سوريا وروسيا: مذكرة تفاهم جديدة تعيد تشكيل العلاقات وتؤكد السيادة السورية


هذا الخبر بعنوان "سوريا وروسيا بعد التحرير.. لقاءات بارزة ونقاط حاسمة أعادت رسم العلاقات" نشر أولاً على موقع sana.sy وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٩ آب ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تشكل مذكرة التفاهم المبرمة بين سوريا وروسيا، والتي تنظم الوجود الروسي في الساحل السوري، نقطة تحول جديدة في مسار العلاقات الثنائية. جاءت هذه المذكرة بعد عام ونصف من المفاوضات المكثفة، بهدف إعادة صياغة العلاقات بما يتناسب مع المرحلة الجديدة التي تمر بها سوريا، مع التأكيد على احترام سيادتها ومصالحها الوطنية.
بموجب المذكرة، ستبدأ عملية إعادة تنظيم الوجود الروسي في الساحل السوري، حيث ستتولى الدولة السورية إدارة المنشآت ذات الطابع المدني، بما في ذلك مطار حميميم والرصيف التجاري الرابع في ميناء طرطوس، تمهيداً لإدخالهما ضمن منظومة الإدارة المدنية.
تأتي هذه الخطوة تتويجاً لمسار طويل من الاتصالات والمباحثات بدأ عقب تحرير سوريا، حيث تم التأكيد على ضرورة إعادة تعريف طبيعة العلاقات مع الدول المختلفة على أساس احترام السيادة الوطنية والمصالح المشتركة. وقد شهدت العلاقات مع روسيا، التي ارتبطت خلال عهد النظام السابق باتفاقيات أثارت تساؤلات حول مدى مراعاتها للمصلحة الوطنية، إعادة تقييم شاملة.
مسار متدرج لإعادة بناء العلاقات:
بدأت ملامح المسار الجديد للعلاقات السورية-الروسية مع استقبال الرئيس أحمد الشرع في 29 كانون الثاني 2025، وفداً روسياً برئاسة ميخائيل بوغدانوف. وأكد الرئيس الشرع خلال اللقاء على ضرورة معالجة أخطاء الماضي في العلاقات مع روسيا، واحترام إرادة الشعب السوري ومصالحه، مشدداً على بناء مستقبل يقوم على العدالة والكرامة والسيادة.
من جانبه، أكد الجانب الروسي دعمه للتغييرات الإيجابية في سوريا، وسلط الضوء على دور روسيا في إعادة بناء الثقة من خلال تدابير ملموسة كالتعويضات وإعادة الإعمار.
وفي 12 شباط 2025، أكد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في اتصال هاتفي مع الرئيس الشرع، دعم بلاده لوحدة الأراضي السورية وسيادتها واستقرارها، وأبدى استعداد موسكو لإعادة النظر في الاتفاقيات المبرمة مع النظام السابق.
شكلت زيارة وزير الخارجية والمغتربين أسعد حسن الشيباني إلى موسكو في 31 تموز 2025 محطة مهمة، حيث أكد اللقاء مع الرئيس بوتين انطلاق مرحلة جديدة من التفاهم السياسي والعسكري بين البلدين، تقوم على احترام السيادة السورية ودعم وحدة الأراضي.
وشدد الرئيس بوتين على رفض روسيا القاطع لأي تدخلات إسرائيلية أو محاولات لتقسيم سوريا، مؤكداً التزام موسكو بدعم سوريا في إعادة الإعمار واستعادة الاستقرار. وتجدد هذا الموقف خلال لقاء الشيباني مع نظيره الروسي سيرغي لافروف، الذي أكد دعم بلاده للحفاظ على وحدة سوريا وسيادتها وسلامة أراضيها، واستعداد موسكو لتقديم الدعم الممكن لجهود التعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار.
في 9 أيلول 2025، استقبل الرئيس الشرع وفداً روسياً رفيع المستوى برئاسة نائب رئيس الوزراء ألكسندر نوفاك، وبحث الجانبان سبل تطوير العلاقات والتعاون في مختلف المجالات. وأوضح الشيباني أن تحرير سوريا أتاح فتح صفحة جديدة مبنية على الاحترام المتبادل، وأن أي وجود أجنبي يجب أن يهدف إلى مساعدة الشعب السوري على بناء مستقبله.
إعادة تعريف طبيعة الوجود الروسي:
قبيل زيارة الرئيس الشرع إلى موسكو في منتصف تشرين الأول 2025، أكد وزير الخارجية الروسي أن الرئيس بوتين أعلن مراراً أن روسيا لن تبقى في سوريا في حال رفضت القيادة السورية ذلك، وطرح إمكانية أن يكون أحد مهام الوجود الروسي إنشاء مركز إنساني يستخدم الميناء والمطار لتوصيل المساعدات.
في 15 تشرين الأول 2025، أجرى الرئيس الشرع زيارته الأولى إلى موسكو، والتقى الرئيس بوتين في قصر الكرملين، حيث بحثا العلاقات الثنائية وسبل تعزيز التعاون الاستراتيجي. وأكد الرئيس الشرع أن سوريا تسعى لإعادة بناء علاقاتها مع الدول الإقليمية والدولية، وفي مقدمتها روسيا، مع احترام الاتفاقيات السابقة والعمل على إعادة تعريف طبيعة العلاقات بما يضمن استقلال القرار السوري والسيادة الوطنية.
من جانبه، أوضح الرئيس بوتين أن العلاقات السورية-الروسية تمتد لأكثر من 80 عاماً، مشدداً على أهميتها وضرورة استئناف أعمال اللجنة الحكومية المشتركة وتعزيز التعاون الاقتصادي.
تواصلت المباحثات خلال الأشهر التالية، حيث زار الوزير الشيباني موسكو في 24 كانون الأول 2025، وبحث مع لافروف سبل دعم التعافي في سوريا وإعادة الإعمار، والتأكيد على أهمية الحفاظ على وحدة سوريا وسيادتها وسلامة أراضيها.
في 28 كانون الثاني 2026، أجرى الرئيس الشرع زيارته الثانية إلى موسكو، وعقد اجتماعاً موسعاً مع الرئيس بوتين. وأكد الرئيس الشرع أهمية الدور الروسي في دعم وحدة سوريا واستقرارها، مشيراً إلى تجاوز سوريا لتحديات كبرى، ومعرباً عن الأمل بالانتقال إلى مرحلة الاستقرار والسلام.
من جهته، شدد بوتين على أهمية تنمية العلاقات الثنائية، ولا سيما الاقتصادية، معتبراً عودة مناطق شرق الفرات إلى سلطة الدولة السورية خطوة مهمة في تعزيز وحدة الأراضي السورية.
تفاهمات حول التعاون والوجود العسكري:
في 4 شباط 2026، زار وفد روسي رفيع المستوى دمشق، ضم وزير الإسكان إريك فايزولين، ومستشار الرئيس الروسي إيغور ليفيتين، ونائب وزير الدفاع الجنرال يونس بك يفكيروف. وبحث الوفد مع وزيري الخارجية والمغتربين أسعد حسن الشيباني والدفاع اللواء مرهف أبو قصرة، الوجود العسكري الروسي وآفاق التعاون العسكري والاقتصادي والتنموي.
تندرج هذه اللقاءات والمباحثات المتتالية في إطار مسار تدريجي لإعادة تنظيم العلاقة السورية-الروسية، بما يتناسب مع المرحلة الجديدة في سوريا، ويضع القضايا ذات الصلة بالوجود الروسي ضمن إطار تفاهمات واضحة بين الحكومتين.
مرحلة جديدة من العلاقات:
تعكس مذكرة التفاهم السورية-الروسية توجه سوريا نحو إعادة بناء علاقاتها الخارجية على أساس السيادة الوطنية والاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، بعيداً عن سياسة المحاور التي حكمت علاقات النظام السابق. ولا تمثل المذكرة مجرد ترتيبات تتعلق بالوجود الروسي، بل تعكس تحولاً في طبيعة العلاقة بين دمشق وموسكو، من علاقة ارتبطت بظروف سياسية وعسكرية فرضها النظام السابق، إلى علاقة تسعى سوريا لتنظيمها وفق قواعد جديدة تضع السيادة والمصلحة الوطنية في صدارتها.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة