كيف يتعامل طفلك مع المال: ثقافة تتجاوز حدود الادخار والإنفاق التقليدي


هذا الخبر بعنوان "كيف ينظر طفلك إلى المال.. ثقافة تتجاوز الادخار والإنفاق" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٣ آب ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لم تعد التربية المالية اليوم مجرد تعليم تقليدي للادخار والإنفاق، بل أضحت جزءًا لا يتجزأ من التربية النفسية، نظرًا إلى أن علاقتنا بالمال لا تتشكل في أروقة البنوك، وإنما تنمو داخل المحيط الأسري، ليتعلم الطفل من خلالها الأبعاد الوجدانية للمال في حياته، وما إذا كان يمثل له مظلة للأمان، أو أداة لإثبات القيمة، أو وسيلة للتعويض عن مشاعر الحرمان، والبحث عن الحب والقبول.
وفي المقابل، يواجه هذا البناء التربوي تحولًا جذريًا في الواقع المعاصر، فبعد أن كان الطفل يرى المال بصورة ملموسة، أصبح يعيش في عالم رقمي اختفت فيه الحدود تمامًا بين الرغبة والإشباع، إذ يجد نفسه بضغطة واحدة أمام آلاف الإعلانات ومتاجر لا تُغلق أبوابها، ناهيك بألعاب تحفز على الشراء الفوري، ومؤثرين يروجون لأنماط حياة استهلاكية باعتبارها المعيار الوحيد للنجاح.
أبعد من الاقتصاد، قالت استشارية علم النفس الأسري الدكتورة هبة كمال العرنوس، في حديث إلى عنب بلدي، إنه من هذا المنطلق، يرى علم النفس أن الطفل الذي يحسن إدارة المال، هو في الحقيقة طفل تعلم كيفية إدارة رغباته، وهو إنجاز تربوي يتجاوز الجانب الاقتصادي بكثير ليلامس عمق الشخصية وسلوكها. وأضافت العرنوس أن الوعي المالي لدى الطفل يتشكل في مرحلة مبكرة تفوق توقعات الكثيرين، وتحديدًا قبل أن يدرك المفهوم الحسابي أو الدلالة المجردة للأرقام، وذلك عبر مراقبة سلوك الوالدين الاستهلاكي، وآلية تعاملهما مع عمليات الشراء، فضلًا عن نبرة الحديث عن المال وكيفية إدارة الرغبات اليومية.
وفي هذا السياق، حذرت الاستشارية من خطورة الاستجابة الفورية لكل متطلبات الطفل، إذ إن ذلك يرسخ لديه اعتقادًا خاطئًا بأن الإشباع يجب أن يكون لحظيًا دون تأخير. كما نبهت إلى أن ربط الحديث عن المال بالخلافات المستمرة والقلق الأسري يؤدي بالضرورة إلى نشأة الطفل بمخاوف مالية معقدة، حتى قبل أن يصل إلى السن التي تمكنه من الحصول على دخل خاص.
بناء على ذلك، أكدت العرنوس أن التربية المالية لا يمكن تأطيرها كدرس تعليمي يبدأ في سن معين، بل هي ثقافة أسرية متكاملة تتشكل من خلال المواقف الحياتية اليومية. وترى الاستشارية أنه مع دخول الطفل سن المدرسة، يصبح من الممكن ترجمة هذه الثقافة إلى مفاهيم عملية ملموسة، مثل القدرة على الاختيار، وفهم الميزانية، والتدرب على الانتظار، وتحمّل التبعات الاقتصادية للقرارات الشخصية. كما شددت على أهمية استخدام لغة مبسطة تناسب الفئة العمرية للطفل، مع التركيز على بناء الوعي المالي بشكل تدريجي، وتجنب تقديم معلومات مجردة بعيدة عن واقعه المعيشي.
سيكولوجيا الاستهلاك الرقمي: أشارت العرنوس إلى أن الفصل بين الحاجة والرغبة يمثل أحد أهم المهارت النفسية والتربوية في العصر الحديث، لأن الاقتصاد الرقمي أصبح يعتمد في جزء كبير منه على استراتيجية تحول الرغبات الثانوية إلى احتياجات أساسية ملحة. وفي هذا الصدد، أشارت إلى أن الطفل بمجرد مشاهدته لإعلان تجاري قد يقتنع تمامًا بأن اللعبة المعروضة تمثل ضرورة قصوى، أو قد يرى زميله يمتلك جهازًا أحدث فيتولد لديه شعور بأن ما يملكه لم يعد كافيًا لتلبية متطلباته.
واقترحت كخطوة عملية قبل الإقدام على أي عملية شراء، أن يتم طرح أسئلة تحفيزية على الطفل مثل: “ماذا سيضيف هذا الشيء إلى حياتك؟”، و”ماذا سيحدث لو انتظرنا أسبوعًا كاملًا قبل شرائه؟”، و”هل تحتاج إليه فعليًا أم أنك تعيش حالة حماسة مؤقتة فقط؟”. ولفتت الاستشارية إلى أن هذه الأسئلة التفاعلية تلعب دورًا حيويًا في تدريب القشرة التنفيذية في الدماغ، وهي المنطقة الحيوية المسؤولة عن ضبط الاندفاع وعقلنة اتخاذ القرارات.
فلسفة المصروف الشخصي: في السياق ذاته، طرحت العرنوس تساؤلًا جوهريًا حول الممارسات التربوية السائدة، ولا سيما تقديم المصروف الأسبوعي، مستعرضة الطرق الكفيلة بتحويل هذا الإجراء التقليدي إلى أداة فعالة لبناء شخصية الطفل وتطوير مهاراته الذاتية. وتفصيلًا لهذا الجانب، ذكرت أن المصروف ليس مجرد مبلغ مالي عابر، بل يمثل تجربة تربوية مصغرة يتعلم من خلالها الطفل كيفية إدارة الموارد، وتحمل المسؤولية، والتعامل الإيجابي مع الخطأ.
بين التخطيط الواعي والقلق النفسي: بالتوازي مع ذلك، دعت العرنوس إلى غرس ثقافة الادخار لدى الطفل بأساليب تربوية ذكية، تحميه من الوقوع في فخ البخل أو الشعور بالحرمان. وأوضحت أن الادخار لا يعني كبت الرغبات، بل يمثل تدريبًا عمليًا على تأجيل الإشباع، وهي مهارة نفسية وسلوكية كفيلة بضمان نجاح الطفل المستقبلي واستقراره النفسي.
فخاخ التربية المالية للأطفال: نبهت العرنوس إلى أبرز الأخطاء التربوية التي تقع فيها الأسر خلال التعامل المالي مع الأبناء، وجاء في مقدمتها التعويض المادي، إذ يلجأ بعض الآباء، بدافع الانشغال أو الشعور بالذنب، إلى استخدام المال بديلًا عن الحضور العاطفي عبر تلبية طلبات الطفل كافة.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد