سوريا تلوح بالرد على هجمات من العراق: تحذيرات إقليمية وتغييرات في محور المقاومة


هذا الخبر بعنوان "سوريا والعراق.. رسائل ردع على أنقاض “محور المقاومة”" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٥ آب ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في تحذير يعكس تحولاً دراماتيكياً في خريطة التحالفات الإقليمية، لوّحت دمشق بالرد على أي هجمات تنطلق من الأراضي العراقية، وذلك في إطار توتر شمل دول الخليج المدعومة من واشنطن في مقابل طهران وأذرعها، بدأت أولى بوادره بقصف السعودية لمجموعات من “الحشد الشعبي” داخل العراق. وكشف مصدر سياسي عراقي، في تصريح لوسائل الإعلام السعودية، أن سوريا أبلغت العراق بشكل مباشر أن أي هجوم ينطلق من أراضيه لن يمر دون رد، مشيراً إلى أن دمشق تواصلت مع مسؤولين عراقيين لإيصال التحذير، وأبلغتهم برصد تحركات لميليشيات قرب الشريط الحدودي. وجاء هذا الموقف في لحظة شهدت فيها الحدود السورية العراقية توتراً متصاعداً، غذّته تحركات فصائل مسلحة موالية لإيران، وتحذيرات أمريكية وإسرائيلية متكررة من تحويل العراق منصةً لإدارة حرب إقليمية بالوكالة، وسط تساؤلات عن توقيت التحرك السوري وأهدافه الحقيقية.
استنفار سوري
كما شهد الجانب السوري استنفاراً، إذ طلبت وزارة الدفاع السورية من عناصرها رفع الجاهزية والاستنفار والالتحاق بالثكنات وقطع الإجازات، وفق خمسة مصادر متقاطعة من الجيش لعنب بلدي. ورصد مراسل عنب بلدي في دير الزور استنفاراً أمنياً وعسكرياً، مع بدء التحاق عناصر الجيش بثكناتهم. وأشار أحد المصادر إلى إرسال أرتال عسكرية باتجاه معبري “القائم” و”اليعربية” الحدوديين بين سوريا والعراق. بينما قال قائد قوات الحدود في الجيش العراقي، الفريق محمد عبد الوهاب سكر السعيدي، إن الوضع طبيعي على الحدود وأن التحركات في الجانب السوري لمسك الحدود تجري بعملهم وبالتنسيق معهم. وأضاف السعيدي لـ”وكالة الأنباء العراقية” (واع) أنه “لا يوجد أي تهديد حالي على الحدود وهناك تبادل وتنسيق معلومات مع قوات الحدود السورية”.
تغطية ظهر استباقية أم تثبيت للوجود العسكري؟
يرى الأكاديمي وأستاذ القانون الدولي العام والباحث في العلاقات الدولية عامر فاخوري أن ما جرى لم يكن تشكيل تحالف عربي لضرب العراق، بل نشوء طوق من التحذيرات الإقليمية حوله بسبب عجز بغداد عن منع بعض الفصائل من استخدام أراضيها في صراعات خارجية. وأوضح فاخوري، في حديث إلى عنب بلدي، أن التحذير السوري جاء في لحظة خشيت فيها دمشق من انتقال المواجهة الأمريكية- الإيرانية إلى حدودها الشرقية، ولذلك كان تحركاً استباقياً لحماية الأمن السوري، وفي الوقت نفسه محاولة لاستثمار الأزمة من أجل تثبيت الوجود العسكري السوري على الحدود، وتجفيف الممرات الإيرانية، وتقديم دمشق بوصفها شريكاً في إعادة ضبط التوازن الإقليمي. ولفت فاخوري إلى نقطة وصفها بالأخطر، وهي أن استمرار هجمات الفصائل من الأراضي العراقية كان يمكن أن يدفع دول الجوار إلى الانتقال من التحذير السياسي إلى الرد العسكري المباشر، وهو ما كان سيحوّل العراق من ساحة نفوذ متنافس إلى ساحة مواجهة إقليمية مفتوحة.
انقلاب في بنية “محور المقاومة”
لم يكن يمكن النظر إلى التحذير السوري، وفق فاخوري، باعتباره مجرد تغيير في موقف دمشق من إيران، بل كان أحد أكبر الانقلابات الجيوسياسية في بنية ما كان يسمى “محور المقاومة”. وأشار إلى أن سوريا التي كانت تمثل القلب الجغرافي لمحور إيران، أصبحت تنظر إلى الميليشيات الموالية لطهران في العراق باعتبارها تهديداً لحدودها وسيادتها، ما يعني أن المحور فقد أهم حلقاته، ولم يعد محوراً جغرافياً متصلاً، بل أصبح مجموعة ساحات منفصلة حاولت إيران الحفاظ على ما تبقى من نفوذها داخلها. التحول السوري لم يقتصر على خروج دمشق من المحور، بل صارت الجغرافيا السورية نفسها عائقاً أمام المشروع الإيراني بعد أن كانت ممراً رئيسياً له، بحسب فاخوري، متوقعاً أن أي مواجهة بين دمشق والميليشيات العراقية كانت ستشكل تحولاً تاريخياً؛ فالقوات التي دخلت سوريا سابقاً لحماية النظام السابق قد تجد نفسها في مواجهة النظام الذي حل مكانه. وخلص إلى أن المحور لم يختف تماماً، لأن إيران ما زالت تحتفظ بحلفاء مسلحين في العراق ولبنان واليمن، لكنه فقد وحدته الجغرافية وقيادته العملياتية المتماسكة، ولم يعد “محور مقاومة” بالشكل القديم، بل نفوذاً إيرانياً متشظياً يحاول الدفاع عن مواقعه بعد خسارة سوريا.
شل أذرع الرد لا إسقاط النظام
وحول التساؤلات عن إمكانية أن يكون المشهد “فخاً” لإغراق الميليشيات في حرب استنزاف حدودية، أو “حصاراً برياً” لإيران عبر سوريا والسعودية والكويت، دعا فاخوري إلى قدر كبير من الحذر في التعامل مع هذا التصور. وأوضح أن الحديث عن حصار بري من الجنوب عبر السعودية والكويت كان تعبيراً سياسياً أو عملياتياً واسعاً، وليس حصاراً جغرافياً حرفياً، فكلتا الدولتين لا تملك حدوداً برية مع إيران، والجبهة البرية الغربية المباشرة لها هي العراق وتركيا. وأشار إلى أن واشنطن وإسرائيل لم تكونا بحاجة إلى الأراضي العراقية للوصول إلى إيران، فقد أثبتتا امتلاكهما القدرة على ضرب العمق الإيراني مباشرة، لكن المشكلة الحقيقية لم تكن في الوصول إلى إيران، بل في منعها من الرد عبر ساحات أخرى، وعلى رأسها العراق بما يملكه من فصائل مسلحة وصواريخ ومسيّرات وممرات لوجستية نحو سوريا ولبنان. التحرك ضد هذه الفصائل لم يبدُ بديلاً عن ضرب إيران، بل استكمالاً له، بهدف شل أذرع الرد الإيراني وتفكيك الجبهات التي كان يمكن أن تتحرك بصورة متزامنة، بحسب الخبير عامر فاخوري، مضيفاً أن المنطقة لم تكن أمام محاولة لإسقاط إيران من خلال العراق، بل أمام محاولة لتجريدها من قدرتها على إدارة حرب إقليمية بالوكالة.
بغداد بين الاحتواء والمواجهة
الحكومة العراقية امتلكت من الناحية القانونية حق حصر السلاح بيد الدولة، لكنها لم تكن تمتلك حرية كاملة في استخدام القوة ضد جميع الفصائل، لأن هذه الفصائل ظلت جزءاً من المعادلة السياسية والأمنية والاقتصادية العراقية. ولم يتوقع فاخوري أن تتجه الحكومة العراقية إلى مواجهة عسكرية شاملة، لأن ذلك كان يمكن أن يشعل صداماً داخلياً خطيراً ويفتح الباب أمام انقسام داخل مؤسسات الدولة نفسها، وفي المقابل فإن مجرد مطالبة الفصائل بالاختفاء أو وقف نشاطها مؤقتاً لم يكن ليكون كافياً لإرضاء واشنطن ودول الجوار، إذا بقيت الصواريخ والمسيرات والقرار العملياتي خارج سيطرة بغداد. ورجّح فاخوري أن يكون الخيار الأكثر ترجيحاً هو الاحتواء التدريجي والانتقائي: دمج بعض الفصائل، وتجميد نشاط بعضها، وعزل الجماعات الأكثر ارتباطاً بإيران، مع استهداف القدرات النوعية ومخازن السلاح وقيادات العمليات، بدلاً من الدخول في حرب مفتوحة. لكنه حذّر من أن نجاح هذا الخيار توقف على قدرة الحكومة على نقل القرار العسكري الحقيقي إلى الدولة، لا مجرد تغيير الأسماء والواجهات.
بغداد.. رسالة طمأنة للجوار
في غضون ذلك، أعلنت بغداد عن تحرك رسمي عاجل لاحتواء الأزمة، حيث ترأس رئيس مجلس الوزراء القائد العام للقوات المسلحة العراقية السيد علي فالح الزيدي، السبت، اجتماعاً أمنياً طارئاً لبحث التطورات الأمنية في المنطقة. وشدد الزيدي، وفق بيان صادر عن مكتبه الإعلامي، على منع أي تجاوز أو تهديد ينطلق من الأراضي العراقية تجاه دول الجوار، ووجّه بتشكيل لجنة أمنية مشتركة لمواجهة التحديات، ووضع آليات رادعة تحول دون تكرار مثل هذه الحالات أو أي خروقات محتملة. كما وجه القائد العام الأجهزة الأمنية العراقية بإنفاذ القانون، وتعزيز الأمن والاستقرار، والاضطلاع بمسؤولياتها في حماية السيادة وحسن الجوار، مؤكداً جاهزية القوات المسلحة لإحباط أي محاولة تستهدف دول الجوار ضمن المحيط الإقليمي. وجدد الاجتماع التزام العراق الثابت بعدم السماح باستخدام أراضيه منطلقاً أو ممراً للاعتداء على الدول الشقيقة والصديقة، في إطار مسؤوليته عن حفظ السيادة الوطنية واحترام مبادئ حسن الجوار والقانون الدولي.
من حادث حدودي إلى صراع على الممر الإيراني
استبعد فاخوري أن يكون السيناريو الأول حرباً مباشرة بين دمشق وبغداد، مرجحاً أن يكون أي اشتباك بين القوات السورية وفصائل عراقية مسلحة حاولت العبور أو نقل السلاح. وأوضح أن السيناريو الأكثر احتمالاً كان اشتباكاً محدوداً، ثم تدخل الحكومة العراقية لاحتوائه، لأن دمشق لم تكن تريد فتح جبهة جديدة، وبغداد لم تكن تريد أن تتحول الفصائل إلى سبب في حرب مع سوريا. لكنه حذّر من خطر تحول الحادث المحدود إلى حرب استنزاف حدودية: طائرات مسيّرة، وقصف متبادل، واستهداف قوافل ومخازن سلاح، من دون إعلان حرب رسمي، وقد تصبح القضية أخطر إذا تبين أن الاشتباك ارتبط بمحاولة إيران إعادة فتح الممر البري من العراق إلى سوريا ثم لبنان. ولفت فاخوري إلى أن السيناريو الأخطر تمثل في تدخل الولايات المتحدة أو دول إقليمية لضرب الفصائل داخل العراق، أو تحول المواجهة إلى تعبئة طائفية، عندها تخرج الأزمة من إطار الحدود السورية العراقية، وتصبح جبهة جديدة في الحرب الأميركية الإيرانية.
رسالة ردع لا إعلان حرب
وبخصوص عبارة “لن يمر دون رد” التي تناقلتها بعض المحطات، دعا فاخوري إلى عدم تفسير العبارة تلقائياً على أنها تهديد سوري مؤكد بقصف العراق. ويرى أن الرد الأقرب كان سيكون أمنياً وسياسياً: إغلاق الحدود، منع عبور السلاح والمقاتلين، ضرب أي قوافل تدخل الأراضي السورية، والضغط على بغداد لتفكيك مواقع الإطلاق. أما الانتقال إلى قصف مواقع داخل العراق، فلم يكن ليحدث على الأرجح إلا إذا تكررت الهجمات، وثبتت مواقع الإطلاق، وأصبحت الأراضي السورية أو أمنها مهددين، وفشلت الحكومة العراقية في ضبط الفصائل. وأشار فاخوري إلى ضرورة التمييز بين استهداف الأردن واستهداف إسرائيل، فإذا كان الهجوم على الأردن، كان من السهل على دمشق تبرير تعاونها باعتباره حماية لأمن دولة عربية مجاورة، أما إذا كان الهدف إسرائيل، فكان من المستبعد أن تدخل سوريا عسكرياً إلى العراق دفاعاً عنها، لكنها كانت قد تتحرك لمنع استخدام أراضيها أو لتجنب رد إسرائيلي على سوريا. وخلص إلى أن عبارة “لن يمر دون رد” كانت في تلك المرحلة رسالة ردع مفتوحة، وليست إعلانًا عن قرار سوري جاهز بالتدخل العسكري داخل العراق.
السيادة العراقية.. من ورقة إيرانية إلى أداة ضغط
المنطقة شهدت انعكاساً في طريقة استخدام “السيادة العراقية”، فبعد أن كانت إيران تستخدم ضعفها لصالحها، أصبحت دول الجوار تستخدم مبدأ السيادة ضدها. وأوضح أن إيران كانت تستخدم العراق منصة متقدمة: الفصائل تطلق الصواريخ والمسيّرات، ثم تقول طهران إن هذه جماعات عراقية، وتقول بغداد إنها لم تصدر الأمر، وبهذه الطريقة كانت تبقى المسؤولية موزعة، بينما تحقق إيران هدفها في الضغط على خصومها. لكن دول الجوار بدأت ترفض هذه المنطقة الرمادية، والرسالة الجديدة كانت أن الدولة تتحمل مسؤولية ما ينطلق من أراضيها، بصرف النظر عن اسم الفصيل الذي نفذ الهجوم. وأشار إلى أن سوريا أغلقت الممر باتجاه أراضيها ولبنان، والأردن هدد بالرد على مصادر الهجمات، والسعودية لم تعد تكتفي باعتراض المسيرات، بل انتقلت إلى استهداف الجماعات التي تقف خلفها، في استراتيجية جديدة لم تقم فقط على اعتراض الصاروخ بعد إطلاقه، بل على إغلاق الطريق أمامه، وقطع خطوط الإمداد، وتحميل بغداد مسؤولية ضبط الفصائل. لا يكن يمكن القول إن هناك تحالفاً سورياً أردنياً سعودياً رسمياً لإدارة الحدود العراقية، بحسب فاخوري، والأدق أنه هناك تقاطع واضح في المصالح: منع إيران من استخدام العراق ممراً وساحة لإدارة الحرب بالوكالة.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة