محاكمة عاطف نجيب: بوصلة العدالة الانتقالية السورية مع اقتراب الحكم


هذا الخبر بعنوان "مع اقتراب موعد النطق بالحكم.. ماذا تشكّل محاكمة عاطف نجيب في مسار العدالة الانتقالية؟" نشر أولاً على موقع قناة الإخبارية وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٠ آب ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
مع اقتراب موعد النطق بالحكم في قضية عاطف نجيب، رئيس فرع الأمن السياسي في درعا سابقاً، تتزايد أهمية هذه المحاكمة ودورها في مسار العدالة الانتقالية في سوريا، وانعكاساتها على الضحايا وذويهم. المحاكمة لا تقتصر على شخص المتهم، بل تفتح الباب أمام تساؤلات أوسع حول رمزية محاكمة مسؤول أمني رفيع في عهد النظام السابق، وكيف سيؤثر الحكم على الضحايا والمجتمع، وما هي الرسالة الموجهة للمجرمين الفارين، وأين يقف مسار العدالة الانتقالية فعلياً.
من هو عاطف نجيب؟
ولد عاطف نجيب عام 1960 في جبلة، وتخرج من الكلية الحربية. تدرج في المناصب الأمنية بدمشق حتى وصل إلى رتبة عميد، وتولى رئاسة فرع الأمن السياسي في درعا بين عامي 2008 و2011. ارتبط اسمه، وهو ابن خالة بشار الأسد، بشرارة الاحتجاجات في درعا عام 2011، حيث اتُهم بإهانة وجهاء وأهالي درعا عند مطالبتهم بالإفراج عن أطفال اعتقلوا بعد كتابة شعارات مناهضة للنظام على جدران مدرستهم. بعد اندلاع الاحتجاجات، نُقل إلى رئاسة فرع الأمن السياسي في إدلب حتى حزيران 2011، ثم مُنع من السفر وتوارى عن الأنظار. أدرجته الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي على قوائم العقوبات في عام 2011. في 31 كانون الثاني 2025، أعلنت مديرية الأمن الداخلي في اللاذقية القبض عليه، في إطار جهود محاسبة المتورطين في انتهاكات بحق الشعب السوري.
مسار المحاكمة
انطلقت الجلسات العلنية لمحاكمة نجيب وآخرين في القصر العدلي بدمشق في 26 نيسان الماضي. عقدت محكمة الجنايات الرابعة 8 جلسات، كان آخرها في 4 آب الجاري، ودخلت الدعوى مراحلها الختامية بعد استكمال الإجراءات القانونية وسماع المرافعات. تضمنت الإفادات اتهامات بالاعتقال التعسفي، والقتل خارج القانون، والتعذيب الممنهج، وإطلاق النار على المدنيين، وانتهاكات بحق الأطفال، وجرائم جنسية بحق المعتقلين.
دلالات المحاكمة للعدالة الانتقالية
يرى المختص في القانون الجنائي الدولي وحقوق الإنسان، المعتصم الكيلاني، أن المحاكمة تحمل قيمة إيجابية ورمزية كبيرة لمسار العدالة الانتقالية، وتشكّل خطوة نحو كسر ثقافة الإفلات من العقاب، وإخضاع المسؤول الأمني للقانون، وإتاحة المجال للضحايا، وتعزيز مفهوم المسؤولية الفردية، واستعادة ثقة المجتمع بالقضاء. وأوضح أن النجاح الحقيقي لا يُقاس بالإدانة أو سرعة الحكم، بل بسلامة المسار القضائي وقدرة القضاء على محاسبة شخصيات ارتبطت بمرحلة حساسة مع الالتزام بأصول المحاكمات العادلة. تحمل المحاكمة رسالة للضحايا بأن الانتهاكات لن تبقى بلا مساءلة، وللمتهمين بأن المساءلة ستتم وفق القانون، وللمجتمع بأن المرحلة الجديدة تقوم على سيادة القانون.
رسالة إلى الضحايا والمجرمين الفارين
يؤكد اختصاصي القانون الدولي، خالد المصطفى، أن الاعتراف القضائي الرسمي بالانتهاكات في درعا عام 2011 يخفف من معاناة الضحايا وذويهم، ويعيد إحياء الذاكرة الجمعية ويكرس الحق في معرفة الحقيقة. حضور ممثلين عن الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية ومنظمات دولية أضفى شفافية على الجلسات. هذا الاعتراف هو رد اعتبار عام يعيد الثقة بإمكانية سيادة القانون بعد عقود من الحصانة لمرتكبي الجرائم، ويؤكد أن المواطنة وحماية الحقوق أساس الاستقرار.
ويرى المصطفى أن المحاكمة ترسل رسالة واضحة بأن الفرار أو الاختباء لا يسقط الجرم، حيث شملت لائحة الاتهام بشار الأسد وماهر الأسد وآخرين غيابياً. مطالبة النيابة بأقصى العقوبات تعكس جدية الحكومة في القصاص العادل وتؤكد مبدأ عدم تقادم الجرائم الجسيمة. قد تفتح هذه السابقة باباً لملاحقات إضافية في السياق الإقليمي والدولي.
أين نقف في مسار العدالة الانتقالية؟
لا يُقاس نجاح المحاكمة بالحكم الفردي فقط، بل بقدرتها على بناء ثقة مجتمعية مستدامة. العدالة الانتقالية عملية شاملة تتضمن الحقوق والمصالحة والإصلاح، وتواجه تحديات كتعقيد الفاعلين، وانقسام الذاكرة، والموازنة بين المحاسبة والاستقرار. تفتح المحاكمة آفاقاً إيجابية، بتحويل درعا إلى رمز للعدالة، وإشارة للمجتمع الدولي بأن المسار الوطني قادر على المضي قدماً باحترام السيادة. محاكمة عاطف نجيب ليست نهاية الطريق بل بدايته، وهي لحظة رمزية وتأسيسية تثبت أن يد العدالة تطال من ظن نفسه فوق القانون.
يتطلب نجاح مسار العدالة الانتقالية إرادة سيادية مستقلة، وإطاراً قانونياً متيناً، ومشاركة مجتمعية، ودعماً دولياً يحترم السيادة السورية، لتحويل الألم الجماعي إلى أساس لسوريا جديدة تقوم على سيادة القانون والمواطنة المتساوية. الحكم في قضية عاطف نجيب سيكون رسالة أمل للضحايا بأن صوتهم لم يعد مكتوماً، وأن الذاكرة لم تعد رهينة الصمت.
رمزية المحاكمة
تكتسب محاكمة نجيب أهميتها كونها أول محاكمة علنية لمسؤول أمني رفيع على خلفية أحداث 2011. تبرز العدالة الانتقالية كخيار وطني أساسي لمعالجة إرث الماضي، والكشف عن الحقيقة، وإنصاف الضحايا، ومحاسبة المسؤولين، وإدارة مرحلة الانتقال نحو دولة المؤسسات وسيادة القانون.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة