خط الحجاز الجديد في مواجهة "IMEC": صراع النفوذ الإقليمي وإعادة تشكيل الجغرافيا السياسية


هذا الخبر بعنوان "البنى التحتية وهندسة النفوذ الإقليمي.. خط الحجاز وممر “IMEC”" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢ آب ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
منذ اندلاع عملية "طوفان الأقصى" والحرب الإبادية التي يشنها الاحتلال على قطاع غزة، وتوسع نطاق الاحتلال في جنوبي سوريا ولبنان، والحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران، تزايد قلق القيادة الإسرائيلية من أي تعاون إقليمي قد يتعارض مع مشروعها الصهيوني، الذي يتسم بأبعاد استيطانية واقتصادية وثقافية استعمارية. في هذا السياق، يبرز مشروع إحياء خط الحجاز كمسار يربط منطقة الخليج بأوروبا عبر سوريا والأردن، بطول يتجاوز 3000 كيلومتر من الرياض إلى اسطنبول. تعتبر إسرائيل هذا المشروع "تحديًا مباشرًا" ومنافسًا لمشروع "الممر الاقتصادي الهند- الشرق الأوسط – أوروبا" (IMEC)، الذي تدعمه وتشترط التطبيع معها كشرط جيوسياسي لدمجها كعقدة رئيسة تربط بين الهند وأوروبا عبر الخليج (السعودية والإمارات) والبحر المتوسط. وقد طُرح الممر في قمة مجموعة العشرين عام 2023 كبديل لمبادرة "الحزام والطريق" الصينية.
تعتبر إسرائيل ممر IMEC بمثابة العمود الفقري الاقتصادي واللوجستي لمنظومة إقليمية جيوسياسية، حيث تحدث نتنياهو عن رؤية لإنشاء "تحالف سداسي الأضلاع حول الشرق الأوسط أو داخله"، يشمل الهند والدول العربية والأفريقية واليونان وقبرص، بالإضافة إلى دول آسيوية أخرى. وتهدف هذه الخطوة إلى بناء "محور من الدول التي تنظر إلى الواقع والتحديات والأهداف بعين ثاقبة في مواجهة المحاور المتطرفة، سواء المحور الشيعي الراديكالي أو المحور السني الراديكالي الناشئ".
تاريخيًا، يعود إنشاء سكة الحجاز، التي دشنها السلطان عبد الحميد الثاني عام 1900 ووصلت إلى المدينة المنورة عام 1908، إلى أهداف سياسية وعسكرية ودينية. هدفت إلى تعزيز مركزية الدولة العثمانية، وتثبيت نفوذها، وتسهيل رحلة الحجاج والتجار، وسرعة نقل القوات، وتقليل الاعتماد على قناة السويس الخاضعة للسيطرة البريطانية. لكن مع اندلاع الحرب العالمية الأولى، أصبحت السكة هدفًا للتخريب المدعوم من بريطانيا إبان الثورة العربية.
يأتي إحياء مشروع سكة الحجاز، الذي وُقِّعَ بين تركيا والسعودية في 9 حزيران الماضي، في إطار تشكيل شبكة إقليمية قابلة للتوسع لتعزيز الربط البري وتوفير مسارات بديلة للنقل والتجارة. تخطط تركيا لمد السكك الحديدية إلى حلب وطموحها يصل إلى سلطنة عُمان. ومع ذلك، يواجه المشروع تحديات مالية كبيرة، حيث تقدّر تكلفة تحديثه في الدول الخمس بـ 35 مليار دولار. في الأردن، بلغت التكلفة الأولية لشبكة وطنية بطول 900 كيلومتر ثلاثة مليارات دولار. أما في سوريا، فقد دُمّر 70% من البنية التحتية للسكة منذ عام 2011، ويُقدّر الاستثمار المطلوب لإعادة تأهيلها بـ 5.5 مليار دولار. وتواجه سوريا تحديات إضافية تتعلق بالعقوبات، وحذر المؤسسات المالية من التعامل معها، وصعوبة التحويلات المالية، وارتفاع تكلفة التأمين. كما تعاني من ضعف سيادة القانون، والقيود الإدارية، وشبهات الفساد، والبيروقراطية، والتفرد بالقرار، والمحسوبيات، وغياب الشفافية والرقابة على "الصندوق السيادي".
يتمثل التحدي الثاني في التنسيق المؤسسي والفني والتشريعي بين الدول، بما في ذلك اتفاقات جمركية موحدة. أما التحدي الثالث فيتعلق بمحاولات الهيمنة الإسرائيلية الممنهجة عبر الأداة الاقتصادية (IMEC) المرتبطة بالتطبيع مع السعودية. بدأت فكرة المشروع في سياق تعاون إقليمي خلال اجتماع تركي-سوري-أردني في عَمان بتاريخ 11 أيلول 2025. ازدادت أهميته مع تصاعد تهديدات الملاحة في مضيق هرمز، وتأثير الحصار الأمريكي على إيران، واستهداف السفن، وفرض جماعة "أنصار الله" حصارًا بحريًا على السعودية، وارتفاع أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب في باب المندب والبحر الأحمر.
في مقارنة مع الممر الهندي (IMEC) الذي يشترط التطبيع مع إسرائيل ويضعها في المركز، فإن مشروع إحياء سكة الحجاز يعيد تشكيل الجغرافيا السياسية خارج الهيمنة الإسرائيلية. أي نجاح لإحيائها قد يضعف الأهمية الاستراتيجية لـ IMEC، الذي يمنح إسرائيل موقعًا محوريًا في الربط بين آسيا وأوروبا. من هذه الزاوية، لا يعتبر المشروعان محايدين، بل هما هندسة للنفوذ وإعادة إنتاج لخرائط القوة.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد