العدالة السورية بين المصالح الدولية وواقع الضحايا: هل تفقد العدالة معناها؟


هذا الخبر بعنوان "العدالة الاعتلالية في سوريا" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٦ آب ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لم يكن سقوط نظام الأسد الإجرامي في الثامن من كانون الأول 2024 وهروب بشار الأسد إلى روسيا نهاية المطاف كما توقّع الكثيرون، بل شكّل بداية لتساؤلات أعمق بكثير من تلك التي سبقت سقوطه. كان الاعتقاد السائد أن انهيار السلطة سيفتح تلقائيًا الباب أمام العدالة، وأن العلاقة المنقطعة بين الجريمة والمساءلة ستعود لطبيعتها، وأن سنوات القتل والاعتقال والتعذيب والإخفاء القسري والتهجير ستجد طريقها أخيرًا إلى القضاء. إلا أن الأشهر التي تلت ذلك كشفت أن إسقاط النظام أمر، وإعادة بناء العدالة أمر آخر تمامًا، وأن المسافة بينهما ليست قانونية فحسب، بل سياسية وأخلاقية واجتماعية ونفسية أيضًا.
لم يكن هروب بشار الأسد إلى روسيا مجرد تفصيل يتعلق بمصير رئيس مجرم مهزوم، بل كان إعلانًا مبكرًا بأن العدالة السورية دخلت منذ لحظتها الأولى في دائرة المصالح الدولية. فالدولة التي دعمت النظام عسكريًا وسياسيًا لسنوات، تحولت إلى الملاذ الذي احتمى فيه رأس النظام بعد سقوطه. لم يكن هذا مجرد لجوء سياسي، بل رسالة مفادها أن القوة لا تزال قادرة على إعادة رسم حدود العدالة، وأن القانون لا يتحرك دائمًا وفق حجم الجريمة، بل وفق قدرة مرتكبها على الاحتماء بموازين القوة. هذا المنطق لم يكن بعيدًا عن الخطاب الفكري الروسي الذي يمثله ألكسندر دوغين، أحد أبرز منظري الأوراسية، والذي دافع مرارًا عن فكرة أن الدولة العظمى لا تتخلى عن حلفائها تحت ضغط الخصوم أو المطالب الأخلاقية، لأن ذلك يعني انهيار هيبتها وفقدان ثقة الحلفاء بها. ومن هذا المنظور، لا يصبح بقاء بشار الأسد في روسيا قضية تتعلق بشخصه أو بجرائمه، بل بقضية تتعلق بصورة روسيا نفسها وقدرتها على حماية من ارتبط بها سياسيًا، بما ينسجم مع رؤيته الأوراسية للدولة بوصفها حامية لحلفائها في مواجهة الضغوط الغربية.
هذه الرؤية الجيوسياسية، مهما بدت منطقية من زاوية المصالح الروسية، تكشف عن إحدى أكثر صور العدالة تعقيدًا. فحين تصبح هيبة الدولة ومكانتها الاستراتيجية مقدمة على حق الضحايا في المساءلة، تتراجع العدالة من كونها حقًا قانونيًا وأخلاقيًا إلى متغير يخضع لحسابات القوة والنفوذ. عندئذ لا يعود السؤال: ماذا تقتضي العدالة؟ بل: ماذا تقتضي مصلحة الدولة؟ وهنا يبدأ الاعتلال، لأن القانون يفقد استقلاله أمام السياسة، وتتحول المحاسبة إلى قرار جيوسياسي لا إلى استحقاق قانوني.
لكن الاعتلال لم يقف عند هذا الحد. ففي الجهة الأخرى من المشهد، بدأت صورة مغايرة تتشكل. لم يعد أبو محمد الجولاني، في الخطاب السياسي والدبلوماسي، هو الاسم الذي ملأ سنوات الحرب، بل أصبح أحمد الشرع، رئيس السلطة السورية المؤقتة الجديدة، وشريكًا تتسابق دول كثيرة إلى فتح قنوات التواصل معه وإعادة إدماجه في المشهد الإقليمي والدولي. وبغض النظر عن التقييم السياسي لهذه التحولات، فإن السؤال الذي يفرض نفسه لا يتعلق بالاسم، بل بالعدالة. هل يكفي أن يتغير الموقع السياسي حتى يصبح الماضي أقل حضورًا؟ وهل تستطيع السلطة الجديدة، أو المجتمع الدولي، أن يفصلا بين الحاضر والماضي من دون أن يمر هذا الفصل عبر مساءلة قانونية وأخلاقية واضحة؟ هنا يبدأ الاعتلال الحقيقي. فالعدالة لا تعتل فقط عندما يفلت المجرم من العقاب، بل أيضًا عندما تبدأ السياسة بإعادة إنتاج صورته. فالعدالة لا تقوم على تبديل الأسماء، ولا على إعادة توزيع الأدوار، بل على مساءلة الإنسان عن أفعاله، أيًا كان موقعه الحالي، وأيًا كانت الحاجة السياسية إليه.
وهكذا وجد السوريون أنفسهم أمام مشهدين مختلفين في الشكل، لكنهما يلتقيان في الجوهر. بشار الأسد نال الحماية الروسية، وأصبح بعيدًا عن يد العدالة. وفي المقابل، شهد أبو محمد الجولاني تحولًا في صورته السياسية، ليصبح أحمد الشرع، ويُقدَّم رئيسًا للدولة الجديدة، بينما بقيت الأسئلة المتعلقة بماضيه وبالانتهاكات التي ارتبطت بالفصائل التي قادها حاضرة في وعي قطاع واسع من السوريين. قد تختلف الظروف، وقد تختلف المسؤوليات، لكن الآلية تبدو متشابهة؛ ففي الحالتين تصبح السياسة أسرع من العدالة، وتصبح إعادة تشكيل الصورة العامة أكثر سهولة من إعادة بناء الحقيقة القضائية. وهنا لا تعود المشكلة أن العدالة غائبة، بل أن العدالة نفسها بدأت تتحرك داخل شبكة من المصالح الدولية القادرة على تحديد إيقاعها وحدودها. فروسيا تنظر إلى سوريا من خلال مصالحها الاستراتيجية وموقعها الدولي، والسلطة السورية الجديدة تنظر إلى روسيا بوصفها دولة لا يمكن تجاهلها في معادلات المنطقة، والدول الغربية بدورها تتحرك وفق أولويات تتداخل فيها العدالة مع الأمن والهجرة والاستقرار وإعادة ترتيب النفوذ. وبين هذه الطبقات كلها، بقيت العدالة تبحث عن مكانها.
قد تبدو هذه الصورة مألوفة في عالم تحكمه المصالح، لكن ما يبدو طبيعيًا في السياسة لا يكون بالضرورة طبيعيًا في الوعي. فالضحية لا تتحدث باللغة نفسها التي تتحدث بها الدول. الدولة تتحدث عن المصالح، وعن ضرورات المرحلة، وعن الواقعية السياسية، بينما يتحدث الإنسان الذي فقد ابنه أو أخاه أو زوجته أو منزله بلغة مختلفة تمامًا، لغة لا تعرف سوى سؤال واحد: هل سيحاسب من فعل ذلك؟ وحين يصبح جواب هذا السؤال معلقًا بما تقرره العواصم، يبدأ الوعي نفسه بالاختلال. فالخلل لا يبدأ عندما تتأخر المحاكمات، بل عندما يتغير مصدر القرار الذي يحكمها. فحين يصبح توقيت العدالة رهنًا بإيقاع السياسة، لا يعود القانون هو الذي يقرر متى تبدأ المساءلة ومتى تتوقف، بل تتوزع سلطة القرار بين العواصم وموازين النفوذ وشبكات المصالح. عندئذ لا تتأخر العدالة فحسب، بل تفقد استقلالها الداخلي، لأن ما يؤجلها ليس نقص الأدلة ولا غياب الوقائع، وإنما فائض الحسابات السياسية. وليس الأمر متعلقًا بروسيا وحدها، بل بالبنية الدولية كلها. فالدول الكبرى تربط ملفات العدالة السورية بحسابات الأمن والطاقة والهجرة والاستقرار الإقليمي، وحتى المؤسسات الدولية، التي يفترض أن تكون أقرب إلى القانون، تجد نفسها تعمل ضمن الحدود التي تسمح بها إرادات الدول النافذة. وهكذا لا يصبح السؤال: هل ارتُكبت الجريمة؟ بل: هل تسمح البيئة السياسية بأن تتحول هذه الجريمة إلى مساءلة؟
ولعل أكثر ما كشف هذا التحول كان الزيارة التي قام بها الرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع إلى موسكو، وما رافقها من تصريحات إيجابية تجاه روسيا. فمن منظور دبلوماسي، يمكن تفسير ذلك بأنه جزء من إدارة العلاقات بين الدول. لكن من منظور الضحايا، بدت الصورة مختلفة تماماً. فروسيا ليست بالنسبة إلى ملايين السوريين دولة محايدة، بل طرفًا ارتبط في ذاكرتهم بالقصف والدمار والتهجير والدعم العسكري والسياسي للنظام السابق. ولهذا، فإن الكلمات التي تُقرأ في السياسة بوصفها براغماتية، قد تُقرأ في الذاكرة بوصفها إهانة غير مقصودة لمعاناة لم تندمل بعد. وهنا يظهر شكل آخر من أشكال الاعتلال. فلم يعد الأمر يقتصر على تأجيل محاسبة من ارتكبوا الجرائم، بل امتد إلى ما يمكن وصفه بمحاولات إعادة تأهيل الأسماء نفسها داخل المجال السياسي. فمن جهة، مُنح بشار الأسد الحماية واللجوء، بما وفر له مظلة تحول دون وصول العدالة إليه حتى الآن. ومن جهة أخرى، يرى كثير من السوريين أن التحول من “أبي محمد الجولاني” إلى “أحمد الشرع” ترافق مع عملية إعادة تقديم سياسية ودبلوماسية تجاوزت، في نظرهم، الأسئلة المتعلقة بالمحاسبة عن الانتهاكات المنسوبة إلى الفصائل التي قادها خلال سنوات الحرب. سواء اتفق المرء مع هذا التوصيف أو اختلف معه، فإن مجرد وجود هذا الشعور لدى شريحة واسعة من السوريين يكشف أزمة عميقة في العلاقة بين العدالة والسياسة. فالعدالة لا تعرف الأسماء الجديدة، ولا الألقاب الجديدة، ولا الشرعيات الجديدة. إنها تعرف الوقائع فقط. وإذا كان القانون يطالب بمحاسبة مسؤول في النظام السابق على أفعاله، فإنه لا يستطيع، حفاظاً على اتساقه الأخلاقي، أن يتجاهل أي انتهاكات أخرى لأن مرتكبيها أصبحوا جزءًا من السلطة الجديدة أو شركاء في ترتيبات المرحلة. وإلا فإن العدالة تتحول إلى معيار انتقائي، لا إلى مبدأ. وهنا تكمن أخطر نتائج العدالة الاعتلالية. فهي لا تطلب من الضحية أن تنسى فقط، بل تجعلها تشعر بأن ذاكرتها أصبحت عبئًا على السياسة. ومع مرور الوقت، لا يتغير الموقف من حادثة بعينها، بل يتغير تصور المجتمع كله لماهية العدالة. يبدأ الناس بالاعتقاد أن القانون لا يتحرك إلا إذا سمحت له المصالح، وأن الحقيقة وحدها لا تكفي، وأن حجم الجريمة ليس هو الذي يحدد حجم المساءلة، وإنما الموقع السياسي لمن ارتكبها، والدولة التي تحميه، والشبكة الدولية التي يحتاجها. وهذا أخطر بكثير من الإفلات من العقاب، لأن الإفلات من العقاب قد يكون نتيجة لفشل العدالة، أما الاعتلال فهو أن تبدأ العدالة نفسها بالتكيف مع هذا الفشل حتى يبدو وكأنه جزء طبيعي من العالم. عندها لا يعود الناس ينتظرون القضاء، بل ينتظرون تبدل التحالفات. ولا يعود السؤال: ماذا يقول القانون؟ بل: ماذا تريد الدول؟ وفي هذه المرحلة، لا تخسر العدالة استقلالها فقط، بل تخسر قدرتها على إنتاج الثقة. والثقة ليست قيمة إضافية يمكن الاستغناء عنها، بل هي الأساس الذي يجعل المجتمع يقبل الاحتكام إلى القانون بدلًا من الاحتكام إلى القوة، ويؤمن بأن الدولة الجديدة ليست مجرد تبديل في الوجوه، بل تبديل في المبادئ أيضًا. وربما لهذا السبب، فإن الخطر الذي يواجه سوريا اليوم لا يتمثل فقط في صعوبة ملاحقة المسؤولين عن الجرائم، بل في اتساع الفجوة بين ما تقوله السياسة وما تحتاج إليه الذاكرة. فكلما اتسعت هذه الفجوة، ازداد شعور السوريين بأن العدالة لم تعد تتحرك وفق منطقها، وإنما وفق منطق آخر لا يملكون التأثير فيه. وحين تصل العدالة إلى هذه المرحلة، لا تكون الحرب قد انتهت فعلًا، لأنها تكون قد انتقلت من الميدان إلى الوعي. تصبح المعركة معركة على معنى العدالة نفسها، وعلى قدرة المجتمع على الإيمان بأن القانون يمكن أن يكون، في يوم من الأيام، أعلى من التحالفات، وأعلى من المصالح، وأعلى من القوة، وأعلى من الحاجة السياسية إلى هذا الطرف أو ذاك. ولهذا، ربما لا يكون السؤال الأكثر إلحاحًا في سوريا اليوم: هل ستبدأ المحاكمات؟ بل: كيف يمكن حماية العدالة من أن تعتاد التأجيل، ومن أن تعتاد الخضوع، ومن أن تعتاد تبييض الصفحات كلما تبدلت موازين القوى؟ لأن العدالة التي تمنح الحماية لاسم، وتمنح النسيان لاسـم آخر، ليست عدالة تؤجل أحكامها فحسب، بل عدالة تفقد معناها. والعدالة التي تتكيف مع القوة لا تعود عدالة متأخرة، بل تصبح عدالة اعتلالية؛ والاعتلال، بخلاف التأخير، لا يصيب مؤسسة بعينها، بل يصيب الوعي الجمعي ذاته، حين يبدأ المجتمع بفقدان ثقته بأن القانون قادر، في أي وقت، على أن يسمو فوق المنتصر، وفوق المهزوم، وفوق الدولة، وفوق القوة نفسها.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة