كيف تتحول أزمة الفكة النقدية إلى تضخم مقونن يلتهم دخل المواطن؟


هذا الخبر بعنوان "الفراطة عندما تتحول إلى تضخم مقونن" نشر أولاً على موقع جريدة الوطن وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٢ آب ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
كنا قد تحدثنا قبل فترة عن الخلل النقدي الذي أحدثه غياب بعض الفئات النقدية الصغيرة من التداول، وحذرنا يومها من أن المشكلة لن تبقى محصورة في عبارة “ما معي فراطة، سامحني”، بل ستتحول تدريجياً إلى تضخم مقونن يجد لنفسه مبررات يومية، ويبدأ الناس بالتعامل معه باعتباره أمراً طبيعياً لا مفر منه.
يبدو أن ما حذرنا منه بدأ يتحقق، وأحد أوضح الأمثلة اليوم هو تعرفة وسائل النقل العامة. فبعد أن كانت التعرفة 35 ليرة، ارتفعت إلى 40 ليرة بحجة عدم وجود فئة الخمس ليرات، وكأن غياب الفراطة أصبح سبباً اقتصادياً كافياً لرفع الأسعار. واليوم ارتفعت التعرفة مجدداً إلى 50 ليرة للتخلص من مشكلة الفراطة نهائياً. والمفارقة أن هذا الرفع يأتي بعد أن انخفضت أسعار المحروقات، أي أن أهم مبررات ارتفاع كلفة النقل تراجع، ومع ذلك ارتفعت التعرفة بدلاً من أن تستقر أو تنخفض.
هنا لا تعود المشكلة في قيمة الزيادة وحدها، بل في تكريس منطق اقتصادي خطير يجعل كل عائق نقدي أو تشغيلي مبرراً لإعادة تسعير الخدمة. قد يقول البعض إن خمس عشرة ليرة لا تستحق كل هذا الجدل، لكن الاقتصاد لا يقاس بقيمة الزيادة منفردة، بل بتكرارها واتساعها وانعكاسها على ميزانية الأسرة. فبالنسبة إلى مواطن يحصل في غالبيته على راتب يقارب 12 ألف ليرة، فإن الزيادة البالغة 15 ليرة في الرحلة الواحدة تعني أن أسرة من خمسة أفراد افتراضيا ستدفع 75 ليرة إضافية في الاتجاه الواحد، أي نحو 2250 ليرة شهرياً إذا اقتصرت حركة كل فرد على رحلة واحدة يومياً، وترتفع الكلفة إلى نحو 4500 ليرة مع احتساب رحلة الذهاب والإياب.
جوهر المشكلة هو أن الزيادة الصغيرة حين تتكرر على النقل والسلع والخدمات تتحول إلى عبء كبير على دخل الأسرة، خصوصاً عندما لا ترافقها زيادة مماثلة في الأجور. الحل لا يكون بمنع أي تعديل للأسعار، بل بوضع آلية واضحة للتسعير ارتباطاً بعناصر الكلفة الفعلية، ومعالجة مشكلة الفئات النقدية الصغيرة نقدياً بالدرجة الأولى. المطلوب اليوم وقف هذا المسار قبل أن يصبح التضخم المقونن قاعدة في السوق، لأن حماية دخل المواطن تبدأ بمنع تسرب هذا الراتب عبر زيادات صغيرة متلاحقة.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد