صندوق النقد الدولي يتوقع نمواً اقتصادياً سورياً بنسبة 10%.. خبراء يحددون مسار التعافي المستدام


هذا الخبر بعنوان "خبيران اقتصاديان لـ سانا: توقعات صندوق النقد بنمو 10 بالمئة تفتح مسار تعافٍ للاقتصاد السوري" نشر أولاً على موقع sana.sy وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٧ آب ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
دمشق-سانا - يفتح الاقتصاد السوري صفحة جديدة بعد سنوات من الانكماش والتهميش الهيكلي، مدعوماً بتقييم صندوق النقد الدولي الذي توقع تجاوز معدل النمو الاقتصادي 10 بالمئة خلال عام 2026. هذه التوقعات تعكس تحسناً في أداء القطاعات الإنتاجية والخدمية، وتطرح تساؤلات حول قدرة الإصلاحات الجارية على تحقيق نمو مستدام.
ويرى خبيران اقتصاديان في تصريحات لـ سانا، أن المرحلة المقبلة تتطلب البناء على هذه المؤشرات عبر تعزيز الإنتاج المحلي، وتطوير القطاع المالي والمصرفي، وتحسين بيئة الأعمال، بما يرسخ الاستقرار الاقتصادي ويمهد لجذب الاستثمارات والاندماج تدريجياً في الاقتصاد العالمي.
أكد الخبير الاقتصادي أدهم قضيماتي لـ سانا، أن نسبة النمو المقدرة بـ 10% وفق توقعات الصندوق تشكل المؤشر الأول لتعافي الاقتصاد السوري، موضحاً أنها مرحلة تحول هيكلية طبيعية تترافق مع الخروج من أزمات الحروب، والتخلص من الاقتصاد المشوه وتجارة الكبتاغون التي اعتمد عليها النظام البائد. وأوضح قضيماتي أن هذه النسبة جاءت نتيجة الاستفادة المثلى من قطاعات الموارد، وإعادة الاستثمار في الطاقات البشرية والأصول الإنتاجية للمؤسسات الحكومية، والانتقال نحو هيكلية أكثر تنظيماً واستدامة؛ مما يعكس بداية مسار ملموس نحو الاستقرار والنمو الشامل.
وبين قضيماتي أن المشاريع الضخمة الحالية التي دخلت سوريا بعد التحرير، كشراكات قطاع الطاقة، تشكل خطوة أولى مشجعة، لافتاً إلى أن التعافي الحقيقي يتطلب تعزيز استدامة القطاع الخاص وتوسيع الاستثمارات للعبور من مرحلة الهشاشة الحالية نحو نمو اقتصادي متكامل ومستدام. كما شدد على ضرورة استباق تراجع إيرادات الترانزيت الاستثنائية بعد انتهاء الحرب الأمريكية – الإيرانية بوضع خطط بديلة، مؤكداً أن الرهان الحقيقي للتعافي الاقتصادي يعتمد على تحفيز القاعدة الإنتاجية الوطنية وتطوير القطاعات المحلية لتوليد موارد مالية دائمة ومستدامة تضمن استقرار الاقتصاد السوري ونهوضه المستقبلي.
وفيما يتعلق بالقطاع النقدي، أشار قضيماتي إلى أنه يحسب للمصرف المركزي جهوده في ضبط الكتلة النقدية للحد من التضخم، ولتعزيز الاستقرار النقدي، ولاسيما طرح العملة الجديدة، لافتاً إلى ضرورة تفعيل السياسة النقدية الشاملة عبر رفع كفاءة أسعار الفائدة والتوسع في تمويل المشاريع الإنتاجية، وخاصة الصغيرة منها، بما يحول أداء القطاع المصرفي إلى محرك حقيقي للتعافي.
وبين أن الاستقرار النقدي يتطلب تحديث التشريعات المصرفية وربطها بالمنظومة العالمية لتمكين المصرف المركزي من أدواته وتفعيل دوره في ضبط التضخم ودعم النمو، مؤكداً أنه رغم ضغوط أسعار الواردات الشديدة، إلا أن الخطوات التنظيمية التي اتخذها المركزي لضبط قطاع الصرافة والتراخيص المالية تشكل ركيزة محورية وأساسية لإعادة بناء الاستقرار الاقتصادي المستدام.
وأكد الخبير الاقتصادي أن تجاوز إرث النظام البائد، الذي كان قائماً على التمويل بالعجز والموارد غير المشروعة، يتطلب مساراً زمنياً متدرجاً لبناء اقتصاد مؤسسي شفاف، والتكامل مع المنظومة النقدية العالمية، وذلك عبر تفعيل الشراكات والروابط مع البنوك الأجنبية، بما يضمن تحقيق الاستقرار والنمو المستدام.
أما بيئة الأعمال في سوريا فشهدت وفقاً لقضيماتي، انتقالاً من مرحلة فرض الأتاوات والقيود إلى تحسن ملموس ينعم بحرية أكبر في التجارة والاستيراد والتصدير، مدعوماً بأنظمة وقوانين تنظيمية ترسخ لمرحلة اقتصادية أكثر استقرارا وشفافية. وأضاف قضيماتي: رغم كون الدعم الفني والبنية التحتية للربط المالي ما زالا في مراحلهما الأولى، إلا أن إحالة وزارة المالية حزمة التشريعات والأنظمة الحديثة إلى مجلس الشعب لإقرارها تشكل خطوة واعدة للنهوض بالقطاع المالي وتمهيد الطريق للتكامل مع المنظومة الاقتصادية العالمية.
بدوره، أكد رجل الأعمال والخبير الاقتصادي فيصل العطري لـ سانا، أن المؤشرات التي طرحها صندوق النقد الدولي في بيانه يعكس تعافياً فعلياً وانطلاقة إيجابية للاقتصاد السوري، بعد انكماش تجاوز 50 بالمئة منذ عام 2010 وفق تقديرات البنك الدولي، عازياً هذا النمو إلى انتعاش قطاعات حيوية، أبرزها الزراعة والنفط والكهرباء، إلى جانب اتساع الطلب المحلي مع عودة نحو 1.5 مليون مواطن وزيادة الإنفاق الحكومي.
وأوضح العطري أن هذا النمو رغم كونه ارتدادياً ويعتمد بدرجة كبيرة على إعادة تشغيل الطاقات المعطلة والتوسع في الأنشطة الخدمية، إلا أنه يشكل قاعدة مشجعة للانتقال نحو تعافٍ هيكلي واستثماري مستدام لتطوير الإنتاج والبنية. وأوضح العطري أن تحقيق فائض مالي وارتفاع الإيرادات الضريبية والجمركية يعكسان تحسناً ملموساً في كفاءة التحصيل وتعافياً نسبياً للنشاط الاقتصادي، إلا أن استدامة هذه النتائج تتطلب قراءة تحليلية متوازنة تميز بين الإيرادات المستدامة والإيرادات الاستثنائية، مثل رسوم التراخيص وعبور الوقود.
وأشار إلى أن الاعتماد على الموارد غير المتكررة في تمويل الموازنة الاستثمارية ينطوي على مخاطر هيكلية، من أبرزها خلق انطباع مضلل باستدامة الإيرادات، وظهور فجوات مالية عند تراجع هذه الموارد، فضلاً عن احتمال تأجيل الإصلاحات الاقتصادية الجذرية، وزيادة الهشاشة أمام الصدمات الخارجية، والتأثير سلباً على التصنيف السيادي.
وشدد العطري على أن حماية الاستقرار الاقتصادي تتطلب خفض الضرائب على المواد الأولية ومستلزمات الإنتاج لدعم التنافسية الصناعية، بالتوازي مع إعادة توجيه الإيرادات الاستثنائية نحو سداد الديون وتعزيز الاحتياطي السيادي بدلاً من ربطها بإنفاق استثماري دائم، إضافة إلى إخضاع عقود التراخيص لرقابة صارمة ونشرها بشفافية، إلى جانب ترشيد الإنفاق الجاري وصياغة الموازنات المقبلة وفق فرضيات ماليّة تحوّطية تضمن الاستدامة.
وبين العطري أن الخطوات النقدية الأخيرة، وعلى رأسها طرح العملة الجديدة وإعادة هيكلة القطاع المصرفي، تشكل ركيزة إيجابية تعزز الثقة النفسية والتنظيمية بالبيئة المالية، غير أن تحويل هذه المكاسب إلى واقع يمنع التضخم من التهام النمو يتطلب تجاوز الأدوات (النقدية التقليدية) غير الكافية لمواجهة “التضخم المستورد” وزيادة الطلب نحو خطة شاملة تمتص السيولة وتوجهها لفرص استثمارية إنتاجية تولد فرص العمل والازدهار.
ورأى العطري أنه لضمان فاعلية هذه السياسات، نحتاج فوراً إلى تحديث تشريعي يمنح البنك المركزي والمصارف استقلالية ومرونة أكبر، مع إعادة تأهيل ميزانيات البنوك وإجراء تقييم شامل للسلامة المالية للمصارف لتحريرها من القيود الإدارية (مثل سقف السحب) لاستعادة ثقة المودعين، وهو شرط لتفعيل أي أداة نقدية.
وأوضح العطري أن الانضباط المالي وتجنب التمويل بالعجز يعد شرطاً أساسياً لعدم تبديد الجهود النقدية، حيث إن كبح التضخم لا يتحقق بالحلول الجزئية، بل بتكامل الانضباط المالي، والإصلاح المصرفي الجذري، وتأمين المخزون الاستراتيجي للحد من الصدمات الخارجية، بما يحمي القوة الشرائية ويدعم استدامة النمو.
ولفت العطري إلى أن تقييم صندوق النقد الدولي من شأنه تعزيز جاذبية بيئة الأعمال السورية، من خلال تقليص حالة الضبابية وتوفير مؤشرات ثقة تشجع الاستثمارات، ولا سيما سريعة العائد، رغم استمرار التحديات المرتبطة بمعدلات الفقر والمخاطر الأمنية. وأوضح أن برنامج الدعم الفني، وتحديث التشريعات المصرفية، وتعزيز إجراءات مكافحة غسل الأموال، تمثل خطوات أساسية للخروج من “القائمة الرمادية” لمجموعة العمل المالي، باعتبار أن استعادة الثقة الدولية في النظام المالي تشكل مدخلاً رئيسياً لإعادة تفعيل علاقات البنوك المراسلة والاندماج مجدداً في النظام المالي العالمي.
وأوضح العطري أن ضبط العجز المالي وتعزيز استقلالية المصرف المركزي، واستئناف مشاورات المادة الرابعة من اتفاقية تأسيس صندوق النقد الدولي (بند قانوني يلزم الدول الأعضاء بإجراء مشاورات تقييمية منتظمة كل عام)، سيسهم بشكل مباشر في خفض علاوة المخاطر السيادية، وتسهيل التدفقات الاستثمارية، واستعادة الثقة الدولية بالنظام المالي المحلي.
وكان صندوق النقد الدولي، أكد في الرابع من شهر آب الجاري أن الاقتصاد السوري يواصل تسجيل مؤشرات تعافٍ متزايدة، متوقعاً أن يتجاوز معدل النمو الاقتصادي 10 % خلال العام الجاري، مع استمرار النمو القوي في عام 2027، مدعوماً بتحسن أداء القطاعات الإنتاجية والخدمية، واستمرار تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد