المرحلة الانتقالية في سوريا: بين طموحات الديمقراطية وتكريس الاستبداد


هذا الخبر بعنوان "المرحلة الانتقالية.. الهرولة نحو نفق الاستبداد" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٩ آب ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
المرحلة الانتقالية ليست مجرد فترة زمنية تفصل بين نظامين، ولا هي فرصة للسلطة الجديدة لإعادة إنتاج أدوات السيطرة القديمة بصيغ مختلفة. في التجارب الناجحة للانتقال من الاستبداد إلى الديمقراطية، كانت هذه المرحلة فرصة تاريخية لإعادة بناء العقد الاجتماعي، وإصلاح مؤسسات الدولة، وترميم الثقة بين المجتمع والسلطة، ووضع الأسس الدستورية والقانونية والسياسية لدولة حديثة تقوم على المواطنة وسيادة القانون. لكن عندما تتحول هذه المرحلة إلى وسيلة لتكريس منظومة سلطوية جديدة، فإنها تفقد وظيفتها ومعناها الحقيقي، وتصبح امتدادًا للماضي بدلًا من أن تكون في حالة قطيعة معه.
بعد مرور سنة وثمانية أشهر على سقوط نظام الأسد، واستحواذ السلطة الحالية على فترة انتقالية تمتد لخمس سنوات، يصبح من المشروع التساؤل عن ملامح هذه المرحلة الانتقالية والخطوات التي يفترض أن تؤسس لسوريا الجديدة، استجابة لمطالب السوريين في الحرية والكرامة، بما يعني إعلاء كلمة القانون والمساواة في المواطنة. المرحلة الانتقالية ليست زمنًا مجانيًا، بل زمن سدد السوريون مقابله فواتير دم وتشرد، وهي مسؤولية تاريخية تستوجب استثمار كل يوم فيها لمعالجة إرث عقود من الاستبداد، وإعادة بناء الدولة على أسس مختلفة تمامًا عما عرفه السوريون خلال العقود الماضية.
كان من المنتظر أن تكون الأولوية لإطلاق مشروع وطني جامع يفتح أبواب الحوار بين مختلف مكونات الشعب السوري بعد سنوات طويلة من الانقسام والدماء والكراهية. وكان من الطبيعي أن تتجه الجهود نحو بناء جسور الثقة بين جميع المكونات السورية التي فرقتها الحرب والسياسات السابقة. وكان يفترض أن يشعر الجميع بأن الدولة الجديدة تتسع لهم جميعًا دون أي تفريط بحقوق الضحايا، وأن لا مكان فيها لمنطق الغلبة أو الاحتكار أو الإقصاء.
لكن ما يجري على الأرض يبعث على القلق ويحطم كل يوم كل فسحات الأمل. فالسلطة تبدو منشغلة قبل كل شيء بتعزيز منظومتها السلطوية وإحكام قبضتها على مفاصل الدولة والسيطرة على كل مؤسساتها بحق ودون وجه حق. وبدلًا من بناء مؤسسات وطنية تمثل السوريين جميعًا، يجري تكريس مؤسسات تدين بالولاء للسلطة أكثر مما تدين بالولاء للدستور أو للقانون أو للمصلحة العامة. ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل يمتد إلى الإمساك بخناق السلطات الدستورية كافة بصلاحيات لم يحظَ بها فرعون نفسه. فالقضاء الذي يفترض أن يكون مستقلًا والضامن الأول للحقوق والحريات، لا يبدو بعيدًا عن تأثير وهيمنة السلطة التنفيذية، أو لنكن أكثر دقة، هو تمامًا في قبضة الرئيس بلا منازع. والبرلمان الذي يفترض أن يكون ممثلًا للشعب ورقيبًا على الحكومة ليس في حقيقته سوى انعكاس للإرادة السامية للرئيس أيضًا، لذلك سيبقى عاجزًا عن أداء هذا الدور في ظل آليات تشكيل لا تمنحه الاستقلالية الكافية ولا القدرة على ممارسة الرقابة الحقيقية أو التشريع الحر.
إن جوهر المرحلة الانتقالية هو الحد من تركيز السلطة لا توسيعه، وبناء الضمانات الدستورية لمنع عودة الاستبداد وليس إعادة إنتاجه بصيغ جديدة. وهو أيضًا توسيع الشراكة الوطنية والمشاركة السياسية وليس احتكار القرار. وهو أيضًا فتح المجال العام أمام الأحزاب والنقابات ومنظمات المجتمع المدني ووسائل الإعلام المستقلة، لا تضييق مساحات العمل العام وإبقاؤها تحت السيطرة.
ليس من المقبول أن تتحول خمس سنوات انتقالية إلى فترة لتثبيت الأمر الواقع، بينما تتراجع الملفات التي تمثل جوهر أي تحول ديمقراطي، كالمصالحة الوطنية والإصلاح القضائي والعدالة الانتقالية وإعادة هيكلة المؤسسات الأمنية والعسكرية وفق قواعد مهنية ووطنية، وإطلاق سراح النقابات، والبحث الجدي عن صيغة اللامركزية المناسبة للحكم المحلي بما يضعف القبضة المركزية للسلطة، والإعداد لدستور دائم يعبر عن الإرادة الحرة للمجتمع، وصولًا إلى انتخابات نزيهة وتنافسية تمنح السوريين حق اختيار من يحكمهم. فالدول لا تُدار بالمراسيم ولا بالقرارات الفوقية ولا بتوسيع صلاحيات السلطة التنفيذية للدرجة التي تبتلع فيها بقية السلطات في انتهاك فظ لمبدأ فصل السلطات.
لقد دفع السوريون ثمنًا باهظًا خلال السنوات الماضية، وكان أملهم أن تكون نهاية النظام السابق بداية لعهد جديد، لا مجرد انتقال للسلطة من منظومة مغلقة إلى منظومة أكثر انغلاقًا. فالحرية التي خرج السوريون من أجلها لم تكن تعني تغيير أشخاص فقط، وإنما تغيير طريقة الحكم نفسها، وبناء دولة يكون فيها للمواطن صوت وقرار. ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن تواجهه سوريا اليوم ليس فقط ضياع فرصة تاريخية لفعل ذلك، بل ترسيخ قناعة لدى السوريين بأن ما يسمى بالفترة الانتقالية ليست انتقالًا إلى المستقبل، وإنما مجرد محطة لإعادة إنتاج الاستبداد مرة أخرى. وإذا استمر هذا المسار فإن السنوات الخمس التي انقضى ثلثها الآن لن تكون جسرًا للعبور نحو الدولة الديمقراطية المأمولة، بل ستكون زمنًا إضافيًا مهدورًا يضاف إلى عقود طويلة أضاعتها البلاد في دوامة البطش واحتكار الثروة والسلطة وتهميش المجتمع.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة