مخاطر النكوص من العمل السياسي إلى الهويات الطائفية في المشهد السوري


هذا الخبر بعنوان "النكوص من السياسة إلى الطائفية في سوريا" نشر أولاً على موقع syria.tv وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٦ آب ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
بقلم: د. طلال المصطفى
من الطبيعي أن تظهر بعض مشاعر الخوف والكراهية بين المكونات الاجتماعية السورية بعد سنوات من الحرب والعنف والاستقطاب الاجتماعي، وأن تبرز الهويات الأولية مثل الطائفية إلى الواجهة، فالمجتمعات التي تتعرض للحرب المركبة والطويلة مثل سوريا لا تخرج من أزماتها دفعة واحدة، بل تستمر بحمل رواسب الحرب وعنف النظام البائد، بما فيها صور النمطية والهواجس من الآخر. لكن غير الطبيعي والخطير أن تنتقل هذه الهواجس والهويات الفرعية من المجال الاجتماعي إلى المجال السياسي والثقافي من خلال تحولها لدى بعض الشخصيات والتيارات السياسية إلى خطاب للتعبئة وإعادة تعريف الخصوم بالاستناد إليها، وبالتالي تحول الطائفية إلى مشروع سياسي يعمل على إعادة إنتاج النظام البائد نفسه.
من السياسة إلى صراع الهويات
تقوم السياسة في المجتمعات الحديثة على تنظيم الاختلاف والتنافس والتحالف بين برامج ورؤى ومصالح قابلة للنقاش والحوار للوصول إلى ما هو مشترك، أما عندما يصبح الانتماء الطائفي لدى البعض محددًا رئيسيًا للمواقف والتحالفات السياسية، تتراجع السياسة لمصلحة الهوية الطائفية. وهنا تبرز ثنائية "نحن" و"هم" كأخطر آليات الخطاب السياسي الهوياتي، فبدل أن يكون المختلف السياسي مواطنًا مختلفًا في الرؤية والبرنامج، يتحول إلى ممثل لجماعة يُنظر إليها بوصفها تهديدًا وجوديًا.
النكوص الطائفي وأزمة المواطنة
لا يمكن فهم هذا النكوص الطائفي بمعزل عن أزمة المواطنة والثقة، فعندما يشعر الفرد بأن الدولة عاجزة عن توفير الحماية له، أو أن أمنه ومستقبله السياسي والاجتماعي مرتبطان بانتمائه الأولي، فإنه يميل إلى الاحتماء بالجماعة التي تمنحه شعورًا بالأمان والانتماء. وقد عززت سنوات الحرب السورية هذا الميل نتيجة العنف، وتفكك الروابط الاجتماعية، وتراجع الثقة بالمؤسسات العامة، وتحول بعض الهويات الأولية إلى أطر للحماية والتضامن، لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الهوية الطائفية من آلية دفاع اجتماعي إلى مشروع سياسي.
المفارقة: حداثة في اللغة وطائفية في الممارسة
الأكثر إثارة للقلق أن النكوص الطائفي برز لدى أشخاص يتحدثون عن الديمقراطية والدولة العلمانية والمواطنة، والبعض يعيش في دول أوروبا الديمقراطية، وهنا يبرز السؤال: كيف يمكن لمثقف أو سياسي يتبنى خطابًا علمانيًا حداثيًا أن يعود عند أول اختبار سياسي أو اجتماعي على أرض الواقع إلى منطق ولغة الطائفة والجماعة؟ قد تكمن الإجابة في الفارق بين الحداثة بوصفها خطابًا والحداثة بوصفها ممارسة.
المعارضة ليست هوية طائفية
بعد سقوط نظام الأسد برزت الحاجة إلى إعادة تعريف المعارضة السياسية السورية على أساس وظيفتها داخل الدولة الجديدة، لا على أساس الانتماءات الأولية. فالمعارضة في الدولة الحديثة ليست معارضة طائفة لطائفة، ولا جماعة لجماعة، وإنما هي تنافس حول إدارة الشأن العام، ومساءلة السلطة، وتقديم البدائل، والدفاع عن الحقوق والحريات، مما يستدعي الانتقال من سياسة الهوية الأولية إلى سياسة المواطنة.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة