سوريا محلي

من مخيم الهول إلى الحياة الجديدة: رحلة أم عبد الرحمن نحو الاندماج وإثبات هوية أطفالها

Syria 24١٣ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ١٢:٠٧ ص2 مشاهدة
من مخيم الهول إلى الحياة الجديدة: رحلة أم عبد الرحمن نحو الاندماج وإثبات هوية أطفالها

تنويه

هذا الخبر بعنوان "بعد سنوات في مخيم الهول.. أربعينية تواجه تحديات الاندماج وإثبات هوية الأبناء" نشر أولاً على موقع Syria 24 وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٢ آب ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

بعد ست سنوات ونصف من العيش في مخيم الهول، وجدت أم عبد الرحمن نفسها أمام تحديات جديدة عقب مغادرتها المخيم في كانون الثاني/يناير الماضي، إثر سيطرة القوات الحكومية السورية على المنطقة. نُقلت مع نساء أخريات إلى مخيم في ريف حلب، وبعد استكمال التحقيقات الأمنية، عادت إلى مسقط رأسها في بلدة حزوان بريف حلب الجنوبي، لتبدأ مرحلة لا تقل تعقيداً عن سنوات المخيم.

تبلغ أم عبد الرحمن من العمر 40 عاماً، وقد فقدت زوجها وانقطعت أخباره. تصف الحياة في الهول بأنها كانت قاسية على كافة المستويات، من المعيشة والرعاية الصحية إلى الشعور الدائم بانعدام الاستقرار. وتقول: «المعاناة ليست فقط في الخروج من المخيم، بل في الحياة هناك أيضاً. كل شيء كان سيئاً، وخصوصاً الوضع الصحي». وتضيف بامتنان: «الحمد لله أن الله فرّج عنا وخرجنا»، مشيرة إلى أن منظمات ساعدت في بعض مراحل الخروج، ومتمنية استمرار الدعم لمن لا يزالون بحاجة إليه.

تصف أم عبد الرحمن الانتقال من المخيم إلى الخارج بأنه أشبه بالعبور بين عالمين، حيث الوضع مختلف تماماً، وشعرت في الأيام الأولى وكأنها تعيش في مكان لا تعرف تفاصيله. وتؤكد أن العائدين يحتاجون إلى مساعدة «للمشي في المجتمع»، بحسب تعبيرها، سواء عبر إيجاد فرص عمل، أو بناء علاقات جديدة، أو التكيف مع حياة تختلف جذرياً عن حياة المخيم.

تتمثل إحدى أولوياتها في استعادة الأوراق الثبوتية اللازمة لتسجيل أطفالها في المدارس وإعادتهم إلى التعليم بعد سنوات من الانقطاع. وتشير إلى أن فريقاً من «وحدة دعم الاستقرار» يساعدها حالياً في متابعة ملف الوثائق عبر محامٍ، بهدف تسوية أوضاعها وأوضاع أطفالها القانونية والإدارية.

لم تتعرض أم عبد الرحمن لمضايقات مباشرة بعد عودتها، وكان تعامل المحيطين بها جيداً في المجمل، لكنها لا تزال قليلة الاختلاط بالناس، ولم تتمكن بعد من الاندماج الكامل في محيطها الجديد. وتسعى في الوقت نفسه لاستعادة قدرتها على العمل، فقد تعلمت الخياطة في المخيم وتفكر في تحويل تلك الخبرة إلى مصدر رزق، لكنها تفتقر إلى المعدات ورأس المال اللازم لبدء مشروع صغير، وتعتمد حالياً على مساعدات محدودة. تأمل في تأمين آلة خياطة قريباً لبدء العمل والمساهمة في الخروج تدريجياً من دائرة الاعتماد على المساعدات.

لكن العودة حملت معها مفارقة لم تكن تتوقعها؛ فعلى الرغم من قسوة سنوات المخيم، فإن وجود والدتها وأخواتها وصديقاتها هناك خلق نوعاً من الألفة افتقدته بعد المغادرة. تقول: «شعرت جيداً عندما التقيت بأهلي وأخواتي، لكن بعد ذلك شعرت بالغربة». وتضيف: «في المخيم كانت أمي وأخواتي ورفاقي إلى جانبي. كانت هناك ألفة أكثر.. هنا تشعر بالوحدة إذا لم تندمج مع الناس».

لا يقتصر هذا الشعور على أم عبد الرحمن وحدها، إذ يخبر ابنها بأنه يشعر هو الآخر بالغربة، وأن كثيراً من الأطفال لا يحبونه، مما يزيد من صعوبة اندماجه في البيئة الجديدة. وترى أن غياب الألفة والعلاقات الاجتماعية المطمئنة يجعل عملية الاندماج أبطأ وأكثر تعقيداً، خصوصاً بالنسبة إلى الأطفال الذين أمضوا سنوات طويلة في بيئة مغلقة ومعزولة.

تزداد الضغوط العائلية مع حاجة أفراد من أسرتها إلى رعاية صحية، ومن بينهم شقيقها الذي يعاني مرضاً في الدم ويحتاج إلى نقل دم بصورة دورية، فيما تحاول العائلة تأمين علاجه في دمشق. تقول إن العلاج يحتاج إلى أموال ومتابعة منتظمة لا تستطيع العائلة توفيرها بسهولة، وتأمل في أن تساعد المنظمات الإنسانية في تأمين الرعاية اللازمة له.

يبقى القلق الأكبر لدى أم عبد الرحمن مرتبطاً بأطفالها. ابنها الأكبر يبلغ 11 عاماً، وقد عاش جزءاً كبيراً من طفولته من دون تعليم منتظم. تقول إن أبناءها حُرموا من المدرسة ومن بيئة اجتماعية طبيعية، وإن سنوات المخيم تركت أثراً واضحاً على قدرتهم على التأقلم مع المجتمع خارج أسواره. وتشير إلى أن أطفالها لا يزالون يفتقدون الشعور بالألفة، ويجدون صعوبة في بناء علاقات جديدة وتقبّل حياة لم يألفوها من قبل.

تربط أم عبد الرحمن هذه الصعوبة أيضاً بسنوات غاب فيها الأب والأخ والجد والعم عن حياة أطفالها، ما جعل انتقالهم إلى مجتمع أوسع تجربة شديدة الحساسية. وتقول إن وجود الناس من حولهم لا يعني بالضرورة وجود القرب الذي يحتاجه الطفل ليشعر بالأمان. وتتمنى أن يتمكن أطفالها من العودة إلى التعليم، وأن يعوضوا ما فاتهم خلال سنوات المخيم، وأن يجدوا مكانهم في المجتمع وتتراجع لديهم مشاعر العزلة وعدم الانتماء.

بالنسبة لأم عبد الرحمن، فإن الخروج من المخيم لم يكن نهاية القصة، بل بداية مسار طويل يشمل الوثائق والتعليم والعمل والعلاج وإعادة بناء الروابط الاجتماعية. وترى أن مساعدة العائدين لا ينبغي أن تتوقف عند نقلهم من المخيمات، بل يجب أن تمتد إلى دعم اندماجهم في المجتمع. وتختتم أمنيتها بقولها: «أتمنى أن يختار الله لنا أياماً أجمل، وأن نكمل هذا الطريق، وأن يعينني الله على تربية أطفالي، وألا أحتاج إلى أحد». في بلدة حزوان، حيث تحاول الأسرة إعادة ترتيب حياتها، تبدو رحلة الاندماج أطول من مجرد العودة إلى المنزل. فبعد ست سنوات ونصف في الهول، لا تزال أم عبد الرحمن وأطفالها يحاولون بناء حياة جديدة خارج المخيم.

شارك الخبر: