ميادة الحناوي: من حلب إلى قرطاج، صوتٌ يتجاوز الزمن والجمال يعود إلى عرشه


هذا الخبر بعنوان "ميادة الحناوي… من أليسار إلى قرطاج، حين يعود الجمال إلى عرشه" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٠ آب ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في عالم الفن، هناك فنانون يكبرون في العمر، وهناك فنانون يكبرون في الذاكرة. الفنانة ميادة الحناوي تنتمي إلى الفئة الأخيرة، حيث لا يمكن قياس عمرها بالسنوات، لأن أصواتًا كهذه تعيش في وجدان الناس. عودتها إلى المسرح لم تكن مجرد ظهور لفنانة عرفناها قبل عقود، بل كانت رسالة بأن الإنسان لا ينبغي أن ينسحب من الحياة لمجرد مرور الزمن على جسده. في دبي، حيث تعلو الأبراج، كان صوت ميادة الحناوي في مهرجان قرطاج أعلى وأكثر فخرًا. بصفتي فنانًا تشكيليًا ومعجبًا بقناعة فكرية واعية بميادة، أرى في رسالتها الفنية تقاطعًا مع رسالة الفن الأصيل. نسمع ميادة بشيء أعمق من الأذن، بالذاكرة، بالأماكن، بالوجوه، وبالسنوات التي أصبحت جزءًا من تاريخنا.
عودة ميادة الحناوي إلى مسرح قرطاج، تلك الأميرة الفينيقية، لم تكن مجرد صعود على خشبة المسرح، بل كانت صعودًا لتاريخ طويل يمتد من حلب إلى القاهرة، ومن عمالقة مثل محمد عبد الوهاب وبليغ حمدي، ومن زمن الأغنية الطويلة التي تمنح المستمع فرصة للعيش معها، إلى زمن تستهلك فيه الأغنية قبل حفظ اسمها.
ولدت ميادة في حلب عام 1959، وبدأت مسيرتها الفنية مبكرًا. كان لقاؤها بمحمد عبد الوهاب في مصيف بلودان نقطة تحول، حيث رأى فيها مشروع مطربة ودعاها إلى القاهرة. ثم جاءت السنوات التي صنعت اسمها الحقيقي، وبالتحديد مرحلة التعاون مع بليغ حمدي، الذي عرف كيف يستغل خامة صوتها الفريدة في أعمال خالدة مثل «أنا بعشقك» و«الحب اللي كان». هذه المرحلة عززت انتشارها عربيًا ووصلت بها إلى حفلات في أوروبا وأميركا.
لكن اختزال ميادة في تجربة بليغ حمدي ظلم لها. فقد غنت لملحنين كبار آخرين مثل محمد الموجي، محمد سلطان، حلمي بكر، سيد مكاوي، وفاروق سلامة. وبعد رحيل بليغ، دخلت مرحلة جديدة تعاونت فيها مع أجيال مختلفة، وغيرت شكل أغانيها، مثل «غيرت حياتي» و«أنا مخلصالك»، محاولة الخروج من القالب الذي أحبها الجمهور فيه دون التخلي عن شخصيتها الغنائية.
تقنيًا، كانت ميادة سباقة في استخدام تقنية التسجيل متعدد المسارات وارتبط اسمها بمرحلة أسطوانات الليزر. لكن الأهم هو ما تركته في الأغنية العربية: نموذج للمطربة التي لم تتعامل مع الغناء كاستعراض للصوت فقط، بل احتاج صوتها إلى لحن، واللحن إلى مساحة، والكلمة إلى زمن. أغانيها لم تكن تريد الانتهاء بسرعة، بل كانت تأخذ المستمع في رحلة، وهذا هو جوهر الطرب.
ميادة، سورية الأصل، تجاوز مشروعها الفني الحدود مبكرًا. عاشت معظم مسيرتها في مصر وتعاونت مع رموز الموسيقى العربية، وعادت تحمل صوتًا بجذوره السورية وشخصيته العربية الواسعة. ولها أعمال وطنية هامة في الأغنية السورية مثل «يا شام» و«دمشق يا جبهة المجد»، بالإضافة إلى «بيروت يا عروس الشرق». الفنان السوري الذي يعبر إلى العالم العربي لا يفقد هويته، بل تتسع معه صورة المكان الذي جاء منه.
