كازينو السيادة: كيف تحولت أوطاننا إلى صفقات رخيصة في الغرف المغلقة


هذا الخبر بعنوان "“كازينو” السياسة.. حين يصبح الوطن صفقة" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٣ آب ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لا تكمن الخطورة دائمًا في القرارات المعلَنة بل في تلك التي تُطبخ بعيدًا عن أعين الناس لتصل إليهم كأمر واقع. واليوم، يتسع الهوة بين ما تقوله الدول عن السيادة والمصلحة الوطنية وبين أفعالها حين تتقاطع السياسة مع المال والنفوذ والمصالح الإقليمية والدولية. نحن لا نقف أمام زلات لسان عابرة أو مناكفات حزبية، بل أمام فضيحة كبرى تتحطم فيها هيبة الدول، وتتحول السيادة الوطنية سواء في أروقة البيت الأبيض أو في العواصم التي تنهض من رماد حروبها كدمشق إلى سلعة تُباع وتُشترى في غرف مظلمة.
المشهد السريالي في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث يواجه الرئيس دونالد ترامب اتهامات ببيع القرار السيادي للوبيات المال والتكسب المالي عبر مشاريع سياحية كما حدث في ألبانيا وسوريا وفق تسريبات منصات إعلامية تقدمية مثل برنامج The Young Turks، ليس منعزلًا عن مأساة منطقتنا، بل هو نسخة من نموذج عالمي يُدار بقواعد الكازينو حيث تخسر الشعوب وحدها. هذا السؤال عن تأثير المال في السياسة يبدو أكثر إلحاحًا في سوريا التي أنهكتها الحرب وأثقلت كاهل اقتصادها ومجتمعها.
مع الحديث عن مرحلة سياسية واقتصادية جديدة، نجد أن التبني البراغماتي للقوى الدولية والإقليمية تجاه شخصيات مثل أحمد الشرع يمثل صفقة باردة تمنح بموجبها شرعية الانتقال السياسي وإسقاط العقوبات مقابل الالتزام بضبط حدود إسرائيل ووأد أي مشروع وطني. ويكتشف المواطن السوري أن تضحياته تحولت إلى أوراق عملة في أسواق البورصة السياسية، تمامًا كما يشعر المواطن الأمريكي بأن صوته الانتخابي مجرد وهم أمام سطوة الشيكات المليارية واللوبيات المؤيدة لإسرائيل.
ولا تتوقف الكارثة عند تقاسم النفوذ، بل تمتد لتأكل رغيف الخبز ومدخرات الأجيال. وفي الوقت الذي تكشف فيه الصحافة الأمريكية عن استغلال النخب لمعلومات داخلية لتحقيق أرباح خيالية وإهدار أموال الضرائب على بناء قاعات رقص ومخابئ رئاسية، نجد سيناريو مشابهًا في المشهد السوري وعقود الاستثمار الكبرى التي وُقِّعت مؤخرًا في البنية التحتية والمرافق الحيوية في الساحل السوري والعاصمة، والتي لا تُدار بمعايير وطنية شفافة. وحين تُمنح هذه العقود لتكتلات استثمارية تتقاطع مع دوائر نفوذ عابرة للقارات تتردد صداها في كواليس صفقات صهر ترامب كوشنر وأروقة المال في واشنطن والدوحة، يبرز دور مهندسي المال وشبكات رجال الأعمال.
وهنا يبرز اسم عائلة الخياط، معتز ورامز، أبناء شقيقة محمد حمشو، ليتحولا إلى واجهة اقتصادية تقود مشاريع إعادة الإعمار والاستحواذ عبر تدوير الأحواض الاقتصادية وإبعاد الوجهاء القدامى لحساب شبكات عائلية وجهوية مدعومة بمال قطري وغطاء دولي. وما نراه هو كوميديا سوداء مكتملة الأركان، فاسياسيو واشنطن ودمشق متطابقون في إعادة إنتاج الأنظمة بثوب استثماري جديد.
تحتاج سوريا اليوم إلى عقد اقتصادي وسياسي واضح، يقوم على دولة قانون ومناقصات شفافة ومؤسسات رقابية مستقلة وقضاء قادر على المحاسبة، واقتصاد أولويته خلق فرص العمل وحياة أفضل للناس. فالسيادة ليست شعارًا بل هي أن يعرف المواطن كيف تُتخذ القرارات ومن يستفيد منها، وحين تغيب المؤسسات والشفافية يصبح الانفتاح على الخارج بابًا لتدوير النفوذ والثروة.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة