دمشق تخفض واردات النفط الروسي: ما هي التكاليف الاقتصادية والسياسية؟


هذا الخبر بعنوان "من يدفع كلفة انزياح دمشق عن استيراد النفط السوري؟" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٩ آب ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في تحول لافت في سياسة الطاقة السورية، وافقت دمشق على تقليص وارداتها من النفط الروسي، وذلك في سياق مباحثاتها مع واشنطن حول إمكانية رفع العقوبات الرئيسية المفروضة عليها، بما في ذلك إدراجها ضمن قائمة الدول الراعية للإرهاب. يأتي هذا التطور في وقت أصبحت فيه روسيا المصدر الرئيسي للنفط الخام لسوريا، حيث شهدت شحناتها زيادة بنسبة 75% منذ بداية عام 2026 لتصل إلى حوالي 60 ألف برميل يوميًا. يثير هذا الوضع تساؤلات حول قدرة دمشق على تأمين بدائل دون الوقوع في أزمة وقود حادة، والتكلفة الاقتصادية والسياسية المترتبة على هذا التحول.
دمشق توافق على خفض استيراد النفط الروسي
كشفت وكالة “رويترز” في تقرير لها بتاريخ 4 آب، أن مسؤولين سوريين رفيعي المستوى أبلغوا الولايات المتحدة خلال الأشهر الأخيرة استعدادهم لتقليل واردات النفط الروسي، وذلك أثناء مناقشاتهم حول إمكانية إزالة سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب. ووفقًا لمصدر سوري مطلع على المحادثات، ومسؤول أمريكي، ومصدر آخر مطلع على الأمر، فقد طلبت واشنطن التزامًا من سوريا بخفض كبير في واردات النفط الروسي، وهو ما حصلت عليه. وأوضح المصدر السوري أن المسؤولين الأمريكيين أشاروا إلى أن إنهاء شراء النفط الروسي سيعزز فرص رفع تصنيف سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب بسرعة ودون تعقيدات.
تنويع المصادر.. ضرورة استراتيجية لا رفاهية
من منظور الطاقة والجيوسياسة، يرى الباحث في مجال الطاقة الدكتور مصعب الشبيب أن التعامل مع النفط الروسي يجب أن يستند إلى الواقعية وليس العواطف السياسية. وأوضح الشبيب في حديثه لـ “عنب بلدي” أن تنويع مصادر الطاقة هدف استراتيجي مهم، وقد بدأت سوريا بالفعل في تطبيقه بعد سقوط النظام السابق. وأشار إلى أن الاعتماد على النفط الروسي كان مرتفعًا جدًا في فترات سابقة، حيث اقترب من 70% من الواردات النفطية، لكنه تراجع تدريجيًا مع تنوع المصادر ليقترب من 35% أو أقل وفق تقديرات مختلفة.
وحذر الشبيب من أن التخلي السريع عن النفط الروسي قد لا يكون الخيار الأفضل حاليًا، نظرًا لأن سوريا لا تزال في مرحلة إعادة بناء قطاعها النفطي، ولم تستعد آبارها وحقولها المحلية مستويات إنتاج مقبولة بعد، في ظل تحولات واضطرابات متسارعة في المنطقة. وأكد أن النفط الروسي، رغم الاختلافات السياسية مع موسكو وموقفها السابق من النظام السابق، يظل موردًا مهمًا يمكن الاستفادة منه ضمن سلة مصادر متعددة. وأضاف أن سوريا اليوم بحاجة إلى جميع الأطراف، ولا تسعى لاستبدال تبعية بأخرى، بل تريد بناء شبكة علاقات متوازنة مع روسيا والولايات المتحدة وتركيا والدول العربية وسائر الشركاء.
خفض الواردات ليس محركًا لتطوير الإنتاج المحلي
من الناحية الطاقوية، لا يرى الشبيب أن خفض الواردات الروسية بحد ذاته سيكون المحفز لتسريع تطوير الإنتاج المحلي. وأوضح أن تطوير القطاع النفطي عملية تراكمية تتطلب سنوات من العمل والاستثمار، ولا تقتصر على إعادة تأهيل الآبار فحسب، بل تشمل منظومة متكاملة تتضمن استقدام وتوطين التكنولوجيا، وإعادة تنشيط الآبار المتضررة أو المستنزفة عبر تقنيات متقدمة، إضافة إلى تأهيل محطات المعالجة والفصل والضخ وشبكات النقل وأنظمة المراقبة والتحكم الصناعي. وأشار إلى أن العقوبات السابقة لم تؤثر فقط على التمويل، بل أيضًا على القدرة على استقدام المعدات والتقنيات والخبرات والشركات المتخصصة. لذلك، فإن الوصول إلى إنتاج يتجاوز 100 ألف برميل يوميًا إلى 200 ألف برميل ليس مجرد هدف إنتاجي، بل يتطلب بيئة استثمارية مستقرة وتكنولوجيا وتمويلًا وشراكات دولية.
وخلص الخبير إلى أن الأفضل لسوريا هو تأمين احتياجاتها الحالية من مصادر متعددة، بما فيها النفط الروسي، بالتوازي مع بناء قطاع نفطي محلي قادر تدريجيًا على تقليص الحاجة إلى الاستيراد. فالهدف النهائي ليس استبدال مورد بمورد، بل استعادة أمن الطاقة والسيادة على القرار النفطي.
مخاطر الاستغناء السريع
حذر الشبيب من أن استبدال كميات النفط الخام الروسي لا يمكن أن يتم بين عشية وضحاها دون المخاطرة بوجود نقص في الوقود، مشيرًا إلى أن سوق الطاقة السورية لا يزال هشًا أمام الاضطرابات الإقليمية. وأوضح أنه عند حدوث اضطرابات في خطوط الملاحة أو في مضيق هرمز، تظهر اختناقات سريعة في الإمدادات، مما يعني أن المشكلة لا تكمن فقط في كمية النفط المتاحة، بل في قدرة سوريا على تأمين تدفق مستمر ومستقر للطاقة. ويزداد هذا التحدي مع محدودية طاقات التخزين الاستراتيجي المحلية.
لذلك، يرى الشبيب أن الحل يكمن في بناء منظومة أمن طاقة متعددة الطبقات، تشمل عقود توريد طويلة الأمد مع أكثر من مورد، وتطوير الإنتاج المحلي، وإنشاء احتياطي استراتيجي. واقترح أن تدرس سوريا، في المرحلة الانتقالية، استئجار خزانات نفطية كبيرة في دول مجاورة تمتلك بنية تخزينية متطورة، مثل تركيا، لاستخدامها كاحتياطي يُسحب منه عند حدوث اضطرابات مؤقتة في الإمدادات، مما يمنح سوريا هامش أمان زمنيًا ويمنع تحول كل أزمة إقليمية عابرة إلى أزمة وقود داخلية.
كلفة الاستبدال
أكد الشبيب أن أحد أهم المخاطر الاقتصادية للتحول المفاجئ هو احتمال ارتفاع تكاليف الاستيراد على سوريا في حال اضطرارها للجوء إلى أسواق بديلة بأسعار أعلى أو عبر وسطاء. وأوضح أن استبدال النفط الروسي لا يعني بالضرورة شراء الكمية نفسها بالسعر نفسه، فقد تضطر سوريا إلى التعامل مع موردين أبعد أو وسطاء إضافيين أو خامات تختلف في مواصفاتها، مما يرفع كلفة النقل والتأمين والتمويل والتكرير.
وقدّر الشبيب أنه إذا اضطرت سوريا لاستبدال حوالي 60 ألف برميل يوميًا من الواردات الروسية، وبلغت تكلفة البديل 5 دولارات إضافية للبرميل، فإن العبء الإضافي سيبلغ حوالي 110 ملايين دولار سنويًا. وإذا ارتفع الفارق إلى 10 دولارات، يصل الرقم إلى حوالي 219 مليون دولار، وقد يبلغ حوالي 328 مليون دولار سنويًا إذا بلغ الفارق 15 دولارًا للبرميل. وأشار إلى أن هذه ليست توقعات مؤكدة، بل هي سيناريوهات مالية لتقدير حجم المخاطرة.
صندوق أمان طاقي.. وآلية لامتصاص الصدمات
في ضوء هذه المخاطر، طرح الشبيب مقترحًا بإنشاء “صندوق الأمان الطاقي السوري”. يُموّل هذا الصندوق تدريجيًا من جزء من عوائد النفط والغاز، ورسوم أو هوامش محددة على تجارة المشتقات، ومساهمات استثمارية أو تمويلية خارجية. وأوضح أن مهمة الصندوق المقترح ليست دعم الاستهلاك بشكل دائم، بل امتصاص الصدمات المؤقتة. فإذا ارتفعت كلفة الاستيراد العالمية بصورة استثنائية، يتدخل الصندوق لتعويض جزء من الفارق والحفاظ على استقرار أسعار الوقود داخليًا، ثم يُعاد تكوين احتياطه عندما تنخفض الأسعار.
وقدّر أنه إذا بلغ الفارق الاستثنائي 10 دولارات للبرميل، فإن صندوقًا بحجم أولي يتراوح بين 200 و300 مليون دولار يمكن أن يوفر هامش حماية مهمًا لسوريا في مواجهة صدمات مؤقتة بهذا الحجم. وشدد على أن الفكرة الأساسية هي ألا يدفع المواطن السوري ثمن كل اضطراب جيوسياسي عالمي مباشرة في سعر البنزين والمازوت، فالسوق بحاجة إلى آلية مالية تمتص الصدمات وتحمي السوق والمستهلك، إلى جانب التخزين الاستراتيجي والعقود طويلة الأجل وتنويع الموردين ورفع الإنتاج المحلي.
المصافي السورية.. هل تستقبل البدائل دون تعديلات؟
فيما يتعلق بجاهزية المصافي السورية لاستقبال نفط غير روسي، أوضح الشبيب أن مسألة استبدال النفط الروسي ليست بالبساطة التي قد توحي بها عبارة “يمكن للمصافي السورية استقبال النفط الأمريكي أو الخليجي”. وأشار إلى أن المصفاة لا تتعامل مع النفط كمادة واحدة، بل كسلة خام، ولكل خام خصائصه التي تحدد كيفية عمل وحدات التقطير والتحويل والمعالجة.
وذكر أن مصفاتي حمص وبانياس قادرتان من حيث المبدأ على التعامل مع أنواع مختلفة من الخامات، وقد شهدت بانياس بالفعل أعمال صيانة وتحديث، كما طُرحت مناقصات رسمية لخام خفيف. لكن تشغيلهما بكفاءة عالية على خامات جديدة وبكميات كبيرة يحتاج، بحسب الخبير، إلى دراسات توافقية وقد يستدعي تعديلات في وحدات التقطير والمبادلات الحرارية ووحدات نزع الكبريت والهيدروجين والمحولات الحفزية وأنظمة استرجاع الغازات.
وأضاف أن سوريا تقوم حاليًا بأعمال عمرات وإعادة تأهيل للمصافي، وهي خطوة ضرورية لاستعادة القدرة التشغيلية. لكنه لا يعتقد أن هذه الأعمال وحدها كافية لبناء صناعة تكرير تنافسية وحديثة، فالعمرات تعيد للمعدات جزءًا من كفاءتها، بينما المصفاة الجديدة هي فرصة لإعادة تصميم المنظومة من الأساس وفق مواصفات عالمية ومرونة أكبر في استقبال الخامات. ويرى الشبيب أن الإعلان عن مشروع مصفاة جديدة في منطقة الفرقلس، بطاقة تصميمية تقارب 150 ألف برميل يوميًا مع مجمع بتروكيميائي، هو أمر مهم استراتيجيًا. وشدد على أن المطلوب ليس فقط مصفاة أكبر، بل مصفاة حديثة ذات مرونة عالية ووحدات تحويل عميق ومعالجة هيدروجينية وأنظمة تحكم رقمية متقدمة.
حقول النفط.. هل تتحمل خطة الـ200 ألف برميل؟
فيما يتعلق بخطة رفع الإنتاج المحلي إلى 200 ألف برميل يوميًا، يرى الخبير مصعب شبيب أنها هدف طموح ولكنه ليس مستحيلًا من الناحية الفنية. لكن المشكلة تكمن في أن رفع الإنتاج لا يعني ببساطة مضاعفة عدد الآبار المنتجة، بل يتطلب رفع قدرة المنظومة النفطية كاملة، من رأس البئر وحتى المصفاة. وأوضح أن هناك آبارًا تحتاج إلى إعادة تأهيل، ومحطات ضخ وتجميع وفصل وخزانات وخطوط نقل تعرض جزء كبير منها للتضرر أو التوقف خلال سنوات الحرب. وقد بدأت فرق الشركة السورية للبترول بالفعل بإعادة تأهيل الآبار ومحطات الضخ ومنشآت التخزين والنقل، وهو أمر مهم ولكنه يمثل المرحلة الأولى فقط.
وحذر الشبيب من عكس المعادلة، مؤكدًا أنه لا ينبغي خفض الواردات أولًا ثم انتظار ارتفاع الإنتاج المحلي. والأفضل هو وجود مسار متوازٍ يجمع بين عقود استيراد انتقالية تضمن أمن السوق، وتوجيه جزء متزايد من التمويل إلى إعادة تأهيل الآبار وإعادة بناء خطوط النقل وإنشاء محطات التجميع والمعالجة وتحديث أنظمة التحكم والأتمتة. وشدد على أن الوصول إلى 200 ألف برميل يوميًا يجب أن يُنظر إليه كمشروع وطني متكامل لإعادة بناء سلسلة القيمة النفطية. وإذا نجحت سوريا في ذلك، فإن كل 10 آلاف برميل يوميًا إضافية من الإنتاج المحلي لا تعني فقط تقليل فاتورة الاستيراد، بل زيادة المرونة في مواجهة الأزمات السياسية والإقليمية.
المخزون الاستراتيجي.. هامش أمان لا يتجاوز شهرين
فيما يخص المخزون الاستراتيجي السوري، قدّر الشبيب أن هامش الأمان أمام سوريا ليس كبيرًا، ويمكن تقدير المخزون القابل للاستخدام بنحو شهرين كحد أقصى في الظروف الحالية، مع التأكيد أن الرقم الدقيق غير معلن رسميًا. وحذر من أن أي انقطاع طويل أو متكرر في الإمدادات لن يبقى محصورًا في قطاع النفط، بل سينتقل سريعًا إلى الكهرباء والنقل والتدفئة وسائر القطاعات الاقتصادية. وتوقع أن تكون سوريا أمام احتمال تقنين الكهرباء والتدفئة خلال الشتاء المقبل إذا اجتمعت عدة عوامل في وقت واحد: تأخر شحنات الوقود، ارتفاع الطلب الشتوي، محدودية الإنتاج المحلي، وعدم كفاية المخزون الاستراتيجي.
ودعا إلى البدء بالتحضير من الآن عبر عقود توريد طويلة الأجل ومتعددة المصادر، وزيادة المخزون الاستراتيجي، وتأمين خزانات إضافية داخل سوريا أو عبر استئجار سعات تخزينية في دول مجاورة، بالتوازي مع تسريع إعادة تأهيل الحقول والمصافي. ويرى أن الهدف يجب أن يكون بناء مخزون يغطي 60 يومًا على الأقل في المرحلة الأولى، وصولًا إلى 90 يومًا، مع وجود آلية مالية مثل “صندوق الأمان الطاقي” للتدخل عند ارتفاع الأسعار أو انقطاع الإمدادات.
الفارق السعري.. أرقام تقريبية لكلفة التنويع
أوضح الشبيب أن الخصم الذي يُمنح على بعض الخامات الروسية هو في الأساس تخفيض في سعر البيع من جانب المورد الروسي نتيجة ظروف السوق ومخاطر العقوبات والنقل والتأمين، وليس دعمًا ماليًا مقدمًا لسوريا. وقدّر أنه إذا افترضنا أن فقدان هذا الخصم وفروقات الشحن والتأمين والتمويل ستضيف في المتوسط حوالي 10 دولارات إلى كلفة البرميل، فإن استبدال 50 ألف برميل يوميًا سيعني عبئًا إضافيًا يقارب 500 ألف دولار يوميًا، أو 15 مليون دولار شهريًا، ونحو 182.5 مليون دولار سنويًا على أساس استمرار الكميات والأسعار نفسها.
وخلص إلى أن الانتقال يجب أن يكون تدريجيًا ومدروسًا، مع عقود طويلة الأجل ومصادر متعددة، حتى لا تتحول كلفة التنويع إلى عبء كبير على الخزينة أو المستهلك السوري. وأكد أن السؤال الأهم ليس ما إذا كانت سوريا تستطيع الاستغناء عن النفط الروسي، بل هل لديها اليوم البدائل والمخزون والبنية التحتية التي تسمح لها بذلك دون أن يدفع المواطن والاقتصاد ثمنًا باهظًا.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد