكامل الاقتصادي إقليميًا وما يعنيه ذلك من خروج الجغرافيا السورية من بعض هذه الطروحات، وبالتالي خسارة فرص اقتصادية من ناحية الإيرادات والاستثمارات.
يعتبر الخبير الاقتصادي فراس شعبو أن فشل الاتفاق لن يكون خطوة جيدة للاقتصاد السوري ككل، رغم وجود بعض الطمأنينة في المناطق الداخلية والساحلية؛ ولكن أي حالة انفلات أمني أو توترات تشهدها المنطقة الشرقية ستلقي بظلالها على المناخ الاستثماري في سوريا بشكل عام. ولا يعتقد شعبو أن قطاع النفط سيكون الأكثر تأثرًا، مشيرًا إلى أن دخول الشركات الأمريكية على خط استثمار هذا القطاع سيدفع واشنطن لرعايته وإبعاده عن أي حالة توتر، متوقعًا أن تكون العمليات الخدمية، بالإضافة إلى احتياجات المواطنين اليومية، الأكثر تأثرًا في حالة حدوث أي توترات في المستقبل.
بينما تؤكد دمشق أن اتفاق الدمج مع "قسد" يمثل الإطار السياسي الوحيد لمعالجة قضايا شمال شرق سوريا، تتباين القراءات بشأن مستوى التقدم الفعلي في التنفيذ، في ظل استمرار وجود بعض الملفات الأمنية والإدارية عالقة دون حل نهائي، بالإضافة إلى تأثير الحسابات الإقليمية والدولية على مسار الاتفاق. ويرى مراقبون أن الاتفاق تجاوز مرحلة إعلان النيات، إلا أن نجاحه النهائي يبقى مرهونًا بقدرته على تجاوز أزمة الثقة بين الطرفين، ومعالجة الملفات الأكثر تعقيدًا، بدءًا من الدمج العسكري، وصولًا إلى عودة المهجرين ومستقبل الإدارة المحلية والسلاح والحقوق السياسية للكرد.
دخل الاتفاق، بحسب الصحفي والباحث السياسي سامر الأحمد، مرحلة التنفيذ الفعلي بعد أشهر من توقيعه، مع بدء دمج بعض الألوية والشروع بدمج قوات "أسايش" وعودة مؤسسات الدولة إلى عدد من المناطق التي كانت خارج إدارتها المباشرة. واعتبر الأحمد أن الخطوات السابقة عكست اتجاهًا واضحًا نحو إنهاء الازدواجية الأمنية والإدارية، رغم استمرار عدد من الملفات المؤجلة. في المقابل، يقر مدير "المركز الكردي للدراسات" في ألمانيا، نواف خليل، بوجود التزام كردي بتنفيذ الاتفاق، رغم أنه لم يحقق جميع المطالب الكردية. وأشار خليل إلى أن قبول "الإدارة الذاتية" و"قسد" بالاتفاق جاء انطلاقًا من الواقعية السياسية، لكنه أكد أن العلاقة مع دمشق لا تزال تعاني من أزمة ثقة، نتيجة استمرار الخطاب الإعلامي الذي لا يساعد على تهيئة بيئة مناسبة لتنفيذ الاتفاق، بحسب رأيه.
قبول "الإدارة الذاتية" و"قسد" بالاتفاق جاء انطلاقًا من الواقعية السياسية، لكن العلاقة مع دمشق لا تزال تعاني أزمة ثقة.
أثارت تصريحات الرئيس السوري، أحمد الشرع، التي تحدث فيها عن بطء تنفيذ الاتفاق مع التأكيد على أنه لا يزال الإطار الأنسب لمعالجة الملفات، قراءات مختلفة بشأن الرسائل التي أرادت دمشق إيصالها. يرى المحلل سامر الأحمد أن الشرع وجه رسالة مزدوجة؛ فمن جهة اعترف بأن التنفيذ يسير بوتيرة أبطأ من المتوقع، ومن جهة أخرى أكد استمرار رهان الدولة على الاتفاق، لكنه شدد في الوقت ذاته على ضرورة الانتقال من التصريحات إلى خطوات عملية على الأرض. أما نواف خليل فيرى أن الخطاب السياسي الصادر عن دمشق يحمل تناقضًا بين التمسك بالاتفاق والتقليل من أهمية الطرف الموقع عليه. واعتبر خليل أن التفريق بين المجتمع الكردي و"قسد" لا يبعث برسائل طمأنة، مشددًا على أن بناء الثقة يقتضي ترجمة الحديث عن الشعب الكردي إلى اعتراف دستوري يضمن حقوقه السياسية والثقافية واللغوية وتمثيله في مؤسسات الدولة.
قال الرئيس السوري، أحمد الشرع، في مقابلته مع قناة "الجزيرة" القطرية، في 26 من تموز الماضي: "يوجد بطء في تنفيذ الاتفاق المبرم بين الحكومة السورية و"قسد" في 29 من كانون الثاني 2026، إلا أن الحكومة لا تزال تراهن على إنجاح الاتفاق واستكمال تطبيق بنوده. دمشق ما زالت تنظر إلى الاتفاق باعتباره الإطار المناسب لمعالجة الملفات العالقة."
رغم التقدم في بعض الجوانب، يتفق الخبيران سامر الأحمد ونواف خليل على أن الملفات الأكثر حساسية لم تُحسم بعد، وإن اختلفا في تفسير أسباب التعثر. وأشار الأحمد إلى أن التحدي لم يعد يقتصر على دمج القوات العسكرية، بل يشمل ملفات أكثر تعقيدًا، مثل "الشبيبة الثورية" والسلاح المنتشر وعودة المهجرين، والعقارات والأملاك التي تديرها مؤسسات "الإدارة الذاتية"، إضافة إلى إنهاء أي مرجعية أمنية أو إدارية موازية للدولة. في المقابل، حمّل خليل الحكومة السورية مسؤولية جزء كبير من بطء التنفيذ، معتبرًا أن استمرار منع عودة المهجرين إلى رأس العين وتل أبيض، وبقاء بعض المظاهر المسلحة، واستمرار الحملات الإعلامية التحريضية، فضلًا عن عدم معالجة ملفات المعتقلين والمفقودين، كلها عوامل تعمّق فجوة الثقة وتؤخر تطبيق الاتفاق.
لم تغب المواقف الخارجية عن العلاقة بين دمشق و"قسد" في مختلف المراحل، منذ اتفاق 10 مارس 2025، وصولًا إلى التصعيد العسكري بين الطرفين مع مطلع العام الحالي، وصولًا إلى اتفاق الدمج الموقع في 29 يناير 2026، الأمر الذي يجعل الدور الخارجي، وخصوصًا موقف واشنطن وأنقرة، حاضرًا بقوة في مسار الاتفاق، باعتباره أحد العوامل المؤثرة في نجاحه أو تعثره. ويرى الباحث سامر الأحمد أن هناك تقاطعًا دوليًا وإقليميًا يدفع نحو استقرار شمال شرق سوريا، مع اختلاف أولويات الأطراف؛ فالولايات المتحدة تركز على دمج "قسد" ضمن مؤسسات الدولة، بينما تضع تركيا إنهاء أي وجود مرتبط بحزب "العمال الكردستاني" على حدودها في مقدمة أولوياتها، ما يجعل العامل الخارجي اليوم أقرب إلى دعم تنفيذ الاتفاق منه إلى تعطيله. أما نواف خليل فأكد أن الاتفاق لم يكن ليولد لولا الرعاية الأمريكية والقبول التركي، لكنه وجّه انتقادات للدور الأمريكي في بعض مراحل التنفيذ، معتبرًا أن واشنطن لم تنجح دائمًا في إلزام الأطراف بما تم الاتفاق عليه. كما يرى أن تركيا تنظر إلى الاتفاق من زاوية مصالحها الأمنية، وتسعى إلى الحد من أي مكاسب سياسية للكرد، وإن كانت مضطرة إلى عدم إفشال الاتفاق بالكامل في ظل ارتباطه بمسار السلام الكردي-التركي.

بين مطالب كردية بتثبيت الحقوق الثقافية واللغوية وعودة المهجرين، وأخرى عربية تدعو إلى "استعادة دور الدولة"، ورفض استمرار سيطرة "قسد"، يبدو أن المجتمع حاضر في التحركات التي تشهدها الحسكة في هذه الفترة، الأمر الذي يطرح سؤالًا حول مدى تأثيره في سير الاتفاق. يتفق الخبيران على أن اختزال المشهد في موقف كردي موحد أو موقف عشائري موحد حيال تنفيذ الاتفاق وما يرافقه لا يعكس الواقع. وأكد سامر الأحمد أن هناك داخل المجتمع الكردي تيارات تؤيد العودة إلى مؤسسات الدولة باعتبارها مدخلًا للاستقرار، في مقابل أطراف تخشى خسارة النفوذ الذي اكتسبته خلال السنوات الماضية. كما يرى أن العشائر تركز بالدرجة الأولى على عودة المهجرين واستعادة الحقوق وإنهاء المظالم، أكثر من اهتمامها بالتصعيد العسكري. في المقابل، يعتقد مدير "المركز الكردي للدراسات"، نواف خليل، أن الحديث عن موقف عشائري مستقل يتجاهل، بحسب تعبيره، تأثير الجهات الرسمية في بعض التحركات، مؤكدًا أن الموقف الكردي العام لا يزال يميل إلى الالتزام بالاتفاق رغم الانتقادات الواسعة الموجهة لـ"الإدارة الذاتية" و"قسد"، باعتباره الخيار الأكثر واقعية في الظروف الحالية.
يرى الصحفي والباحث السياسي سامر الأحمد أن استمرار التنفيذ بالوتيرة الحالية قد يقود إلى خطوات إضافية لإنهاء الازدواجية الأمنية والإدارية، وربما الإعلان رسميًا عن استكمال حل "قسد" كتنظيم مستقل. لكنه شدد على أن نجاح الاتفاق لن يقاس بالإعلانات السياسية، بل بمدى قدرة الدولة على معالجة الملفات الشائكة، وفي مقدمتها السلاح، و"الشبيبة الثورية"، وعودة المهجرين، والأملاك. نجاح الاتفاق لن يقاس بالإعلانات السياسية، بل بمدى قدرة الدولة على معالجة الملفات الشائكة، وفي مقدمتها السلاح.
أما مدير "المركز الكردي للدراسات"، نواف خليل، فيرجح استمرار الاتفاق رغم البطء الذي يطبع مساره، معتبرًا أن أي لقاء جديد بين الرئيس السوري، أحمد الشرع، وقائد "قسد"، مظلوم عبدي، قد يمنح الاتفاق دفعة سياسية جديدة. لكنه أكد أن مستقبل الاتفاق سيظل مرتبطًا بمدى التزام دمشق بتنفيذ تعهداتها، وبقدرتها على بناء الثقة مع المكوّن الكردي، بالتوازي مع استمرار تأثير المعادلات الإقليمية والدولية على هذا الملف.

سياسة
سياسة
سياسة
سياسة