ظهورها الأخير في قرطاج أثار جدلًا حول عمرها وتعب السفر، وكأن الزمن لم يمر عليها. العمر ليس تهمة، والجسد يتغير، لكن الرغبة في الغناء وتقديم الجديد لا تتغير بالضرورة. الفنان الحقيقي لا يعيش على نجاح واحد، بل يتغير كي لا يتحول إلى متحف. لا أريد ميادة نسخة من الثمانينيات، بل ميادة اليوم، بصوتها وملامحها وأحاسيسها التي تحمل خبرة الحياة. حين تغني امرأة في هذا العمر، يجب أن نصغي إلى الزمن أيضًا، إلى ما مرت به من أحلام وخسارات وانتظار وفرح.
ظهورها على المسرح موقف يستحق الاحترام. كان بإمكانها الاعتزال والعيش على أرشيفها، لكنها اختارت أن تُرى كما هي الآن، وهذا شجاعة. المشكلة أوسع من ميادة، إنها تتعلق بعلاقتنا بالفن وانحدار الوعي الجمعي وصعود ثقافة التفاهة. هناك فن يحتاج إلى أذن، وهناك فن يحتاج إلى ضجيج. السوق لا يحتاج دائمًا إلى الجمال ليربح، مما يؤدي إلى صناعة التفاهة التي لها منصاتها ونجومها. في هذا المشهد، تصبح ميادة تذكيرًا بأن الفن يمكن أن يعيش لعقود، وأن الأغنية تتجاوز أصحابها، وأن الفنان يبني مكانته بالعمل لا بالضجيج.
النقد حق، لكن الشماتة ليست نقدًا. إذا كانت هناك ملاحظات فنية، فلتكن، لكن لماذا يتحول النقد إلى شماتة؟ ميادة ليست ميادة الأمس، إنها ميادة الأجمل اليوم، بصوت يحمل أسرار السنوات وذاكرة أجيال. الفنان الذي يخرج إلى المسرح رغم تغير الزمن، يقول إنه لا يزال يريد الحياة. هذا ما رأيته في ميادة: رغبة في العطاء وإثبات الوجود.
أتمنى أن نتعلم منها: لا نضع الأشخاص في خزائن العمر، ولا نقل للفنان: انتهى دورك. الحياة ليست مسابقة جمال، والفن ليس امتحانًا للزمن. قد تتغير الطبقة الصوتية، لكن المعنى يمكن أن يبقى. قد تخفت النبرة، لكن العمق قد يزداد. الروح قد تكون أكثر قدرة على القول من الجسد.
أدافع عن ميادة لأنها سورية، ولها تاريخ كبير، ولأنني أحب أغانيها، ولكن الأهم لأنني أرى في حضورها معنى إنسانيًا ووطنيًا يتجاوز الغناء. امرأة رفضت أن تقول للعمر: انتصرت. خرجت وغنت، وتركت لنا حرية الاختيار. كفنان تشكيلي وشاعر، أعرف معنى الاستمرار في خلق الجمال رغم الزمن. اللوحة لا تسأل عمر الفنان، والقصيدة لا تطلب شهادة شباب، والأغنية أيضًا لا ينبغي أن تفعل.
سأحتفظ بميادة الحناوي كامرأة سورية جميلة حملت صوتها الفينيقي للعالم العربي، وساهمت في تاريخ الأغنية، ووقفت إلى جانب الكبار، ثم عادت اليوم لتقول: أنا لم أنتهِ بعد. غنّي يا ميادة، لأن الحاضر يحتاج إلى الجمال الذي افتقده، ولأن هناك من لا يزال يعرف الفرق بين الأغنية والضجيج. غنّي لأن صوتك يحمل ذاكرة أجيال، ولأن الجمال لا ينبغي أن يُحال إلى التقاعد. الجمال يزهر في أي عمر ووقت. ميادة، بخروجها إلى قرطاج، لم تستعد الماضي، بل قالت: ما زلت أملك رغبة في أن أزهر. وهذا موقف في زمن صناعة التفاهة.
كل الحب والتحية للأيقونة السورية ميادة الحناوي.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة