بين ذاكرة الضحايا ومصالح الدول: قراءة في إعادة تنظيم الوجود الروسي بسوريا


هذا الخبر بعنوان "روسيا التي نكرهها.. روسيا التي نحبها" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٦ آب ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
أحمد عسيلي أخيرًا تم الأمر، وأُغلقت واحدة من أعقد المسائل التي أورثها النظام الساقط لهذه السلطة الحالية، فقد وقّعت دمشق وموسكو مذكرة تفاهم تعيد تنظيم الوجود الروسي في سوريا.
وبموجب الاتفاق، عادت المنشآت المدنية في مطار “حميميم” إلى الإدارة السورية، كما استعادت سوريا الرصيف التجاري الرابع في مرفأ طرطوس، الذي بدأ بالفعل استقبال الشحنات التجارية بعد سنوات من خضوعه للاستخدام الروسي. وفي المقابل، حافظت موسكو على وجود عسكري بصيغة جديدة، تقوم على التدريب والتأهيل والتعاون مع الجانب السوري.
هنا يحق لنا أن نطرح سؤالًا: هل يحق للدولة السورية أن تتجاوز مشاعر السوريين الذين تأذوا وعانوا الويلات من القصف الروسي، لتعيد بناء علاقة مع موسكو قد تصل إلى حدود التحالف؟ وأين تصبح مشاعر الناس وذاكرتهم في معادلة كهذه؟ لا شك أن ذاكرة كثير من السوريين تجاه الدور الروسي خلال الحقبة الأسدية المظلمة محملة بالغضب والكراهية، وربما بما هو أبعد منهما، لكن السؤال الذي يعنيني هنا مختلف قليلًا: هل للدولة أصلًا مشاعر؟
أتذكر عندما وصلت إلى فرنسا وعملت نحو عامين ونصف في منطقة النورماندي، أنني التقيت مرضى، ولا سيما من كبار السن، ما زالوا يحملون مشاعر سلبية تجاه الألمان. لم تكن الحرب بالنسبة إلى بعضهم فصلًا بعيدًا في كتاب تاريخ، بل ذاكرة شخصية ما زال بعضهم يعيش تبعاتها حتى بعد نصف قرن.
لا تستعجل هنا أيها القارئ، فأنا لا أنوي الحديث عن المصالحة بين الشعوب، ولا إعطاء هذا المثال المكرر عن فرنسا وألمانيا، ما يعنيني هنا شيء آخر: كيف يمكن للفرد أن يحتفظ بمشاعره وذاكرته، بينما تسلك دولته طريقًا مختلفًا تمامًا؟
للإجابة عن هذا السؤال سنبدأ بمثال بسيط جدًا: عندما نطلب من خرائط “جوجل” أن ترشدنا إلى مكان ما، تعطينا طريقًا للمشي وطريقًا آخر للسيارة. قد يكون المكان على بعد ثلاثة كيلومترات سيرًا، بينما يحتاج الوصول إليه بالسيارة إلى خمسة كيلومترات. نقطة الانطلاق واحدة ونقطة الوصول واحدة، لكن طبيعة الماشي مختلفة عن طبيعة السيارة، ولذلك لا يمكنهما دائمًا سلوك الطريق نفسه.
ربما ينطبق شيء مشابه على الفرد والدولة. للإنسان طبيعة، وللدولة طبيعة أخرى، ولكل منهما طريق تحكمه قوانينه الخاصة، لذلك ليس غريبًا أن يختلف المساران، بل ربما يكون افتراض ضرورة تطابقهما هو الأمر الغريب. الإنسان يحب ويكره، يغضب ويحقد ويسامح أو يرفض المسامحة، يحمل ذاكرة أبيه وابنه وبيته ومدينته، ومن حق السوري الذي فقد قريبًا بقصف روسي أن يكره روسيا، وأن يرفض زيارتها أو شراء منتج منها، وألا يغفر لها طوال حياته.
أما الدولة فلا تحب ولا تكره بهذا المعنى. لديها ذاكرة تاريخية ومؤسساتية، لكنها لا تمتلك ذاكرة عاطفية، وظيفتها أن تحسب مصالح مواطنيها، وتحترم القانون، وتقرأ موازين القوى، وتحمي حاضرهم ومستقبلهم. يمكن هنا للإنسان أن يحافظ على ذاكرته، وبنفس الوقت يتفهم موقف دولته، وهذا ما أطلقت عليه المحللة النفسية الشهيرة ميلاني كلاين “الموضع الاكتئابي”، أي القدرة على تحمل القلق الناتج عن التناقض في المشاعر بين الخير والشر، وهي إحدى علامات النضج.
النضج هنا ليس غفرانًا، بل القدرة على تحمل التناقض دون الحاجة إلى محو أحد طرفيه. وفي الممارسة الطبية نفعل شيئًا شبيهًا، نستقبل مريضًا يحتاج إلى الدعم، فنستمع إليه ونتعاطف معه ونحاول مساعدته، وفي الوقت نفسه نوثق بدقة ما فعلناه ونلتزم بكل إجراء قانوني، لأن هذا المريض نفسه قد يعترض غدًا على قرار اتخذناه أو حتى مقاضاتنا.
لا يعني احتياطنا القانوني أننا أقل تعاطفًا معه، كما لا يعني تعاطفنا أن نتخلى عن واجباتنا المهنية. هذه النظرة المزدوجة ليست معيارًا مزدوجًا، بل القدرة على النظر إلى الشخص نفسه من زوايا متعددة. تحتاج الدول إلى هذه القدرة أكثر من الأفراد، فروسيا التي شاركت في قصف مدن سورية ودعمت نظام الأسد هي نفسها روسيا التي قد تكون لسوريا اليوم مصالح سياسية واقتصادية وعسكرية في التعامل معها. الاعتراف بالحقيقة الثانية لا يمحو الأولى، تمامًا كما أن تذكر الأولى لا يفرض أن تصبح العداوة معها أبدية.
اختلاف طريق الدولة عن طريق الفرد لا يعطيها الحق في إلغاء ذاكرته. لا تستطيع الدولة أن تطلب من الضحية أن تغفر باسم المصلحة الوطنية، كما لا ينبغي للضحية أن تكون مطالبة بتحويل ألمها الشخصي إلى حسابات جيوسياسية. الألم الأوروبي من النازية ما زال حاضرًا وبقوة.
أتذكر هنا فيلم “آن فرانك، صديقتي المفضلة”، هو فيلم هولندي من إنتاج 2021، حين حضرت النسخة الفرنسية، كانت كل الشخصيات تتكلم بالفرنسية، ما عدا حراس المعتقلات والجنود، أبقوا على لغتهم الألمانية في كل مشاهد “الدبلجة”، كي يذكروا دومًا ألمانيا بتاريخها الإجرامي، وأن الناس لم يسامحوا بعد، لكن المصلحة كانت في قيام اتحاد أوروبي.
لهذا ربما يكون السؤال عما إذا كانت سوريا قد سامحت روسيا سؤالًا خاطئًا من أساسه. السوريون هم الذين يتذكرون ويغضبون ويسامحون أو يرفضون المسامحة، أما الدولة السورية فليست مهمتها أن تحب روسيا أو تكرهها، مهمتها أن تعرف ماذا تريد منها، وماذا تستطيع أن تأخذ منها، ومتى تقول لها لا.
سياسة
ثقافة
سياسة
سياسة