ياسر الأقرع: من حقول حمص إلى ذاكرة الوطن.. الشعر كصوت للكرامة والهوية


هذا الخبر بعنوان "ياسر الأقرع… الشعر ذاكرة الوطن وصوت الكرامة" نشر أولاً على موقع sana.sy وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٩ آب ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في هدوء حي دير بعلبة بمدينة حمص، حيث تتنافس نساء القرية في زراعة الورد، نشأت الملامح الأولى للتجربة الشعرية للشاعر ياسر الأقرع. وجد في أحضان الأرض الزراعية، منذ طفولته المبكرة، نافذة فريدة لرؤية الحياة والتعبير عن الإنسان والوطن من خلال الكلمة الموزونة. لم تكن الطفولة الهادئة سوى حجر الأساس، إذ اتسعت تجربته الإبداعية لتصقلها الدراسة الأكاديمية والبحث الأدبي المعمق، لتشهد قصيدته اليوم على محطات فارقة شكلت هويته الشعرية الاستثنائية.
في حوار مع سانا الثقافية، يستعيد الأقرع بداياته وتكوينه الأكاديمي، ويتوقف عند دواوينه وتجربته في الغربة، وعلاقته بحمص وسوريا، ورؤيته لدور الشعر في زمن الصورة والسرعة.
يستعيد الأقرع أثر المكان الأول في تكوينه، واصفاً دير بعلبة في سبعينيات القرن الماضي بأنها كانت قرية هادئة وادعة، تحيط بها الأراضي الزراعية. ويرد الفضل في اكتشاف موهبته الشعرية إلى عمه الأستاذ أحمد الأقرع، الذي آمن بموهبته وهو في الثانية عشرة من عمره، مما جعله يرى الحياة بعيني شاعر.
درس الأقرع اللغة العربية في جامعة حمص ونال الإجازة عام 1998، ثم الماجستير بامتياز عام 2003. ويرى أن الدراسة الأكاديمية أتاحت له الاطلاع العميق على التجارب الشعرية القديمة والحديثة، والمدارس النقدية، مما جعله "شاعراً لحظة الإبداع، وناقداً عند مراجعة ما أكتب". ويضيف أن الشاعر يحتاج إلى أدوات النقد لمراجعة نصه وتمحيصه، معتبراً أن عدم امتلاكه لهذه الأدوات يترك نصه عرضة لنقد خارجي.
كان الأقرع قد شارف على إتمام رسالة الدكتوراه عندما اندلعت الثورة في سوريا، فاختار بين الحصول على الشهادة والحفاظ على "شهادة الكرامة". أصبحت الثورة السورية مركز اهتمامه ومدار نتاجه الشعري، وفُصل من الجامعة بعد انتشار قصائده المتعلقة بالثورة. ويرى أن عودته اليوم لاستكمال الدكتوراه تمثل "انتصاراً للمبدأ الذي فُصلت بسببه، انتصاراً للثورة ومبادئها".
صدر ديوان الأقرع الأول "غداً تمحوكَ ذاكرتي" عام 1998، ويصف علاقته به بعلاقة الوالد بولده البكر. ويرى أن المسافة بين تجربته الأولى وديوانه الأخير "سوريّتي" تختزل تحولاً فنياً ووجدانياً كبيراً؛ ففي الديوان الأول كان صوته "عفوياً مباشراً شفافاً"، بينما أصبح في "سوريّتي" أكثر نضجاً وقيمة وتأثيراً.
بعد إصدار سبعة دواوين شعرية وجمعها في "الأعمال الشعرية الكاملة"، يستعيد الأقرع مسيرته منذ الطفولة، وصولاً إلى مرحلة أصبحت فيها قصائده تتردد على ألسنة الناس، معتبراً أن الطريق كان شاقاً وطويلاً، لكنه "كان يستحق السير فيه العمر كله".
غادر الأقرع سوريا عام 2014 واستقر في عمّان، ويصف تجربة الاقتلاع من الوطن بأنها "كانتزاع الروح من الجسد". وأن سنوات المنفى استنزفت العمر بالحسرة والألم، وتسربت هذه المشاعر إلى قصائده. ويشير إلى أن حضوره الشعري عن سوريا، ولا سيما عن حمص، حمل زخماً عاطفياً كبيراً.
قضى سنوات غربته في الأردن، حيث لاقى الاهتمام وحظي بحرية التعبير عن مشاعره تجاه وطنه وموقفه من الثورة، مستذكراً تكريمه من الديوان الملكي الأردني.
بعد عودته إلى سوريا، عاد الأقرع إلى المنابر الشعرية، حيث وقف أمام الجمهور في حماة، طالباً أن تكون أولى قصائده عن حمص. ويصف تلك اللحظة بأنها لم تكن لقاءً شعرياً فحسب، بل "نفخة روح في جسد مات في المنفى ثم بُعث من جديد"، في تعبير يلخص الصلة الوجدانية التي تربطه بالمكان الأول.
يعرّف الأقرع الشعر بأنه "أداة تعبير وتأثير وتغيير، شرطها الجمال". ويرى أن الشعر مرتبط بوجدان الأمة ومتجذر في أعماق أبنائها، ولذلك سيبقى حاضراً ومؤثراً. ويحمّل الشاعر العربي المعاصر مسؤوليتين متكاملتين: أخلاقية، تتمثل في الدفاع عن القيم العليا ونصرة أهله، وفنية، تفرض عليه الاشتغال على قصيدته حتى تبلغ مستوى عالياً من الجودة.
عن مشروعاته المقبلة، يقول الأقرع: إنه بعد الحصول على شهادة الدكتوراه سيعود إلى الشعر متلهفاً مشتاقاً، كاشفاً عن قرب صدور ديوانه الجديد. وفي اختصار رحلته الشعرية، يضع الأقرع معياراً يراه فاصلاً بين تجربتين: "شاعر يعرف جيداً أنَّ ثمة فرقاً كبيراً بين من يريد أن يحدثَ ضجيجاً ومن يريد أن يبني مجداً".
سوريا محلي
ثقافة
اقتصاد
ثقافة