اقتصاد

القرارات الصحيحة والصورة المبتورة: كيف تخطئ سوريا رغم سلامة الأجزاء؟

syriahomenews١٣ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٨:٥٥ م2 مشاهدة
القرارات الصحيحة والصورة المبتورة: كيف تخطئ سوريا رغم سلامة الأجزاء؟

تنويه

هذا الخبر بعنوان "باحثٌ عن تاريخِ ما بقي حيًّا (7) حين يكون الجزء صحيحًا… وتخطئ الصورة" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٨ آب ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

بقلم: المهندس محمود محمد صقر

ليست كل مشكلةٍ وليدةَ قرارٍ خاطئ. أحيانًا تكون القرارات سليمةً في سياقها، لكن النتيجة النهائية تبدو خاطئةً لعدم رؤية الصورة كاملة. أعاد إلى ذهني هذا المعنى مقالٌ للزميلة الدكتورة المهندسة بتول عيسى حول مستوى المعيشة في سوريا. فالفوارق الاقتصادية ليست ظاهرةً حديثة، ولم تخلو حضارةٌ من تفاوتٍ اجتماعي. لذا، فإن السؤال الأعمق ليس عن سبب وجود الغني والفقير، بل عن متى يتحول هذا الفارق إلى خللٍ بنيوي.

يبدأ الخلل حين لا يقتصر الفرق على الثروة، بل يمتد ليشمل الفرص المتاحة. عندما يعمل الإنسان ويتعلم، ولكنه لا يجد مسارًا معقولًا للتقدم. وحين يفتح النفوذ أبوابًا تعجز الكفاءة عن اجتيازها. المشكلة ليست في وجود قمة وقاعدة، بل في تحول السلم بينهما إلى جدارٍ منيع. وهنا تبرز مسؤولية المؤسسات؛ فهي لا تهدف إلى تحقيق المساواة المطلقة في الثروة، بل إلى ضمان سيادة القانون، وعدالة المنافسة، وإتاحة الفرص، وجعل السقوط بسبب البطالة، أو المرض، أو الجفاف، أو التحولات الاقتصادية، أمرًا غير نهائي.

من خلال خبرتي الهندسية والإدارية والفنية والتنظيمية، لاحظت أن هذا الخلل يتجلى بوضوح في العمران. فبناء منزلٍ واحدٍ أو مبنيين لا يمثل مشكلةً بحد ذاته. لكن عندما نسمح للمدن والقرى بالتمدد العشوائي، ثم نتبع ذلك بتوفير الخدمات الأساسية كالماء والكهرباء والصرف الصحي والاتصالات والطرق والمدارس، نكتشف بعد سنوات أن كل قرارٍ منفردٍ كان مبررًا، إلا أن مجموع هذه القرارات قد أنتج واقعًا باهظ التكلفة. لم تكن المشكلة في افتقارنا للمعرفة الهندسية؛ فنحن نعرف كيف نبني الطرق ونمد الشبكات ونصمم الخدمات. تكمن المشكلة في السؤال الذي يسبق عملية البناء: أين نبني؟ ولماذا؟ وما هي تداعيات ما سنبنيه؟

المتخصص يحل المشكلة التي تُطرح عليه، أما الحكمة فتتساءل: كيف نمنع توليد المشكلات التي سيُطلب من المتخصصين حلها مستقبلاً؟ هنا، في اعتقادي، يكمن مفتاح الإجابة عن سؤال الدكتورة بتول عيسى حول نوع الاستثمار الذي نريده لسوريا. فالاستثمار المطلوب ليس مجرد رأس مالٍ يبحث عن موطئ قدم، أو مشروعٍ يُقاس نجاحه بحجم الإنفاق أو الأرباح المحققة لصاحبه. الاستثمار هو جزءٌ لا يتجزأ من خطة تنمية شاملة. يجب أن نسأل قبل استقدامه: أين سنضعه؟ ولماذا هناك؟ ما هي الموارد المتاحة في هذا المكان من ماء وطاقة وطرق وأيدٍ عاملة؟ وما هي احتياجاته من سكن ونقل وخدمات؟ وما هي الأنشطة التي سيولدها في محيطه؟

فالمصنع لا ينبغي أن يكون مجرد بناءٍ محصورٍ بسور، بل يجب أن يكون مركزًا يحفز حوله الإنتاج والخدمات والفرص والمعرفة. والمشروع السياحي لا يُعد ناجحًا بمجرد امتلائه بالزوار، بل بمدى انعكاسه إيجابًا على محيطه، وتحريكه لقطاعات النقل والحرف والزراعة والخدمات، مع الحفاظ على موارده الطبيعية. والتجمع السكني لا يُقاس بنجاحه بعدد الشقق المبنية، بل بقدرته على توفير بيئةٍ صالحةٍ للحياة. بهذه الطريقة، لا نضع الاستثمار أولاً ثم نبحث له عن الماء والطريق والسكن والعمل، بل نحدد رؤيتنا للمكان، ثم نختار الاستثمار الذي يخدم هذه الرؤية. فالاستثمار الناجح لا يشغل مكانًا في الخطة فحسب، بل يؤدي وظيفةً أساسيةً فيها.

هنا يتضح أن العمران والاقتصاد والتنمية ليست ملفاتٍ منفصلة. قد يكون المصنع ناجحًا، والطريق ناجحًا، والسد ناجحًا، والمشروع السكني ناجحًا، كلٌّ وفق حساباته الخاصة، لكن المحصلة النهائية قد تكون أقل نجاحًا بسبب غياب حساب العلاقة بين الأجزاء والكل. وتتجلى هنا المشكلة المؤسسية الحقيقية: الدولة تقسم الواقع إلى وزارات لتسهيل إدارته، لكن المواطن لا يعيش داخل وزارة. يراه التعليم كخريج، والعمل كباحث عن فرصة، والزراعة كابن ريف، والإسكان كطالب سكن، والاقتصاد كرقم في مؤشرات النمو. لكنه يعيش كل هذه الجوانب كوحدةٍ واحدة. لذلك، لا يكفي أن تكون القرارات سليمةً في نطاق اختصاصها، بل يجب أن تتكامل قبل أن تتحول إلى واقع ملموس. فالتخطيط ليس مجرد تجميع لخطط الوزارات في مجلدٍ واحد، بل هو رؤية العلاقات المتشابكة بين هذه الخطط. والحكمة ليست في معرفة الدولة للمستقبل بأكمله، فهذا مستحيل، بل في القدرة على استشراف ما يمكن معرفته اليوم، وامتلاك الشجاعة والمؤسسات اللازمة لتصحيح ما لم يُعرف. إن أخطر أنواع الفشل الإداري والفني ليس دائمًا القرار الخاطئ، بل قد يكون قرارًا صحيحًا جزئيًا لم يُوضع في سياقه الصحيح ضمن الصورة الكلية. ولهذا، فإن الحكمة في اتخاذ القرار لا تقتصر على حساب تكلفة الفعل المباشر، بل تشمل أيضًا حساب تكلفة تداعياته. قد تؤجل الإدارة دفع ثمن الخطأ لسنوات، لكنها لا تلغيه. فالمدينة تبقى، والطريق يبقى، والشبكات تبقى، والمواطن يعيش النتائج. وكل قرارٍ لا يحسب ما سيأتي بعده، لا يؤجل المشكلة إلى المستقبل فحسب، بل يرسل إليه فاتورتها أيضًا.

شارك الخبر: