قراءة فلسفية في مسلسل الصومعة وسوريا.. خبايا القمع والذاكرة وتجفيف الحقيقة


هذا الخبر بعنوان "سوريا في مرآة مسلسل "الصومعة".. نَـظّف العدسة ثم مُت" نشر أولاً على موقع syria.tv وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٣ آب ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
شاهدت الجزأين الأول والثاني من مسلسل الصومعة "Silo" لمرّتين، وحين قررت الكتابة عنه، جاء تحرير سوريا في ديسمبر 2024، فانشغلت بنشوة النصر عن إتمام ما بدأت به. اليوم، وبعد أكثر من عام ونصف العام من التحرير، ومع عرض الجزء الثالث من المسلسل، عدت إلى مسوداتي القديمة فوجدت فيها أبعاداً جديدة تتغير بتغير قراءتنا للأعمال الفنية.
في عالم تحت الأرض بمستقبل مجهول الزمن، يعيش عشرة آلاف إنسان داخل صومعة حلزونية تمتد مئة وأربعة وأربعين طابقاً تحت الأرض. الهواء الخارجي سام والأرض قاحلة بحسب ما تؤكده الشاشة الضخمة. السكان محكومون بـالميثاق، وهي قوانين تُنظّم الإنجاب، وتُجرّم اقتناء آثار العالم القديم والسؤال عن الماضي. وعقوبة المتمرد هي النفي للقيام بطقس التنظيف، إذ يُرسل مرتدياً بذلة واقية لتنظيف عدسة الكاميرا ثم يموت على مرأى من الجميع.
عندما تُطرد جولييت نيكلز رئيسة الشرطة إلى الخارج، تنجو بفضل تعديل سري أُجري على بذلتها، لتكتشف أن الأرض مدمّرة فعلاً، وأن المشهد الطبيعي الخلاب الذي يراه المطرود ما هو إلا خدعة رقمية، وتكتشف عشرات الصوامع الأخرى التي تُدار من مركز خفي. المسلسل مقتبس من ثلاثية الصومعة للأمريكي هيو هاوي التي تتألف من (Wool وShift وDust). يشرح المؤلف أن كلمة Wool تحمل معنى الخداع والتضليل، إضافة إلى قِطَع الصوف التي يُنظّف بها المحكوم عليهم عدسات الكاميرات.
الدرج الحلزوني الوحيد يربط الطوابق كلها، مُمثلاً قمعاً معمارياً يُرهق الأجساد ويقطع الصلات بين الطبقات. ويدير الصومعة برنارد هولاند رئيس قسم المعلومات محتكرًا المعرفة. يؤمن برنارد بأن انكشاف الحقيقة يعني فناء الجميع، وفي نهاية الموسم الثاني يكتشف أن الاستقرار وهم وأن صومعته قابلة للمحو.
يستخدم النظام سادية الأمل، فيرسل المتمردين في عرض مسرحي يشاهده الجميع مع خوذة تعرض مشهداً مبرمجاً لعالم أخضر، ليؤمن بأنه على حق وينظف العدسة فيسقط ميتاً. النظام يمنح ضحيته وهم الانتصار لتدجين بقية السكان. والسجن الناجح لا يحتاج حراساً من الخارج؛ فسكانه يحرسونه.
يستحضر المسلسل كهف أفلاطون، لكنه ينقضه؛ فحين خرجت جولييت وجدت نوراً مزيفا، لتصطدم بأرض ميتة وصوامع مغلقة، لتتوالى الأوهام من صومعة إلى كهف أكبر.
بعد انتهاء الموسم الثاني، كانت سوريا تخرج لتوّها من صومعتها بعد خمسون عاماً من الميثاق والتنظيف وتجريم الذاكرة. وحين انكسر الباب، لم نجد العالم الأخضر بل وجدنا أرضاً مدمّرة وصوامع أخرى. ومع عرض الموسم الثالث، تستمر أطروحة الذاكرة حتى نهايتها المرّة، فجولييت تنجو فاقدة الذاكرة، وعقاقير الزهايمر تسكت من يقترب من الحقيقة، بينما لا تزال صوامع الأمس تعيش فينا.
سوريا محلي
ثقافة
ثقافة
ثقافة