سوق الحبال بحلب: إرث عريق يتحدى الزمن ويعيد الحياة إلى حرفة الأجداد


هذا الخبر بعنوان "سوق الحبال في حلب.. حركة تجارية تبحث عن طريق العودة" نشر أولاً على موقع Syria 24 وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٩ آب ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في قلب مدينة حلب القديمة، يقف سوق الحبال كشاهد حي على مهنة تقليدية عريقة نسجت تاريخ المدينة وحياة أهلها لعقود طويلة. ورغم أنه كان وجهة مفضلة للتجار والمتسوقين من حلب ومختلف المحافظات السورية، إلا أن السوق يواجه اليوم تحديات تجارية جمة، حيث تراجعت حركة البيع والشراء بشكل ملحوظ. تأثرت سهولة الوصول إلى السوق أيضاً بالأضرار التي لحقت بالعديد من المحلات والأسواق المجاورة خلال سنوات الثورة والقصف الذي استهدف مناطق مدنية وتجارية في المدينة.
على الرغم من عودة عدد من أصحاب المحلات إلى مزاولة أعمالهم في السنوات الأخيرة، لا تزال الحركة التجارية في السوق محدودة مقارنة بما كانت عليه قبل اندلاع الثورة. كما تقلص عدد المحلات التي حافظت على نشاطها الأصلي في صناعة وبيع الحبال، في حين اتجهت محال أخرى إلى أنشطة تجارية مختلفة، أبرزها صياغة وبيع الذهب والفضة.
ويوضح محمد رياض شقروق، الذي يملك محلاً في سوق الحبال، أن السوق يعتبر من الأسواق القديمة في حلب، وكان مخصصاً في بداياته لبيع الحبال. ومع مرور الوقت، توسعت الأنشطة التجارية لتشمل محال متخصصة بصياغة الذهب والفضة، خاصة في الفترة التي سبقت الثورة السورية. ويشير شقروق إلى أن عمر السوق يرتبط بتاريخ الجامع الكبير والأسواق المحيطة به، مما يجعله جزءاً لا يتجزأ من النسيج التجاري والتراثي لمدينة حلب القديمة.
وبحسب شقروق، استعاد السوق جزءاً من نشاطه تدريجياً بعد سقوط نظام الأسد، إلا أن الحركة التجارية لا تزال دون المستوى السابق، نظراً لانخفاض أعداد الزوار والمتسوقين. ويربط ذلك بالأضرار التي لحقت بالأسواق المحيطة وصعوبة الوصول إلى المنطقة، وهو ما أثر بشكل مباشر على أصحاب المحال والحرفيين. ويرى شقروق أن إعادة ترميم وتأهيل الأسواق المتضررة المحيطة بسوق الحبال، وفتح المحال المغلقة، يمكن أن يشكلا خطوة أساسية لاستعادة النشاط التجاري. ويؤكد أن السوق كان في السابق شرياناً رئيسياً لتوزيع الحبال في حلب، ولم تقتصر أهميته على سكان المدينة بل امتدت لتشمل تجاراً من محافظات سورية مختلفة.
من جهته، يقول جمال حبال، الذي يعمل في صناعة وبيع الحبال منذ حوالي 50 إلى 55 عاماً، إن المهنة انتقلت في عائلته جيلاً بعد جيل، قبل أن تفتتح العائلة محلاً خاصاً بها في السوق قبل نحو 45 عاماً. ويستذكر حبال أن سوق الحبال كان يشهد حركة تجارية نشطة قبل سنوات الثورة، وكانت منتجاته تصل إلى مناطق مختلفة من سوريا، حيث كان التجار يقصدونه لشراء أنواع متعددة من الحبال المستخدمة في مجالات مختلفة، منها تجهيز بيوت الشعر، وجر السيارات، وأعمال أخرى تتطلب حبالاً قوية.
ويضيف حبال أن السوق فقد جزءاً كبيراً من حركته التجارية خلال سنوات الثورة، بسبب الأضرار التي لحقت بالمنطقة والأسواق المحيطة، فضلاً عن مغادرة عدد من الأهالي وأصحاب المحال وعدم عودتهم. وقد ترك ذلك أثراً واضحاً على طبيعة السوق وتركيبته التجارية. ويشير إلى أن السوق كان يضم عدداً أكبر من المحال المتخصصة بصناعة وبيع الحبال، بينما لا يوجد اليوم سوى محلين أو ثلاثة تواصل العمل في هذا المجال، في حين تحولت محال أخرى إلى أنشطة تجارية مختلفة، كتجارة وصياغة الذهب والفضة. ولا يقتصر التراجع على عدد المحال المتخصصة بالحبال، بل امتد ليشمل حجم الطلب، في ظل تغير أنماط الاستخدام وتراجع النشاط التجاري العام في المنطقة. ومع ذلك، لا يزال العاملون في المهنة متمسكين بها باعتبارها جزءاً من تاريخ عائلاتهم وذاكرة السوق.
وبحسب ما توارثته عائلة حبال، يعود تاريخ السوق إلى حوالي 250 عاماً، وترتبط مهنة صناعة وبيع الحبال داخل العائلة عبر أجيال متعاقبة، حتى أصبح لقب «حبال» جزءاً من اسم العائلة. وتكشف هذه التفاصيل عن طبيعة الأسواق القديمة في حلب، التي لم تكن مجرد أماكن للبيع والشراء، بل فضاءات ارتبطت فيها المهن بأسماء العائلات، وتوارث فيها الحرفيون أسرار صناعاتهم.
ويعكس سوق الحبال التحولات التي شهدتها أسواق حلب القديمة، حيث انتقلت بعض المحال من نشاطها التقليدي إلى أنشطة أكثر ارتباطاً بالتغيرات الاقتصادية واحتياجات السوق. ومع ذلك، بقيت بعض المهن حاضرة، ولو بعدد محدود من أصحابها.
إن عودة سوق الحبال إلى سابق عهده تبدو مرتبطة بعوامل تتجاوز أصحاب المحال. فإعادة تأهيل الأسواق والمباني والمحلات المتضررة المحيطة، وتحسين الوصول إلى المنطقة، وعودة السكان وأصحاب الأنشطة التجارية، تعد من أبرز العوامل التي يمكن أن تساعد في تنشيط الحركة الاقتصادية. ويأمل العاملون في السوق أن تسهم أعمال الترميم وإعادة التأهيل في إعادة الحياة إلى المنطقة، مما يسمح للمحال القديمة باستعادة زبائنها، ويمنح الحرف التقليدية فرصة للبقاء والاستمرار.
في سوق ارتبط اسمه لعقود بمهنة صناعة وبيع الحبال، لا تبدو المعركة اليوم اقتصادية فقط، بل تتعلق أيضاً بالحفاظ على ذاكرة مهنية واجتماعية تشكلت عبر أجيال. فعودة الحركة إلى السوق قد تعني لأصحاب المهنة أكثر من مجرد استعادة الزبائن؛ إنها فرصة لاستعادة جزء من هوية سوق قديم، والحفاظ على حرفة توارثتها عائلات حلبية جيلاً بعد جيل.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد