كيف أصبحت التجربة السورية نموذجاً إقليمياً فريداً في توحيد السلاح واستعادة سيادة الدولة؟


هذا الخبر بعنوان "التجربة السورية.. من توحيد السلاح إلى نموذج إقليمي في استعادة الدولة" نشر أولاً على موقع جريدة الوطن وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٤ آب ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
أعاد القرار العراقي حصر السلاح بيد الدولة، بدعم خليجي وأردني، حتى 30 أيلول المقبل، فتح النقاش الإقليمي حول العلاقة بين سيادة الدول واحتكارها أدوات القوة. وفي هذا السياق، كانت سوريا قد قطعت شوطاً متقدماً في مسار مشابه يلتقي معه في النتيجة النهائية، والمتمثلة في إنهاء تعدد مراكز القرار العسكري والأمني وتحويل الدولة من ساحة للصراعات إلى طرف فاعل في تثبيت أمن المنطقة.
ولا تقتصر أهمية التطور العراقي بالنسبة إلى دمشق على الملف العراقي وحده، بل ترتبط بكونه يأتي ضمن بيئة إقليمية تتبلور فيها تدريجياً فكرة استعادة الدولة لدورها الأمني والسياسي. فمنذ الأيام الأولى بعد التحرير، اختارت سوريا البدء من الداخل عبر تفكيك البنية العسكرية المتعددة التي فرضتها سنوات الثورة، وصولاً إلى بناء مؤسسة عسكرية واحدة وقرار أمني موحد.
وفي هذا السياق، شكّل اجتماع القائد أحمد الشرع مع قادة الفصائل الثورية في 24 كانون الأول 2024 بدمشق نقطة تأسيسية في هذا المسار، حيث انتهى إلى اتفاق يقضي بحل جميع الفصائل ودمجها تحت مظلة وزارة الدفاع. وبعد أيام قليلة، بدأت وزارة الدفاع جلساتها التنظيمية مع القيادات العسكرية لوضع آليات الانخراط داخل المؤسسة العسكرية. وفي 17 أيار 2025، أعلن وزير الدفاع مرهف أبو قصرة دمج جميع الوحدات العسكرية ضمن الوزارة، داعياً ما تبقى من مجموعات صغيرة إلى الالتحاق بها.
وجاء ملف “قسد” ليضع هذا المبدأ أمام الاختبار الأكثر تعقيداً؛ ففي 29 كانون الثاني 2026، توصلت الحكومة السورية إلى اتفاق شامل لوقف إطلاق النار والبدء بعملية دمج متسلسلة للقوات والإدارات، بما يشمل دخول قوى وزارة الداخلية إلى الحسكة والقامشلي، وتسلّم الدولة المؤسسات والمعابر وحقول النفط والغاز، ودمج العناصر العسكرية والأمنية لـ”قسد” ضمن وزارتي الدفاع والداخلية. وبذلك، بدأت تتشكل معادلة سورية جديدة مفادها أن توحيد السلاح لا يعني إلغاء الخصوصيات المحلية، وإنما نقلها من إطار التشكيلات المسلحة المستقلة إلى مؤسسات الدولة ضمن مرجعية وطنية واحدة.
وقد بدأ هذا المسار الداخلي ينعكس بوضوح على السياسة الخارجية؛ ففي 2 تموز، وقعت سوريا ولبنان اتفاقية لتشكيل لجنة عليا مشتركة شملت في أهدافها التنسيق الأمني، بالتوازي مع تأكيد الرئيس اللبناني جوزاف عون أهمية التعاون في ضبط الحدود ومنع تهريب الأشخاص والسلاح وحماية استقرار البلدين. وعلى الصعيد العراقي، باتت تتقاطع الرؤية السورية مع التحول الجاري نحو تعزيز سلطة الدولة، ففي 29 حزيران الماضي اتفقت دمشق وبغداد على تطوير التنسيق الأمني وتبادل المعلومات الاستخبارية إلى جانب التعاون الاقتصادي والطاقة في إطار أوسع لتعزيز الاستقرار الإقليمي.
ويكتسب هذا التقاطع أهمية إضافية مع ترحيب مجلس التعاون الخليجي والأردن، في 23 تموز، بقرار بغداد حصر السلاح بيد الدولة في موعد أقصاه 30 أيلول، ودعم الإجراءات الهادفة إلى منع الميليشيات المسلحة من استخدام الأراضي العراقية لشن عمليات ضد دول المنطقة. وهنا تتجاوز التجربة السورية حدود إعادة بناء الجيش؛ فالدولة التي بدأت بتوحيد سلاحها في الداخل باتت تتحرك سياسياً على قاعدة دعم استقرار الدول المجاورة، وتطوير التنسيق الأمني معها، ورفض تحويل أراضي المنطقة إلى ساحات مفتوحة للصراعات.
وفي هذا السياق، عبر وزير الخارجية والمغتربين أسعد الشيباني في مؤتمر ميونخ للأمن في 14 شباط الماضي عن جوهر هذا التحول بالقول إن سوريا تمضي في إعادة بناء الدولة، وإن فكرة حصر السلاح بيد الدولة ترسخت بعد انتصار الثورة. كما أكد في لقاءات إقليمية أن استقرار سوريا يمثل ركناً أساسياً في استقرار المنطقة. ويتكامل ذلك مع رؤية الرئيس الشرع التي تقوم على البناء والاستقرار والتنمية والعلاقات المتوازنة، وعلى استعادة سوريا لدورها الإقليمي انطلاقاً من موقعها الجغرافي وقدرتها على أن تكون جسراً للتجارة والتعاون لا ممراً للصراعات والنفوذ المسلح.
ويمكن قراءة المسار السوري من هذه الزاوية باعتباره انتقالاً عبر ثلاث مراحل مترابطة تتضمن توحيد الفصائل والسلاح داخل الدولة، ثم بسط المؤسسات على كامل الجغرافيا السورية، وأخيراً تحويل قوة الدولة المستعادة إلى عامل أساسي في تثبيت أمن المحيط الإقليمي.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة