من وفرة المقالات إلى تكامل المعرفة: كيف يمكن للإعلام السوري بناء رؤية شاملة؟


هذا الخبر بعنوان "حين تصبح كثرة المقالات سبباً في ضياع الفكرة: من تعدد الأقلام إلى تكامل المعرفة" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٢ آب ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
بقلم: المهندس محمود محمد صقر
أتوجه بهذا المقال لأسرة تحرير موقع “أخبار سوريا الوطن” بعد قراءتي لمقال الدكتورة المهندسة بتول عيسى الذي حمل عنوان “إعادة إعمار سوريا.. رؤية متكاملة للإنسان والمكان والاقتصاد والتعليم والتراث”. وفي ضوء متابعتي الحثيثة لكل ما ينشره كتاب الموقع، وكوني واحداً منهم، نعيش اليوم مفارقة تستحق التوقف عندها.
لم يعد النقص في الأفكار أو قلة الكتّاب أو غياب الرغبة في المشاركة في النقاش العام هو المشكلة. على العكس، تتدفق المواد المنشورة يومياً في مجالات السياسة، الاقتصاد، الإعمار، التعليم، الإدارة، الثقافة، والتاريخ، مما يوفر للقارئ وفرة معرفية لم تكن متاحة من قبل. لكن هذه الوفرة، إذا لم تُنظَّم، قد تتحول من نعمة إلى عبء. فالقارئ الذي يتلقى عشرات المقالات يومياً لا يستطيع قراءتها جميعاً، وعندما تتزاحم الموضوعات المختلفة في مساحة واحدة، يمر المقال، مهما بلغت قيمته، ثم يليه مقال آخر، حتى تضيع الأفكار الجيدة وسط هذا الكم الهائل من النشر.
هنا، يبرز سؤال جوهري: هل وظيفة الصحيفة أو الموقع هي نشر أكبر عدد ممكن من المقالات، أم بناء معرفة متراكمة لدى القارئ؟ الفرق شاسع. فالنشر يجمع المقالات، أما المعرفة فتحتاج إلى خيط يربط الأفكار.
لقد قرأت مقال الدكتورة المهندسة بتول عيسى حول “إعادة إعمار سوريا.. رؤية متكاملة للإنسان والمكان والاقتصاد والتعليم والتراث”، فتوقفت عند فكرته الأساسية. ليس لأن موضوع إعادة الإعمار جديد، بل لأن المقال جمع في مساحة واحدة ملفات اعتدنا تناولها بشكل منفصل: الإنسان، العمران، الاقتصاد، التعليم، الريف، التشريع، الآثار، السياحة، والهوية. وهذا أعادني إلى فكرة شغلتني طويلاً في الكتابة والعمل الهندسي والإداري: ليست مشكلتنا دائماً في غياب الاختصاص، بل غالباً ما تكون في غياب العلاقة بين الاختصاصات.
لدينا مهندس يعرف عمله، واقتصادي يدرك حقله، وخبير مياه، ومختص زراعة، وقانوني، وأستاذ جامعي، وإداري، ومخطط، وباحث اجتماعي. كل منهم قد يرى جزءاً من الحقيقة بوضوح. لكن من يرى الصورة كاملة؟
لنأخذ قراراً يبدو بسيطاً: إنشاء سدود تجميعية لمواجهة أزمة المياه المقبلة. الفكرة صحيحة. المهندس يصمم السد، والجهة المنفذة تبنيه، والتمويل يُدبَّر. لكن ماذا لو كانت أودية أحواض التجميع تستقبل مياه الصرف الصحي للقرى المحيطة؟ هنا، لم يكن الخطأ في تصميم السد أو تنفيذ القرار، بل حدث قبل القرار، لأن المعرفة اللازمة لاتخاذه لم تجتمع على طاولة واحدة. كان يجب أن يجلس اختصاصي المياه إلى جانب خبراء البيئة، الصرف الصحي، التخطيط العمراني، الإدارة المحلية، الزراعة، والاقتصاد، قبل تحويل الفكرة إلى مشروع. فالعقل يصنع الأدوات، لكن الحكمة تجمع ما يترتب على استعمالها قبل استخدامها.
ومن هنا، أصل إلى ما أعتقد أنه يستحق تفكير أسرة التحرير نفسها. لماذا لا نطبق على الصحافة الفكرية المبدأ ذاته؟ لدينا كتّاب كثيرون، كل منهم يمتلك خبرة أو اهتماماً أو زاوية نظر، لكن المقالات تظهر غالباً منفردة: مقال عن التعليم، وآخر عن الاقتصاد، وثالث عن الإدارة، ورابع عن المياه، وخامس عن إعادة الإعمار. ثم تختفي جميعها في أرشيف متضخم. لماذا لا نصنف أنفسنا، نحن الكتّاب، بحسب حقول الاختصاص والخبرة والاهتمام؟ ليس لوضع الناس في صناديق مغلقة، بل لتعرف هيئة التحرير أين توجد المعرفة التي نمتلكها. يمكن تشكيل دوائر واضحة: إعادة الإعمار والتخطيط، الاقتصاد والتنمية، الإدارة والمؤسسات، التعليم والبحث العلمي، الزراعة والمياه، المجتمع والتحولات السكانية، الثقافة والتاريخ والتراث، وغيرها.
وعندما تظهر قضية وطنية كبرى، لا ننتظر عشرين مقالاً منفصلاً عنها. بل نطرح السؤال نفسه على أصحاب الاختصاصات المختلفة. عندها يصبح الموقع مساحة للحوار بين المعارف. يكتب المهندس ما يراه، ويقرأ الاقتصادي أثره، ويضيف عالم الاجتماع ما غاب عنهما، ويراجع القانوني إمكان التنفيذ، ثم يسأل الإداري: كيف تتحول كل هذه المعرفة إلى مؤسسة وقرار؟ هنا، لا يعود المقال نهاية الفكرة، بل بدايتها. وهذا، في اعتقادي، ما نحتاج إليه في سوريا اليوم أكثر من أي وقت مضى.
فنحن أمام بلد لا يحتاج إلى إعادة بناء الحجر وحده، بل إلى إعادة وصل ما انقطع بين المعرفة والقرار، وبين الجامعة والمؤسسة، وبين الخبير وصانع السياسة، وبين التجربة الفردية والذاكرة الوطنية. فالقرار لا يصنعه ذكاء فرد، مهما بلغت خبرته، بل يصنعه حوار التخصصات والبيانات والتجارب والمراجعة والمساءلة.
وما ينطبق على الدولة ينطبق، بصورة مصغرة، على المؤسسة الإعلامية والفكرية. فالصحيفة تستطيع أن تكون أكثر من مجرد مكان للنشر؛ تستطيع أن تصبح بنكاً للأفكار والخبرات. تعرف كتّابها، تصنف خبراتهم، تربط المقالات المتصلة، تفتح الملفات الكبرى على مدى أسابيع أو أشهر، ثم تستخرج من عشرات المقالات المتفرقة خلاصات معرفية تصل إلى الباحث والجامعة والمسؤول وصانع القرار. وبذلك، لا يعود معيار النجاح: كم مقالاً نشرنا اليوم؟ بل: ماذا بقي في عقل القارئ مما نشرناه؟
فالقراء أيضاً لهم طاقة محدودة، وليس من الإنصاف تحميلهم مسؤولية البحث كل يوم بين عشرات المواد عن الخيط الذي يربط بينها. هذه إحدى وظائف التحرير نفسها: رؤية العلاقة بين ما يبدو منفصلاً، وتحويل تراكم النصوص إلى تراكم في المعرفة، وجعل الكاتب يعرف أن فكرته لن تختفي بعد أربع وعشرين ساعة تحت عناوين جديدة، بل ستجد مكانها داخل ملف أكبر يستكملها كاتب آخر، ويناقشها ثالث، وربما يحولها رابع إلى اقتراح قابل للتطبيق. عندها فقط تبدأ المقالات في التحول من أصوات متجاورة إلى عقل جماعي.
وهنا أعود إلى إعادة الإعمار. إذا كنا نطالب بالنظر إلى الإنسان والمكان والاقتصاد والتعليم والتشريع والتراث بوصفها أجزاء من مشروع واحد، فلا بد أن تكون طريقة تفكيرنا قادرة على جمع هذه الأجزاء. فالمشكلة ليست في قلة الحبات، بل الحبات كثيرة، وبعضها ثمين جداً. ما نفتقده أحياناً هو الخيط الذي يجمع حبات المسبحة. وقد تكون الصحافة، إذا أعادت تنظيم علاقتها بكتّابها واختصاصاتهم والمعرفة التي تنتجها، واحدة من الأماكن التي يبدأ منها هذا الخيط. فالأوطان لا تعاني دائماً من نقص العقول، بل أحياناً تكون العقول كلها موجودة… لكنها لم تجلس بعد حول الطاولة نفسها.
سوريا محلي
منوعات
سياسة
سياسة