الاستثمار المحلي: المحرك الأساسي لإعادة بناء الاقتصاد السوري في ظل تحديات التمويل الخارجي


هذا الخبر بعنوان "الاستثمار المحلي بوابة إعادة بناء الاقتصاد" نشر أولاً على موقع جريدة الوطن وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٢ آب ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في ظل مرحلة التعافي الاقتصادي التي تمر بها سوريا، تبرز الحاجة الماسة للاستثمارات المحلية القادرة على تنشيط الإنتاج، وتوفير فرص عمل، وتعويض محدودية التمويل الخارجي، خاصة مع وجود فجوة استثمارية كبيرة وتراجع حاد في الناتج المحلي والاستثمار الأجنبي.
حتمية الاستثمار المحلي
أكد الباحث الاقتصادي إيهاب اسمندر أن أهمية الاستثمار المحلي تنبع من حجم الفجوة التي خلفتها سنوات الحرب. وأوضح اسمندر في تصريح لـ “الوطن” أن الناتج المحلي الإجمالي لسوريا انخفض من حوالي 68 مليار دولار في عام 2011 إلى ما يقارب 10 مليارات دولار في عام 2024، وفقاً لتقديرات البنك الدولي. وتتجاوز تكلفة إعادة الإعمار 216 مليار دولار، وقد تصل إلى حوالي 400 مليار دولار حسب تقديرات الأسكوا.
وأضاف اسمندر أن أكثر من 50% من البنية التحتية، بما في ذلك قطاعات الكهرباء والمياه والطرق والمستشفيات والمدارس، تعرضت للتدمير أو الضرر. وفي المقابل، تراجع الاستثمار الأجنبي المباشر من حوالي ملياري دولار في عام 2011 إلى أقل من 50 مليون دولار في عام 2024. وأشار إلى أن عودة الاستثمار الأجنبي إلى نصف مستواه السابق، أي حوالي مليار دولار سنوياً، لن تغطي سوى 0.4% من احتياجات إعادة الإعمار السنوية، مما يجعل الاعتماد على المدخرات المحلية والسوريين في الخارج ضرورة اقتصادية لا خياراً.
استثمارات بعوائد مرتفعة
يرى اسمندر أن جدوى الاستثمار المحلي تزداد في القطاعات التي تلبي الاحتياجات الأساسية للسكان. وأشار إلى أن السوريين ينفقون أكثر من 45% من دخولهم على الغذاء، بينما انخفض إنتاج القمح من حوالي 4 ملايين طن إلى أقل من مليون طن حالياً، مما يستلزم استيراد أكثر من 2.5 مليون طن سنوياً بتكلفة تتجاوز 800 مليون دولار.
كما يعتبر اسمندر أن الطاقة الشمسية من القطاعات ذات الجدوى العالية، حيث يمكن أن تتراوح فترة استرداد رأس المال بين سنتين وثلاث سنوات في سوريا، مقارنة بخمس إلى سبع سنوات في الدول المستقرة، وذلك بسبب ارتفاع تكلفة الكهرباء وعدم استقرارها. وتتمتع الصناعات الغذائية بهوامش ربح صافية تتراوح بين 15% و25% في المنتجات الأساسية نظراً للطلب المستمر، بينما لا تتجاوز الهوامش في تجارة السلع الكمالية 5% إلى 10%.
ويضيف أن القطاع الدوائي يمثل فرصة استثمارية مهمة، حيث كانت سوريا تنتج حوالي 90% من احتياجاتها الدوائية قبل عام 2011، في حين توقف أو تدمر أكثر من 40% من المنشآت الدوائية وفقاً لمسح عام 2023.
عقبات أمام رأس المال
يواجه الاستثمار المحلي مجموعة من العقبات، أبرزها تدهور سعر الصرف، والتضخم، وارتفاع تكاليف الطاقة، وصعوبة التمويل، والبيروقراطية. ويلفت اسمندر إلى أن متوسط إنجاز الترخيص الصناعي يتجاوز 200 يوم، مما يشكل هدراً كبيراً للوقت والمال. كما أن الضمانات المطلوبة للحصول على التمويل قد تتجاوز 150% من قيمة القرض.
ويضاف إلى ذلك نقص العمالة الماهرة نتيجة هجرة أعداد كبيرة من أصحاب الكفاءات، مما يرفع أجور الفنيين ويزيد تكلفة تأسيس وتشغيل المشاريع.
تحفيز الاستثمار
يقترح اسمندر إنشاء صندوق لضمان القروض برأسمال يبلغ 100 مليون دولار، وتوسيع تمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة. كما يدعو إلى إعفاء المشروعات الإنتاجية من الضرائب خلال السنوات الخمس الأولى، وتخفيض الرسوم الجمركية على مستلزمات الإنتاج من متوسط 15% إلى 1%.
ويشير إلى أن توجيه 10% فقط من تحويلات السوريين في الخارج، المقدرة بحوالي ملياري دولار سنوياً، إلى مشاريع إنتاجية عبر قنوات رسمية وآمنة، يمكن أن يوفر حوالي 200 مليون دولار، وهو مبلغ كافٍ لتمويل أكثر من 4000 مشروع صغير بمتوسط 50 ألف دولار للمشروع.
كما يدعو إلى خفض مدة الترخيص من 200 يوم إلى أقل من 30 يوماً، وتبسيط الإجراءات الأساسية، بما يساعد على تحسين بيئة الأعمال وجذب رأس المال المحلي.
5 مليارات دولار ممكنة
يقدر الباحث الاقتصادي أن الفجوة الاستثمارية السنوية في القطاعات الحيوية لا تقل عن 10 مليارات دولار، بينما يتجاوز رأس المال المحلي الخامل 30 مليار دولار، موزعة بين مدخرات عائلية، وأموال لدى المغتربين، وأصول عقارية غير مستغلة. ويرى أن جزءاً مهماً من هذه الأموال قابل للتحول إلى استثمارات منتجة إذا توافرت الحماية القانونية والحوافز المناسبة. وأوضح أن حزمة إصلاحات سريعة، تشمل ضمانات القروض والإعفاءات وتحسين الطاقة بتكلفة لا تتجاوز 500 مليون دولار، يمكن أن تحفز استثمارات محلية تصل إلى 5 مليارات دولار خلال ثلاث سنوات.
الاستثمار شرط للتعافي
يخلص اسمندر إلى أن إعادة بناء الاقتصاد السوري لا يمكن أن تعتمد على المساعدات أو الاستثمار الأجنبي وحدهما. فالمدخرات المحلية وتحويلات السوريين في الخارج تمثل كتلة رأسمالية يمكن تحويلها من أموال خاملة إلى طاقة إنتاجية فعالة.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد