رائدة الصحافة النسائية وسيدة القلم.. سير ذاتية خالدة لماري عجمي في ذاكرة الوطن


هذا الخبر بعنوان "دمشقيات في ذاكرة الوطن.. ماري عجمي" نشر أولاً على موقع syria.tv وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢ أيلول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
وُلدت ماري عجمي في 14 أيار 1888 في الحارة الجوانية من باب توما بدمشق، ودرست في المدرسة الإيرلندية، ثم الروسية، وكتبت أولى مقالاتها قبل أن تتجاوز الثالثة عشرة من عمرها. تنقّلت بين زحلة وبورسعيد والإسكندرية للتعليم والعمل، قبل أن تعود إلى دمشق لتُطلق، عام 1910، مجلة «العروس»، أول دورية نسائية في غرب آسيا، وهي لم تتجاوز الثانية والعشرين من عمرها.
استقطبت المجلة كبار أدباء العصر، من جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة إلى أحمد شوقي وحافظ إبراهيم وسواهم، وصدر منها أحد عشر مجلدًا في نحو ستة آلاف وتسعمائة صفحه، قبل أن تتوقف نهائيًا عام 1926. وإلى جانب المجلة، تركت ترجمة رواية «المجدلية الحسناء» عام 1913، وترجمة «أمجد الغايات» عام 1927، ومختارات «دوحة الذكرى» من شعرها ونثرها، كما فازت بجائزة الإذاعة البريطانية الشعرية عامَي 1946 و1947.
حين أطلق جمال باشا حملة قمعه عام 1915 ضد مثقفي بلاد الشام وأدبائها، كانت ماري الصحافية الوحيدة التي دخلت السجون العثمانية ووصفت أحوالها. راشت الحراس، وجابت الزنازين، وفي سجن جامع المعلّق بدمشق رأت ما لا يُحتمل: أرواحًا تنتظر الشهادة، وجثثًا تُخرج بعد أربع وعشرين ساعة. زارت الوجيه نخلة باشا المطران، من أهالي بعلبك، فرأته مكبّلًا بسلسلة ضخمة رُبطت إلى قدمه. وفي مرة أخرى، لم تجد سبيلًا للوصول إلى أحد السجناء إلا عبر فوهة قسطل الماء، قناة عين الفيجة، فنادته باسمه وتحادثا عبر خرير الماء. وتمكنت من تمزيق أوراق الاتهام الخاصة بأحد الأدباء، كما دخلت السجن مرةً مرافقةً لغبطة البطريرك الأرثوذكسي، رغم مقاومة الحراس، وقابلت جمال باشا شخصيًا، طالبةً العفو عن رجال الفكر والثقافة.
غير أن جهودها لم تنجح في إنقاذ خطيبها باترو باولي من الإعدام، الذي نُفّذ في 6 أيار 1916 مع قافلة الشهداء الثانية. ففي ساحة المرجة بدمشق أُعدم: شفيق بك مؤيد العظم، والشيخ عبد الحميد الزهراوي، والأمير عمر الجزائري، وشكري بك العسلي، وعبد الوهاب الإنكليزي، ورفيق رزق سلّوم، ورشدي الشمعة. وفي ساحة البرج ببيروت، في اليوم ذاته، أُعدم: عمر حمد، وعبد الغني العريسي، والشيخ أحمد طبارة، ومحمد الشنطي، وإلياس، وجرجي الحداد، وتوفيق البساط، وسعيد فاضل عقل، وسيف الدين الخطيب، وعلي بن عمر النشاشيبي، ومحمود جلال البخاري، وسليم الجزائري، وأمين لطفي الحافظ، وكان باترو باولي بينهم.
بعد رحيله، نذرت نفسها للقلم، وأصبحت عروسه فعلًا لا مجازًا. توفيت ماري عجمي في دمشق في 25 كانون الأول 1965، عن سبعة وسبعين عامًا، ودُفنت في مقبرة باب شرقي للروم الأرثوذكس، بعد أن عاشت عشر سنوات في عزلة ومرض كادا يُنسيان الناس بها وهي لا تزال على قيد الحياة. كانت ماري عجمي ضئيلة الجسم، كبيرة الروح. وُلدت في زمن كانت فيه الصحافة حكرًا على الرجال، فجعلتها ميدانًا رحبًا لنساء عصرها.
ثقافة
سوريا محلي
سوريا محلي
سياسة