اتفاق مكة: هل هو بداية نظام أمني جديد في غرب آسيا أم مجرد ترتيب دفاعي؟


هذا الخبر بعنوان "اتفاق مكة.. هل نحن أمام بداية نظام أمني جديد في غرب آسيا؟" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٩ آب ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لا يمكن النظر إلى اتفاق الدفاع المشترك الذي جمع السعودية وتركيا وباكستان في مكة على أنه مجرد اتفاق أمني جديد، فالمنطقة تزخر بالتحالفات والضمانات الدفاعية. دول مجلس التعاون الخليجي الست لديها بالفعل ترتيبات أمنية مشتركة، بالإضافة إلى شبكة واسعة من العلاقات الدفاعية التي تربط دول المنطقة بالولايات المتحدة ومصر والأردن وباكستان. لذلك، يكمن السؤال الجوهري ليس في مضمون الاتفاق، بل في الأسباب التي دفعت السعودية إلى البحث عن إطار جديد في هذا التوقيت، ولماذا وقع الاختيار على تركيا وباكستان تحديداً.
من اللافت للنظر أن الدول الخليجية الخمس الأخرى لم تنضم إلى الاتفاق، وأن مصر، رغم علاقاتها الوثيقة بالسعودية ومشاركتها في الإطار التشاوري الذي يجمعها بتركيا وباكستان والسعودية، بقيت خارجه. هذا الغياب يثير تساؤلاً لا يقل أهمية عن الاتفاق نفسه: هل نحن أمام مشروع لتحالف أمني إقليمي واسع، أم أمام ترتيب محدد فرضته ظروف الدول الثلاث في هذه اللحظة؟ الأرجح أننا أمام محاولة لبناء طبقة أمنية جديدة فوق الترتيبات القائمة، لا لإلغائها.
تسعى السعودية إلى توسيع شبكة ضماناتها في بيئة تتزايد فيها المخاطر، والتي تمتد بين مضيق هرمز وباب المندب والبحر الأحمر، وتشمل أمن الطاقة والصواريخ والطائرات المسيرة. في المقابل، ترغب تركيا في ترسيخ مكانتها كقوة إقليمية قادرة على التحرك باستقلالية أكبر. أما باكستان، فلديها حسابات أكثر تعقيداً؛ فهي شريك أمني للسعودية، وشريك استراتيجي للصين، وعلاقاتها بتركيا تتعمق، وفي الوقت نفسه تحاول الحفاظ على قنواتها مع إيران والاحتفاظ بدور الوسيط بين الأطراف المتعارضة.
لهذه الأسباب، يصعب اختزال الاتفاق في كونه موجهاً ضد إيران. فباكستان تحديداً لا تبدو مستعدة لتحويل موقعها الوسيط إلى موقع عدائي تجاه طهران، كما أن تركيا لا تبدي رغبة في الدخول في مواجهة إقليمية جديدة. ومع ذلك، فإن إيران حاضرة في الحسابات؛ فوجودها الجغرافي والعسكري وتأثيرها في أمن مضيق هرمز يجعلانها عنصراً أساسياً في أي إعادة صياغة للترتيبات الأمنية في المنطقة، سواء كانت هدفاً مباشراً أم لا.
يبقى اليمن أحد الاختبارات الحقيقية. فالسعودية لا تواجه تحدياتها الأمنية في الخليج فحسب؛ موقعها يجعلها معنية أيضاً بالبحر الأحمر وباب المندب. وإذا تجددت المواجهة مع أنصار الله، فسيظهر المعنى الفعلي لاتفاق مكة: هل يعني التزاماً بالتدخل العسكري، أم أنه إطار للردع والتنسيق والدعم الدفاعي؟ حتى الآن لا توجد إجابة قاطعة، ولذلك من الخطأ تحويل الاتفاق إلى إعلان عن حرب مقبلة.
تتواجد إسرائيل والولايات المتحدة في خلفية المشهد، حتى وإن لم يكن الاتفاق موجهاً إليهما. إسرائيل أصبحت عاملاً دائماً في حسابات الأمن الإقليمي، والولايات المتحدة لا تزال القوة الخارجية الأكثر تأثيراً في المنطقة. لكن هناك فارقاً بين استمرار النفوذ الأمريكي وبين الاعتماد عليه كضمان وحيد للأمن. وهذا الفارق قد يكون أحد مفاتيح فهم اتفاق مكة؛ فالسعودية لا تحتاج إلى قطع علاقاتها بواشنطن لتبحث عن بدائل، بل تريد ألا يكون أمنها مرهوناً بموقف إدارة أمريكية واحدة أو بتغير الأولويات الأمريكية. بمعنى آخر، قد لا يكون ما يجري انتقالاً من التحالف مع الولايات المتحدة إلى التحالف ضدها، بل انتقالاً من الاعتماد على ضمان واحد إلى توزيع المخاطر بين عدة قوى.
وهنا يصبح غياب مصر مهماً للغاية. فمصر ليست دولة هامشية في أي تصور لأمن غرب آسيا؛ لديها ثقل عسكري وسكاني وجغرافي، وتتحكم بقناة السويس، وترتبط مباشرة بأمن البحر الأحمر، ولها علاقات وثيقة بالسعودية، كما أنها طرف لا يمكن تجاهله في أي ترتيبات تخص المشرق والخليج والبحر الأحمر. لذلك فإن عدم دخولها الاتفاق قد يعني أن القاهرة لا ترى فيه بعدُ الإطار المناسب لمصالحها، أو أنها تفضل انتظار اتضاح اتجاهه قبل الالتزام به. وفي الحالتين، سيكون الموقف المصري من أهم المؤشرات على مستقبل هذا الترتيب.
أما العراق وسوريا، فهما خارج الاتفاق حالياً، لكن من الصعب تصور نظام أمني مستقر في غرب آسيا من دونهما على المدى البعيد. العراق يقع في قلب التوازن بين إيران وتركيا والخليج، وسوريا تقع عند تقاطع المشرق وتركيا والعراق وشرق المتوسط. وقد لا يكون مطلوباً أن تكونا جزءاً من الاتفاق الآن، لكن أي إعادة رسم حقيقية للأمن الإقليمي ستضطر في النهاية إلى التعامل مع جغرافيتهما ومصالحهما.
ثم يأتي مضيق هرمز ليضع هذه الملفات كلها في إطار واحد. فالمسألة ليست فقط من يستطيع إغلاق المضيق، وإنما من يستطيع التأثير في قواعد الملاحة فيه، ومن يملك القدرة على تحويل الجغرافيا إلى نفوذ سياسي. وإذا نجحت التفاهمات الإيرانية–العُمانية في إنتاج ترتيبات جديدة ومستقرة للملاحة، فإن ذلك سيكون تطوراً يتجاوز الأزمة الحالية إلى إعادة تعريف العلاقة بين القوة والجغرافيا في واحد من أهم الممرات البحرية في العالم.
لذلك، لا أرى من الحكمة وصف اتفاق مكة الآن بأنه «ناتو إسلامي»، كما لا أراه مجرد اتفاق بروتوكولي. الأرجح أنه محاولة لاختبار إمكانية بناء إطار أمني أكثر مرونة في لحظة تشعر فيها دول المنطقة بأن النظام القديم لم يعد يوفر وحده الإجابات التي كان يوفرها سابقاً. ولا توجد حتى الآن أدلة كافية للقول إن هناك صفقة سرية مكتملة تحت الطاولة، ومن الخطأ تحويل الغموض إلى يقين. لكن الغموض نفسه يستحق المتابعة. فإذا بقي الاتفاق ثلاثياً، فسيكون اتفاقاً دفاعياً مهماً لكنه محدود. أما إذا ظهرت ترتيبات مرتبطة به مع دول الخليج ومصر، وتوسعت الشراكات العسكرية، وتزامن ذلك مع تفاهمات جديدة حول هرمز والبحر الأحمر واليمن، فسيكون واضحاً أننا أمام مسار أكبر من الاتفاق نفسه. عندها لن يكون السؤال: ضد من وُقّع اتفاق مكة؟ بل: ما النظام الذي تحاول دول المنطقة بناءه قبل أن يتغير ميزان القوة مرة أخرى؟
ربما يكون اتفاق مكة ضمانة للسعودية، وربما يكون رسالة إلى إيران، وربما يكون تحوطاً تجاه الولايات المتحدة. لكنه قد يكون أيضاً أول علامة ظاهرة على عملية إعادة ترتيب أوسع لأمن غرب آسيا، تقوم على تعدد مراكز القوة بدلاً من مركز واحد. وإذا كان هذا هو الاتجاه فعلاً، فإن التحول الأكبر لن يكون في سقوط تحالف قديم أو ولادة تحالف جديد، بل في شيء أكثر هدوءاً وأعمق أثراً: أن تبدأ دول المنطقة في بناء مستقبلها الأمني على افتراض أن القوة الأمريكية ستظل مهمة، لكنها لن تكون القوة الوحيدة التي يتوقف عليها هذا المستقبل. وهنا تحديداً قد تكمن أهمية اتفاق مكة: ليس فيما أُعلن فيه فقط، وإنما في السؤال الذي فتحه الاتفاق حول ما يمكن أن يأتي بعده.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة